صفحة جزء
[ ص: 485 ] بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير سورة الإنسان

قال بعض العلماء: هي مكية كلها، وحكى النقاش ، والثعلبي عن مجاهد وقتادة أنها مدنية، وقال الحسن وعكرمة : منها آية مكية، وهي قوله تعالى: ولا تطع منهم آثما أو كفورا ، والباقي مدني، وأنها نزلت في صنيع علي بن أبي طالب رضي الله عنه في إطعامه عشاءه وعشاء أهله وولده لمسكين ليلة، ثم ليتيم ليلة، ثم لأسير ليلة ثالثة، متواليات، وقيل نزلت في صنيع ابن الدحداح رضي الله عنه، والله تعالى أعلم.

قوله عز وجل:

هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا

"هل" في كلام العرب قد تجيء بمعنى "قد"، حكاه سيبويه ، لكنها لا تخلو من تقرير، وبابها المشهور الاستفهام المحض، والتقرير أحيانا، فقال ابن عباس : هي هنا بمعنى "قد"، و"الإنسان" يراد به آدم عليه السلام، و"الحين" هو المدة التي بقي فيها طينا قبل أن ينفخ فيه الروح، أي أنه شيء ولم يكن مذكورا منوها به في العالم وفي حالة العدم المحض قبل لم يكن شيئا ولا مذكورا. وقال أكثر المتأولين: "هل" تقرير، و"الإنسان" اسم الجنس، أي: إذا تأمل كل إنسان نفسه علم بأنه قد مر حين من [ ص: 486 ] الدهر عظيم لم يكن هو فيه شيئا مذكورا، أي لم يكن موجودا، وقد يسمى الموجود شيئا فهو مذكور بهذا الوجه، و"الحين" هنا: المدة من الزمن غير محدودة تقع على القليل والكثير، وإنما يحتاج إلى تحديد الحين في الأيمان، فمن حلف أن ألا يكلم أخاه حينا، فذهب بعض العلماء إلى أن الحين سنة، وقال بعضهم: ستة أشهر، والقوي في هذا أن "الإنسان" اسم جنس، وأن الآية جعلت عبرة لكل أحد من الناس ليعلم أن الصانع له قادر على إعادته.

قوله تعالى: إنا خلقنا الإنسان ، هو هنا اسم الجنس بلا خلاف لأن آدم عليه السلام لم يخلق من نطفة، و"أمشاج" معناه: أخلاط، واحدها "مشج" بفتح الميم والشين، قاله ابن السكيت وغيره، وقيل: "مشج" مثل عدل وأعدال، وقيل: "مشيج" مثل شريف وأشراف.

واختلف في المقصود من "الخلط"، فقيل: هو أمشاج ماء الرجل بماء المرأة، وأسند الطبري حديثا، -وهو أيضا في بعض المصنفات- إن عظام ابن آدم وعصبة من ماء الرجل، ولحمه وشحمه من ماء المرأة، وقيل: هو اختلاط أمر الجنين بالنقله من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى غير ذلك، فهو أمر مختلط، وقيل: هو اختلاط الدم والبلغم والسوداء والصفراء فيه. و"نبتليه" معناه: نختبره بالإيجاد والكون في الدنيا، وهو حال من الضمير في "خلقنا"، كأنه قال: مختبرين له بذلك.

وقوله تعالى: "فجعلناه" عطف جملة نعم على جملة نعم، وقال بعض النحويين: إنما المعنى فلنبتليه جعلناه سميعا بصيرا, ثم ترتب اللفظ مؤخرا متداخلا كأنه قال: نحن نبتليه فلذلك جعلناه، والابتلاء -على هذا التأويل- هو بالإسماع والإبصار لا بالإيجاد، وليس "نبتليه" حالا.

