صفحة جزء
[ ص: 463 ] كتاب الطلاق


[ ص: 463 ] كتاب الطلاق لما فرغ من النكاح وبيان أحكامه اللازمة عند وجوده والمتأخرة عنه وهي أحكام الرضاع شرع يذكر ما به يرتفع لأنه فرع تقدم وجوده واستعقاب أحكامه ، وأيضا بينه وبين الرضاع مناسبة من جهة أن كلا منهما يوجب الحرمة إلا أن ما بالرضاع حرمة مؤبدة ، وما بالطلاق مغيا بغاية معلومة فقدم بيان الحكم الأشد اهتماما بشأنه ، ثم ثنى بالأخف ، وأيضا الترتيب الوجودي يناسبه الترتيب الوضعي ، والنكاح سابق في الوجود بأحكامه ويتلوه الطلاق فأوجده في التعليم كذلك . والطلاق اسم بمعنى المصدر الذي هو التطليق كالسلام والسراح بمعنى التسليم والتسريح ، ومنه قوله تعالى { الطلاق مرتان } أي التطليق ، أو هو مصدر طلقت بضم اللام أو فتحها طلاقا كالفساد .

وعن الأخفش نفي الضم . وفي ديوان الأدب إنه لغة ، والطلاق لغة رفع الوثاق مطلقا ، واستعمل فعله بالنسبة إلى غير نكاح المرأة من الأفعال أطلقت بعيري وأسيري ، وفيه من التفعيل طلقت امرأتي ، يقال ذلك إخبارا عن أول طلقة أوقعها ، فإن قاله ثانية فليس فيه إلا التأكيد ، أما إذا قاله في الثالثة فللتكثير كغلقت الأبواب . وفي الشرع رفع قيد النكاح بلفظ مخصوص وهو ما اشتمل على مادة ط ل ا ق صريحا كأنت طالق أو كناية كمطلقة بالتخفيف وهجاء طالق بلا تركيب كأنت طالق على ما سيأتي وغيرهما كقول القاضي فرقت بينهما عند إباء الزوج الإسلام والعنة واللعان وسائر الكنايات المفيدة للرجعة والبينونة ولفظ الخلع فخرج تفريق القاضي في إبائها وردة أحد الزوجين وتباين الدارين حقيقة وحكما وخيار البلوغ والعتق وعدم الكفاءة ونقصان المهر فإنها ليست طلاقا ، فقول بعضهم رفع قيد النكاح من أهله في محله غير مطرد لصدقه على الفسوخ ومشتمل على ما لا حاجة إليه ، فإن كونه من الأهل في المحل من شرط وجوده لا دخل له في حقيقته والتعريف لمجردها

وركنه نفس اللفظ .

وأما سببه فالحاجة إلى الخلاص عند تباين الأخلاق وعروض البغضاء الموجبة عدم إقامة حدود الله تعالى ، وشرعه رحمة منه سبحانه وتعالى . وشرطه في الزوج أن يكون عاقلا بالغا مستيقظا ، وفي الزوجة أن تكون منكوحته أو في عدته التي تصلح معها محلا للطلاق . وضبطها في المحيط فقال : المعتدة بعدة الطلاق يلحقها الطلاق ، والمعتدة بعدة الوطء لا يلحقها الطلاق . وقد يقال : إنه غير حاصر إذ تتحقق العدة دونهما كما لو عرض فسخ [ ص: 464 ] بخيار بعد مجرد الخلوة اللهم إلا أن تلحق الخلوة بالوطء ، فكأنها هو وفيه تساهل ، ثم يقتضي أن كل عدة عن فسخ بعروض حرمة مؤبدة أو غير مؤبدة لا يقع فيها طلاق ولا شك فيه في الحرمة المؤبدة ، كما إذا عرضت الحرمة بتقبيل ابن الزوج فإنه لا فائدة حينئذ في اعتباره ; لأنه لا يتوقت بغاية ليفيد الطلاق فائدته . وأما في الفسخ بغيرها فالمصرح به في العدة من خيار العتق والبلوغ أنه لا يلحقها طلاق ; لأنه فسخ فيجعل كأنه لم يكن ، وكذا بعدم الكفاءة ونقصان المهر ، وعلى هذا إذا سبي أحد الزوجين فوقعت الفرقة لا يقع طلاق الزوج لعدم العدة ; لأن المسبي إذا كان الزوج فلا عدة على زوجته الحربية ، وإن كانت المرأة فكذلك لحلها للسابي بالاستبراء .

