صفحة جزء
[ ص: 1745 ] (10) سورة يونس مكية

وآياتها تسع ومائة

بسم الله الرحمن الرحيم

نعود مرة أخرى إلى الحياة مع القرآن المكي، بجوه الخاص، وظلاله وإيقاعاته وإيحاءاته. بعد ما عشنا فترة في هذه الظلال مع سورتي الأنفال والتوبة من القرآن المدني.

والقرآن المكي، ولو أنه قرآن من القرآن، يشترك مع سائره في خصائصه القرآنية العامة; وفي تفرده من كل قول آخر لا يحمل الطابع الرباني الفريد العجيب، في الموضوع وفي الأداء سواء.. إلا أن له مع ذلك جوه الخاص، ومذاقه المعين، الذي يعينه موضوعه الأساسي (وهو في اختصار: حقيقة الألوهية، وحقيقة العبودية، وحقيقة العلاقات بينهما; وتعريف الناس بربهم الحق الذي ينبغي أن يدينوا له ويعبدوه، ويتبعوا أمره وشرعه; وتنحية كل ما دخل على العقيدة الفطرية الصحيحة من غبش ودخل وانحراف والتواء; ورد الناس إلى إلههم الحق الذي يستحق الدينونة لربوبيته).. كما يعينه أسلوب العرض لهذا الموضوع. وهو أسلوب موح، عميق الإيقاع، بالغ التأثير; حيث تشترك في أداء هذا الغرض كل خصائص التعبير من البناء اللفظي، إلى المؤثرات الموضوعية على النحو الذي فصلناه من قبل في سورة الأنعام ، والذي سلم به هنا إن شاء الله.

ولقد كان آخر عهدنا - في هذه الظلال - بالقرآن المكي سورة الأنعام وسورة الأعراف متواليتين في ترتيب المصحف - وإن لم تكونا متواليتين في ترتيب النزول - ثم جاءت الأنفال والتوبة بجوهما وطبيعتهما وموضوعاتهما المدنية الخاصة - فالآن إذ نعود إلى القرآن المكي نجد سورتي يونس وهود متواليتين في ترتيب المصحف وفي ترتيب النزول أيضا.. والعجيب أن هناك شبها كبيرا بين هاتين السورتين وتلكما في الموضوع، وفي طريقة عرض هذا الموضوع كذلك! فسورة الأنعام تتناول حقيقة العقيدة ذاتها، وتواجه الجاهلية بها، وتفند هذه الجاهلية عقيدة وشعورا، وعبادة وعملا. بينما سورة الأعراف تتناول حركة هذه العقيدة في الأرض وقصتها في مواجهة الجاهلية على مدار التاريخ. وكذلك نحن هنا مع سورتي يونس وهود.. في شبه كبير في الموضوع وفي طريقة العرض أيضا.. إلا أن سورة الأنعام تنفرد عن سورة يونس، بارتفاع وضخامة في الإيقاع، [ ص: 1746 ] وسرعة وقوة في النبض، ولألاء شديد في التصوير والحركة.. بينما تمضي سورة يونس، في إيقاع رخي، ونبض هادئ، وسلاسة وديعة!.. فأما هود فهي شديدة الشبه بالأعراف موضوعا وعرضا وإيقاعا ونبضا.. ثم تبقى لكل سورة شخصيتها الخاصة، وملامحها المميزة، بعد كل هذا التشابه والاختلاف!

والموضوع الرئيسي في سورة يونس هو ذات الموضوع العام للقرآن المكي الذي سبق بيانه في الفقرة السابقة.. والسورة تتناول محتوياته وفق طريقتها الخاصة، التي تحدد شخصيتها وملامحها.. ونحن لا نملك - في هذا التقديم - إلا تلخيص هذه المحتويات واحدا واحدا في إجمال، حتى يجيء بيانها المفصل في أثناء استعراض النصوص القرآنية:

إنها تواجه ابتداء موقف المشركين في مكة من حقيقة الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن هذا القرآن ذاته بالتبعية; فتقرر لهم أن الوحي لا عجب فيه، وأن هذا القرآن ما كان ليفترى من دون الله:

الر تلك آيات الكتاب الحكيم. أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس، وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم، قال الكافرون إن هذا لساحر مبين .. وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات، قال الذين لا يرجون لقاءنا: ائت بقرآن غير هذا أو بدله. قل: ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي، إن أتبع إلا ما يوحى إلي، إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم. قل: لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به، فقد لبثت فيكم عمرا من قبله، أفلا تعقلون؟ فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته؟ إنه لا يفلح المجرمون .. وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله، ولكن تصديق الذي بين يديه، وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين. أم يقولون افتراه؟ قل: فأتوا بسورة مثله، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ..

