صفحة جزء
[ ص: 205 ] باب ) الردة : كفر المسلم بصريح ; أو لفظ يقتضيه ; [ ص: 206 ] أو فعل يتضمنه : كإلقاء مصحف بقذر ، وشد زنار ، [ ص: 207 ] وسحر ، [ ص: 208 ] وقول بقدم العالم أو بقائه ، أو شك في ذلك [ ص: 209 ] أو بتناسخ الأرواح أو في كل جنس نذير أو ادعى شركا مع نبوته عليه الصلاة والسلام [ ص: 210 ] أو بمحاربة نبي ، أو جوز اكتساب النبوة أو ادعى أنه يصعد للسماء ، أو يعانق الحور ، أو استحل : كالشرب ، [ ص: 211 ] لا بأماته الله كافرا على الأصح


[ ص: 205 ] باب ) في بيان حقيقة الردة وأحكامها

( الردة ) بكسر الراء وشد الدال أي حقيقتها شرعا ( كفر ) بضم فسكون جنس شمل الردة وسائر أنواع الكفر الشخص ( المسلم ) بضم فسكون فكسر ، أي الذي ثبت إسلامه ببنوته لمسلم وإن لم ينطق بالشهادتين أو بنطقه بهما عالما بأركان الإسلام ملتزما لها والإضافة فصل مخرج سائر أنواع الكفر . ابن عرفة الردة كفر بعد إسلام قرر المتيطي إن نطق الكافر بالشهادتين ووقف على شرائع الإسلام وحدوده والتزمها تم إسلامه ، وإن أبى التزامها فلا يقبل منه إسلامه ، ولا يكره على التزامها ويترك لدينه ولا يعد مرتدا وإذا لم يوقف هذا الإسلامي على شرائع الإسلام فالمشهور أنه يؤدب ويشدد عليه ، فإن تمادى على إبايته ترك في لعنة الله قاله الإمام مالك وابن القاسم وغيرهما رضي الله تعالى عنهم وبه العمل والقضاء .

وقال أصبغ إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ثم رجع قتل بعد استتابته وإن لم يصل ولم يصم . الحط احترز بكفر المسلم من انتقال كافر من دينه لدين آخر غير الإسلام ، فإن المشهور أنه لا يتعرض له وهو قول الإمام مالك " رضي الله عنه " ، وسيصرح المصنف به ، وقيل يقتل إلا أن يسلم . واختلف العلماء في الكافر الذي يتزندق فقال الإمام مالك ومطرف وابن عبد الحكم وأصبغ لا يقتل لخروجه من كفر إلى كفر .

وقال ابن الماجشون يقتل لأنه دين لا يقر عليه ولا تؤخذ عليه جزية وسواء كفر ( ب ) قول ( صريح ) في الكفر كقوله كفر بالله أو برسول الله أو بالقرآن أو الإله اثنان أو ثلاثة أو المسيح ابن الله أو العزيز ابن الله ( أو ) ب ( لفظ يقتضيه ) أي يستلزم اللفظ [ ص: 206 ] الكفر استلزاما بينا كجحد مشروعية شيء مجمع عليه معلوم من الدين ضرورة ، فإنه يستلزم تكذيب القرآن أو الرسول ، وكاعتقاد جسمية الله وتحيزه ، فإنه يستلزم حدوثه واحتياجه لمحدث ونفي صفات الألوهية عنه جل جلاله وعظم شأنه .

( أو ) ب ( فعل يتضمنه ) أي يستلزم الفعل الكفر استلزاما بينا ( كإلقاء ) بكسر الهمز وسكون اللام فقاف ممدودا أي رمي ( مصحف ) بتثليث الميم وسكون الصاد المهملة وفتح الحاء المهملة أي الكتاب المشتمل على النقوش الدالة على كلام الله تعالى ( ب ) شيء ( قذر ) بفتح القاف وكسر الذال المعجمة ، أي مستقذر مستعاف ولو طاهرا كبصاق ، ومثل إلقائه تلطيخه به أو تركه به مع القدرة على إزالته لأن الدوام كالابتداء وكالمصحف جزؤه والحديث القدسي والنبوي ولو لم يتواتر وأسماء الله تعالى وأسماء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . البناني بل أصبعه بريقه ووضعها على ورقه لتقليبه حرام وليس ردة لعدم قصده التحقير الذي هو موجب الكفر في هذه الأمور ومن وجد ورقة مثلا مكتوبة مرمية في الطريق ولم يعلم ما فيها حرم عليه تركها ، فإن علم أن فيها آية أو حديثا أو اسما من أسماء الله تعالى أو الأنبياء وتركها فقد كفر قاله المناوي .

العدوي وضعه على الأرض استخفافا به كإلقائه بقذر ، ثم قال لا بد في الإلقاء من كونه لغير خوف على نفس من قتل أو قطع . ابن عرفة ابن شاس ظهور الردة إما بالتصريح بالكفر أو بلفظ يقتضيه أو بفعل يتضمنه . قلت قوله أو بلفظ يقتضيه كإنكار غير حديث الإسلام وجوب ما علم وجوبه من الدين ضرورة ، وقوله وفعل يتضمنه كلبس الزنا والقاء المصحف في صريح النجاسة والسجود للصنم ونحو ذلك .