ومثله لو وقعت الفرقة بمهاجرة أحدهما مسلما أو ذميا لا يقع طلاق ; لأنه إن كان الرجل فلا عدة على الحربية ، وإن كانت المرأة فكذلك عند أبي حنيفة وعندهما ، وإن كان عليها العدة فهي عدة لا توجب ملك يد إذ لا يد للحربي ، وأقل ما يقع فيه الطلاق ملك اليد فكانت كالعدة عن الفرقة في نكاح فاسد ، وكذا لو خرج الزوجان مستأمنين فأسلم أحدهما أو صار ذميا فهي امرأته حتى تحيض ثلاث حيض ، فإذا حاضتها وقعت الفرقة بلا طلاق فلا يقع عليها طلاقه ; لأن المصر منهما كأنه في دار الحرب لتمكنه من الرجوع ، إلا أنه منقوض بما إذا أسلم أحد الزوجين الذميين وفرق بينهما بإباء الآخر فإنه يقع عليها طلاقه وإن كانت هي الآبية مع أن الفرقة هناك فسخ ، وبه ينتقض ما قيل إذا أسلم أحد الزوجين لم يقع عليها طلاقه ، وينتقض أيضا بالمرتد يقع عليها طلاقه مع أن الفرقة بردته فسخ خلافا لأبي يوسف رحمه الله ، ولو كانت هي المرتدة فهي فسخ اتفاقا ، ويقع طلاقه عليها في العدة . واختلف في محليتها للطلاق لو هاجرت فانفسخ النكاح فهاجر بعدها وهي في العدة على قولهما لم يقع طلاقه . قال في المبسوط : وقيل هذا قول أبي يوسف رحمه الله الأول وهو قول محمد فأما على قول أبي يوسف الآخر يقع طلاقه ، وهو نظير ما لو اشترى الرجل امرأته بعدما دخل بها ثم أعتقها وطلقها في العدة لا يقع طلاقه في قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد . وفي قول أبي يوسف الآخر يقع ، وكذا الخلاف فيما لو اشترت المرأة زوجها : يعني فأعتقته ، فحكى الخلاف في هاتين المسألتين على عكس ما حكاه في المنظومة في المسألة الثانية ، ولو ارتد ولحق بدار الحرب لا يقع طلاقه اتفاقا .

فلو عاد وهي بعد في العدة فطلقها فهو على هذا الخلاف ، وما ذكر من أنه لا عدة على الحربية في دار الحرب عندهما يخالف ما ذكره محمد في السير فما إذا أسلمت امرأة الحربي وهما في دار الحرب حيث يتأخر وقوع الفرقة بينهما إلى مضي ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر ، فإذا مضت وقعت الفرقة . قال محمد : وعليها ثلاث حيض أخرى وهي فرقة بطلاق ، ولهذا يقع عليها طلاقه ; لأن تلك الفرقة ليست للتباين بل للإباء إلا أن المدة أقيمت مقام إبائه بعد العرض فلذا يقع عليها طلاقه .

وأما وصفه فهو أبغض المباحات إلى الله تعالى على ما رواه أبو داود وابن ماجه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال { إن أبغض المباحات عند الله الطلاق } فنص على إباحته وكونه مبغوضا وهو لا يستلزم ترتب لازم المكروه الشرعي إلا لو كان مكروها بالمعنى الاصطلاحي ، ولا يلزم ذلك من وصفه بالبغض إلا لو لم يصفه بالإباحة لكنه وصفه بها ; لأن أفعل التفضيل بعدما أضيف إليه ، وغاية ما فيه أنه مبغوض إليه سبحانه وتعالى ولم يترتب عليه ما رتب على المكروه ، ودليل نفي الكراهة قوله تعالى { لا جناح عليكم إن طلقتم [ ص: 465 ] النساء ما لم تمسوهن } وطلاقه صلى الله عليه وسلم حفصة ثم أمره سبحانه وتعالى أن يراجعها فإنها صوامة قوامة ، وبه يبطل قول القائلين لا يباح إلا لكبر كطلاق سودة أو ريبة فإن طلاقه حفصة لم يقرن بواحد منهما .