وتواجه طلبهم خارقة مادية - غير القرآن - واستعجالهم بالوعيد الذي يسمعونه. فتقرر لهم أن آية هذا الدين هي هذا القرآن، وهو يحمل برهانه في تفرده المعجز الذي تتحداهم به. وأن الآيات في يد الله ومشيئته، وأن موعدهم بالجزاء يتعلق بأجل يقدره الله، والنبي لا يملك شيئا فهو عبد من عباد الله. - وفي هذا جانب من التعريف لهم بربهم الحق وحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية - : ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات، وما كانوا ليؤمنوا، كذلك نجزي القوم المجرمين. ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم، لننظر كيف تعملون .. ولكل أمة رسول، فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون. ويقولون: متى هذا الوعد، إن كنتم صادقين؟ قل: لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله، لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. قل: أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا؟ ماذا يستعجل منه المجرمون؟ أثم إذا ما وقع آمنتم به؟ آلآن وقد كنتم به تستعجلون؟! .. ويقولون: لولا أنزل عليه آية من ربه! فقل: إنما الغيب لله، فانتظروا إني معكم من المنتظرين .

وتواجه اضطراب تصورهم لحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية - الأمر الذي يحدثهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه، فيكذبون بالوحي أو يتشككون فيه; ويطلبون قرآنا غيره، أو يطلبون خارقة مادية تثبت لهم صحته - بينما هم سادرون في عبادة ما لا يضرهم ولا ينفعهم من الشركاء على اعتقاد أنهم شفعاؤهم عند الله; كما يزعمون لله الولد سبحانه بلا علم ولا بينة.. فتقرر لهم صفات الإله الحق وآثار قدرته في الوجود من حولهم، وفي وجودهم هم أنفسهم، وفيما يتقلب بهم من ظواهر الكون، وما يتقلب بهم هم من أحوال [ ص: 1747 ] وهتاف فطرتهم وأنفسهم بربها الحق عند مواجهة الخطر الذي لا دافع له إلا الله.. وهذه هي القضية الكبرى التي تستغرق قطاعات شتى من السورة، والتي تتفرع عنها سائر محتوياتها الأخرى: إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش يدبر الأمر، ما من شفيع إلا من بعد إذنه. ذلكم الله ربكم فاعبدوه، أفلا تذكرون؟ إليه مرجعكم جميعا، وعد الله حقا، إنه يبدأ الخلق ثم يعيده، ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط، والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون. هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا، وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب، ما خلق الله ذلك إلا بالحق، يفصل الآيات لقوم يعلمون. إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون .. ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. قل: أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض؟ سبحانه وتعالى عما يشركون .. هو الذي يسيركم في البر والبحر، حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف، وجاءهم الموج من كل مكان، وظنوا أنهم أحيط بهم، دعوا الله مخلصين له الدين: لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين. فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق، يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا، ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون .. قل: من يرزقكم من السماء والأرض؟ أمن يملك السمع والأبصار؟ ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي؟ ومن يدبر الأمر؟ فسيقولون: الله. فقل: أفلا تتقون؟ فذلكم الله ربكم الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال! فأنى تصرفون؟ .. قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده؟ قل: الله يبدأ الخلق ثم يعيده، فأنى تؤفكون؟ قل: هل من شركائكم من يهدي إلى الحق؟ قل: الله يهدي للحق. أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى؟ فما لكم كيف تحكمون؟ وما يتبع أكثرهم إلا ظنا، إن الظن لا يغني من الحق شيئا، إن الله عليم بما يفعلون .. ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض، وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء، إن يتبعون إلا الظن، وإن هم إلا يخرصون. هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا، إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون .. قالوا: اتخذ الله ولدا - سبحانه - هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض، إن عندكم من سلطان بهذا؟ أتقولون على الله ما لا تعلمون؟ قل: إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون. متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم، ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون .. ألا إن لله ما في السماوات والأرض. ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون. هو يحيي ويميت وإليه ترجعون .