وقوله تعالى: "إنا هديناه السبيل" يحتمل أن يريد السبيل العامة للمؤمن والكافر، فذلك بخلق الحواس وموهبة الفطرة ونصب الصنعة الدالة على الصانع، و"هديناه" -على هذا- بمعنى أرشدناه، كما يرشد الإنسان إلى الطريق ويوقف عليه. ويحتمل أن يريد بالسبيل اسم الجنس، أي: هدى المؤمن لإيمانه والكافر لكفره، فـ "هديناه"- على هذا كأنه بمعنى أريناه فقط وليس الهدى في هذه الآية بمعنى خلق الهدى والإيمان، وقوله تعالى: إما شاكرا وإما كفورا حالان وقسمتها "إما". قاله أبو عمرو الداني : [ ص: 487 ] وقرأ أبو العاج: "إما شاكرا وإما كفورا" وأبو العاج هو كثير بن عبد الله السلمي ، شامي، ولى البصرة لهشام بن عبد الملك .

و"أعتدنا" معناه: أعددناه، وقرأ نافع ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم : "سلاسلا" بالصرف، وهذا على ما حكاه الأخفش من لغة من يصرف كل ما لا يصرف إلا أفعل، وهي لغة الشعراء، ثم كثر حتى جرى في كلامهم، وقد علل بعلة وهي أنه لما كان هذا الضرب من الجموع يجمع لشبه الآحاد فصرف، وذلك من شبه الآحاد موجود في قولهم: "صواحب وصواحبات"، وفي قول الشاعر :


. . . . . . . . . . . . نواكسي الأبصار



بالياء جمع "نواكس"، وهذا الإجراء في "سلاسلا" و"قواريرا" ثبت في مصحف ابن [ ص: 488 ] مسعود ومصحف أبي بن كعب ومصحف المدينة ومكة والكوفة والبصرة. وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحمزة : "سلاسل" على ترك الصرف في الوقف والوصل، وهي قراءة طلحة وعمرو بن عبيد . وقرأ أبو عمرو ، وحمزة -فيما روي عنهما-: "سلاسل" في الوصل و"سلاسلا" بألف دون تنوين في الوقف، ورواه هشام عن ابن عامر ; لأن العرب من يقول: "رأيت عمرا"، يقف بألف، وأيضا فالوقف بالألف "سلاسلا" اتباع لخط المصحف.

و"الأبرار" جمع "بار" كشاهد وأشهاد، قال الحسن: هم الذين لا يؤذون الذر ولا يرضون الشر، و"الكأس": ما فيه نبيذ ونحوه مما يشرب به، قال ابن كيسان : ولا يقال "كأس" إلا لما فيه نبيذ ونحوه، ولا يقال "ظعينة" إلا إذا كان عليها امرأة، ولا يقال "مائدة" إلا وعليها طعام، وإلا فهو "خوان". و"المزاج": ما تمزج به الخمور ونحوها، وهي أيضا مزاج له لأنهما تمازجا مزاجا، قال بعض الناس: المزاج نفس الكافور، وقال قتادة : قوم يمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك، وقال الفراء : يقال: إن في الجنة عين تسمى كافورا، وقال بعض المتأولين: إنما أراد كافورا في النكهة والعرف كما تقول إذا مدحت طعاما: هذا الطعام مسك.

وقوله تعالى: "عينا" قيل: هو بدل من قوله تعالى: "كافورا"، وقيل: هو مفعول بقوله تعالى: "يشربون" أي يشربون ماء هذه العين من كأس عطرة كالكافور، وقيل: نصب "عينا" على المدح أو بإضمار "أعني"، وقوله تعالى: "يشرب بها" بمنزلة "يشربها"، فالباء زائدة، قال الهذلي :


شربن بماء البحر.      . . . . . . . . . . . . . . .



[ ص: 489 ] أي: شربن ماء البحر، وقرأ ابن أبي عبلة : "يشربها عباد الله" ، و"عباد الله" هنا خصوص في المؤمنين الناعمين; لأن جميع الخلق عباده. "ويفجرونها" معناه: يشقونها بعود قصب ونحوه حيث شاءوا، فهي تجري عند كل أحد منهم، هكذا ورد الأثر، قال الثعلبي : وقيل: عين في دار النبي صلى الله عليه وسلم تفجر إلى دور الأنبياء عليهم السلام ودور المؤمنين. وهذا قول حسن.

التالي السابق


الخدمات العلمية