وأما ما روي { لعن الله كل ذواق مطلاق } فمحمله الطلاق لغير حاجة بدليل ما روي من قوله صلى الله عليه وسلم { أيما امرأة اختلعت من زوجها بغير نشوز فعليها لعنة الله والملائكة والناس أجمعين } ولا يخفى أن كلامهم فيما سيأتي من التعاليل يصرح بأنه محظور لما فيه من كفران نعمة النكاح وللحديثين المذكورين وغيرهما ، وإنما أبيح للحاجة والحاجة ما ذكرنا في بيان سببه فبين الحكمين منهم تدافع ، والأصح حظره إلا لحاجة للأدلة المذكورة ، ويحمل لفظ المباح على ما أبيح في بعض الأوقات : أعني أوقات تحقق الحاجة المبيحة ، وهو ظاهر في رواية لأبي داود { ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق } وإن الفعل لا عموم له في الزمان ، غير أن الحاجة لا تقتصر على الكبر والريبة ، فمن الحاجة المبيحة أن يلقى إليه عدم اشتهائها بحيث يعجز أو يتضرر بإكراهه نفسه على جماعها ، فهذا إذا وقع فإن كان قادرا على طول غيرها مع استبقائها ورضيت بإقامتها في عصمته بلا وطء أو بلا قسم فيكره طلاقه كما كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وسودة ، وإن لم يكن قادرا على طولها أو لم ترض هي بترك حقها فهو مباح ; لأن مقلب القلوب رب العالمين . وأما ما روي عن الحسن وكان قيل له في كثرة تزوجه وطلاقه فقال : أحب الغنى ، قال الله تعالى { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته } فهو رأي منه إن كان على ظاهره ، وكل ما نقل عن طلاق الصحابة رضي الله عنهم كطلاق عمر رضي الله عنه أم عاصم وعبد الرحمن بن عوف تماضر والمغيرة بن شعبة الزوجات الأربع دفعة واحدة فقال لهن : أنتن حسنات الأخلاق ناعمات الأطواق طويلات الأعناق اذهبن فأنتن طلاق فمحمله وجود الحاجة مما ذكرنا ، وأما إذا لم تكن حاجة فمحض كفران نعمة وسوء أدب فيكره ، والله سبحانه وتعالى أعلم . .

وأما حكمه فوقوع الفرقة مؤجلا بانقضاء العدة في الرجعي وبدونه في البائن . وأما محاسنه فمنها ثبوت التخلص به من المكاره الدينية والدنيوية ، ومنها جعله بيد الرجال دون النساء لاختصاصهن بنقصان العقل وغلبة الهوى ، وعن ذلك ساء اختيارهن وسرع اغترارهن ونقصان الدين ، وعنه كان أكثر شغلهن بالدنيا وترتيب المكايد وإفشاء سر الأزواج وغير ذلك ، ومنها شرعه ثلاثا ; لأن النفس كذوبة ربما يظهر عدم الحاجة إليها أو الحاجة إلى تركها وتسوله ، فإذا وقع حصل الندم وضاق الصدر به وعيل الصبر ، فشرعه سبحانه وتعالى ثلاثا ليجرب نفسه في المرة الأولى ، فإن كان الواقع صدقها استمر حتى تنقضي العدة وإلا أمكنه التدارك بالرجعة ، ثم إذا عادت النفس إلى مثل الأول وغلبته حتى عاد إلى طلاقها نظر أيضا فيما يحدث له فما يوقع الثالثة إلا وقد [ ص: 466 ] جرب وفقه في حال نفسه ، وبعدد الثلاث تبلى الأعذار . .

التالي السابق


الخدمات العلمية