وتصور لهم حضور الله - سبحانه - وشهوده لكل ما يهم به البشر، وكل ما يزاولون من نية وعمل مما يملأ الحس البشري بالرهبة والروعة، كما يملؤه بالحذر واليقظة.. وذلك في مثل قوله تعالى في هذه السورة: وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن. ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه. وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، إلا في كتاب مبين .

كذلك تملأ نفوسهم بالتوجس والتوقع لبأس الله في كل لحظة، ليخرجوا من الغفلة التي ينشئها الرخاء والنعمة، ولا ينخدعوا بازدهار الحياة حولهم فيأمنوا بأس الله الذي يأتي بغتة: إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض، مما يأكل الناس والأنعام. حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت، وظن أهلها أنهم قادرون عليها، أتاها أمرنا ليلا أو نهارا، فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس. [ ص: 1748 ] كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون .. قل: أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا! ماذا يستعجل منه المجرمون؟ أثم إذا ما وقع آمنتم به؟ آلآن وقد كنتم به تستعجلون؟! .

وتواجه اطمئنانهم للحياة الدنيا ورضاهم بها عن الآخرة، وتكذيبهم بلقاء الله، بتحذيرهم من هذه الطمأنينة الخادعة، ومن الخسارة في الصفقة الدون التي يرضونها، وتعريفهم بأن هذه الحياة الدنيا إنما هي للابتلاء، وفي الآخرة الجزاء.. ثم تواجههم بعرض مشاهد متنوعة من مشاهد القيامة; وخاصة ما يتصل منها بتخلي الشركاء عن عبادهم، وتبرئهم منهم إلى الله، وتعذر الفداء من العذاب مهما كبر الفداء: إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، والذين هم عن آياتنا غافلون. أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم، تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم. دعواهم فيها: سبحانك اللهم. وتحيتهم فيها سلام. وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين .. ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا، وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا، كذلك نجزي القوم المجرمين. ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون .. والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. للذين أحسنوا الحسنى وزيادة، ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة، أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون. والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، وترهقهم ذلة، ما لهم من الله من عاصم، كأنما أغشيت وجوههم قطعا. من الليل مظلما، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .. ويوم نحشرهم جميعا، ثم نقول للذين أشركوا: مكانكم أنتم وشركاؤكم! فزيلنا بينهم، وقال شركاؤهم: ما كنتم إيانا تعبدون فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم، إن كنا عن عبادتكم لغافلين. هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت، وردوا إلى الله مولاهم الحق، وضل عنهم ما كانوا يفترون .. ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم. قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين .. ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به، وأسروا الندامة لما رأوا العذاب، وقضي بينهم بالقسط، وهم لا يظلمون ..

ثم تواجه ما يترتب على اضطراب تصورهم للألوهية; وما يترتب على تكذيبهم بالبعث والآخرة، وما يترتب على تكذيبهم بالوحي والنذارة من انطلاقهم في واقع الحياة العملية يزاولون خصائص الربوبية في التشريع لحياتهم، والتحليل والتحريم في أرزاقهم ومعاملاتهم وفق ما تصوره لهم وثنيتهم واعتقادهم بالشركاء الذين يجعلون لهم نصيبا مما رزقهم الله يأخذه السدنة والكهنة ليحلوا لهم ما يشاءون ويحرموا عليهم ما يشاءون..

وهي القضية الكبرى التي تلي قضية الاعتقاد وتنبثق منها: قل: أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا؟ قل: آلله أذن لكم؟ أم على الله تفترون؟ وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة؟ إن الله لذو فضل على الناس، ولكن أكثرهم لا يشكرون .

والسورة تحتشد - في إبلاغ تلك الحقائق التي تحتويها وتثبيتها وتعميقها واستجاشة القلوب والعقول لها - بشتى المؤثرات الموحية، التي يحفل بها الأداء القرآني الفريد في الموضوع وفي التعبير عنه سواء. وهي مؤثرات - على عمقها وحيويتها وحركتها - تناسب شخصية السورة وطبيعتها التي تحدثنا في الفقرة الأولى عنها.. وهذه نماذج منها، نلم بها هنا إجمالا، حتى نستعرضها في السياق تفصيلا:

التالي السابق


الخدمات العلمية