صفحة جزء
وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون

وقوله تعالى: وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم حكاية لما سيقال لهم يومئذ من جهته تعالى بطريق التوبيخ والتقريع تقريرا لجواب الجلود أي: ما كنتم تستترون في الدنيا عند مباشرتكم الفواحش مخافة أن تشهد عليكم جوارحكم بذلك كما كنتم تستترون من الناس مخافة الافتضاح عندهم بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء رأسا. ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون من القبائح المخفية فلا يظهرها في الآخرة ولذلك اجترأتم على ما فعلتم، وفيه إيذان بأن شهادة الجوارح بإعلامه تعالى حينئذ لا بأنها كانت عالمة بما شهدت به عند صدوره عنهم. عن ابن مسعود رضي الله عنه كنت مستترا بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن [ ص: 11 ] أخفينا فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى وما كنتم تستترون الآية ، فالحكم المحكي حينئذ يكون خاصا بمن كان على ذلك الاعتقاد من الكفرة، ولعل الأنسب أن يراد بالظن معنى مجازي يعم معناه الحقيقي وما يجري مجراه من الأعمال المنبئة عنه كما في قوله تعالى: يحسب أن ماله أخلده ليعم ما حكي من الحال جميع أصناف الكفرة فتدبر.

التالي السابق


الخدمات العلمية