صفحة جزء
( 8217 ) فصل : والناس في القضاء على ثلاثة أضرب ; منهم من لا يجوز له الدخول فيه ، وهو من لا يحسنه ، ولم تجتمع فيه شروطه ، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { القضاة ثلاثة ذكر منهم رجلا قضى بين الناس بجهل ، فهو في النار } . ولأن من لا يحسنه لا يقدر على العدل فيه ، فيأخذ الحق من مستحقه ويدفعه إلى غيره .

ومنهم ، من يجوز له ، ولا يجب عليه ، وهو من كان من أهل العدالة والاجتهاد ، ويوجد غيره مثله ، فله أن يلي القضاء بحكم حاله وصلاحيته ، ولا يجب عليه ; لأنه لم يتعين له . وظاهر كلام أحمد ، أنه لا يستحب له الدخول فيه ; لما فيه من الخطر والغرر ، وفي تركه من السلامة ، ولما ورد فيه من التشديد والذم ، ولأن طريقة السلف الامتناع منه والتوقي ، وقد أراد عثمان رضي الله عنه تولية ابن عمر القضاء فأباه .

وقال أبو عبد الله بن حامد : إن كان رجلا خاملا ، لا يرجع إليه في الأحكام ، ولا يعرف فالأولى له توليه ، ليرجع إليه في الأحكام ، ويقوم به الحق ، وينتفع به المسلمون ، وإن كان مشهورا في الناس بالعلم ، يرجع إليه في تعليم العلم والفتوى ، فالأولى الاشتغال بذلك ، لما فيه من النفع مع الأمن من الغرر . ونحو هذا قال أصحاب الشافعي ، وقالوا أيضا : إذا كان ذا حاجة ، وله في القضاء رزق ، فالأولى له الاشتغال به ، فيكون أولى من سائر المكاسب ; لأنه قربة وطاعة . وعلى كل حال ، فإنه يكره للإنسان طلبه ، والسعي في تحصيله ; لأن أنسا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من ابتغى القضاء ، وسأل فيه شفعاء ، وكل إلى نفسه ، ومن أكره عليه ، أنزل الله عليه ملكا يسدده } . قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب . { وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة : يا عبد الرحمن ، لا تسأل الإمارة ; فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها ، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها } . متفق عليه .

الثالث : من يجب عليه ، وهو من يصلح للقضاء ، ولا يوجد سواه ، فهذا يتعين عليه ; لأنه فرض كفاية ، لا يقدر على القيام به غيره فيتعين عليه ، كغسل الميت وتكفينه . وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه لا يتعين عليه ، فإنه سئل : هل يأثم القاضي إذا لم يوجد غيره ؟ قال : لا يأثم .

فهذا يحتمل أنه يحمل على ظاهره ، في أنه لا يجب عليه ، لما فيه من الخطر بنفسه ، فلا يلزمه الإضرار بنفسه لنفع غيره ، ولذلك امتنع أبو قلابة منه ، وقد قيل له : ليس غيرك . ويحتمل أن يحمل على من لم يمكنه القيام بالواجب ، لظلم السلطان أو غيره ; فإن أحمد قال : لا بد للناس من حاكم ، أتذهب حقوق الناس ، .

التالي السابق


الخدمات العلمية