( و ) ك ( شد ) بفتح الشين المعجمة وشد الدال أي ربط ( زنار ) بضم الزاي وشد النون ثم راء أي حزام فيه خطوط ملونة بألوان مختلفة يشد الكافر وسطه به ليتميز عن المسلم والمراد به هنا ملبوس الكافر الخاص به إن شده مسلم محبة لذلك الدين وميلا لأهله لا هزلا ولعنا وإن حرم ، وإن كان لضرورة كأسير عندهم لم يجد غير ملبوسهم فلا يحرم [ ص: 207 ] قاله ابن مرزوق . شب ظاهر كلام المصنف أن مجرد شده كفر وظاهر كلام الشارحين ترجيح القول بأنه لا بد أن ينضم إليه مشي للكنيسة أو نحوه واقتصر عليه في الذخيرة وهو ظاهر كلام الشفاء في محل ومثل الزنا وما يختص بزي الكفر والسجود للصنم .

( و ) ك ( سحر ) الشارح هذا من القول المقتضي للكفر . البساطي هذا مما اجتمع فيه القول والفعل . ابن العربي هو كلام مؤلف يعظم به غير الله تعالى وتنسب إليه المقادير والكائنات . ابن عرفة هو أمر خارق للعادة ينشأ عن سبب معتاد كونه عنه فخرجت المعجزة ، الشيخ محمد عن مالك وأصحابه " رضي الله تعالى عنهم " الساحر كافر بالله تعالى ، فإذا سحر هو بنفسه قتل ولا يستتاب . مالك " رضي الله عنه " هو كالزنديق إذا عمل السحر بنفسه وقد أمرت أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب " رضي الله عنها " عنهما بقتل جارة لها سحرتها فقتلت .

ابن عبد الحكم وأصبغ هو كالزنديق ميراثه لورثته المسلمين وإن كان مظهرا السحر والزندقة استتيب ، فإن لم يتب قتل وماله فيء في بيت المال ولا يصلى عليه ، ولما ذكر الباجي رواية محمد أن السحر كفر قال إن عمله مسلم فهو مرتد . وفي الموازية في الذي يقطع أذن الرجل أو يدخل السكين في جوف نفسه إن كان سحرا قتل ، وإن كان غيره عوقب ا هـ .

أبو عمر روى ابن نافع في المبسوط في امرأة أقرت أنها عقدت زوجها عن نفسها أو عن غيرها أنها تنكل ولا تقتل ، ولو سحر نفسه فلا يقتل به . قلت الأظهر أن فعل المرأة سحر ، وأن كل فعل ينشأ عنه حادث في أمر منفصل عن محل الفعل أنه سحر . الباجي عن ابن عبد الحكم وأصبغ هو كالزنديق ، ومن أظهر السحر والزندقة يستتاب . وحكى عبد الوهاب أنه لا يستتاب ولا تقبل توبته ، وحمل عليه قول مالك رضي الله عنه لأنه عنده كفر فتقرر من هذا أن قول ابن عبد الحكم وأصبغ ومحمد مخالف لقول مالك " رضي الله عنه " ، وتأولوا عليه خلاف ما تأول عبد الوهاب .

أصبغ لا يقتل الساحر حتى يثبت أن فعله من السحر الذي قال الله تعالى فيه أنه كفر ويكشف عن ذلك ممن يعلم حقيقته . الباجي يريد ويثبت ذلك عند الإمام . ابن عرفة [ ص: 208 ] لا يقتل الساحر إلا الإمام . أصبغ لسيد العبد قتله وإن أظهره وتاب سقط قتله وإن أسره قتل ، ولو تاب هل يجوز عمل ما يبطل السحر الحسن ، لا يجوز لأنه لا يبطله إلا سحرا . وقال ابن المسيب يجوز لأنه من التعالج . اللخمي عمل ما يبطل والإجارة عليه جائزان .

الآبي حل المعقود بالرقى العربية جائز وبالعجمية لا يجوز ، وفيه خلاف ابن عرفة إن تكرر نفعه جاز . الحط ظاهر كلام المصنف أن السحر ردة ، وأنه يستتاب إن أظهره ، فإن تاب وإلا قتل والراجح أنه كالزنديق يقتل ولا تقبل توبته إلا أن يجيء تائبا بنفسه كما في ابن الحاجب والتوضيح .

( و ) ك ( قول ) أي جزم وتصديق ( بقدم ) بكسر ففتح ، أي عدم أولية ( العالم ) بفتح اللام ، أي ما سوى الله تعالى من الموجودات لأنه علامة على وجود خالقه وصفاته ، لأن قدمه يستلزم نفي الإله الخالق له وهو كفر ، إذ القديم ما لا أول له ، ويستلزم بقاءه ، إذ كل ما ثبت قدمه استحال عدمه والقول ببقائه كفر لمخالفته قوله تعالى { كل شيء هالك إلا وجهه } القصص وقوله تعالى { كل من عليها فان } الرحمن ، ومحل الكفر إذا أراد بالقدم القدم بالذات وهو الاستغناء عن المؤثر أو بالزمان وهو عدم الأولية وإن احتاج لمؤثر ، فإن أراد به طول الزمان مع الاحتياج لمؤثر وسبق العدم فليس كفرا إذ هو الواقع .

( أو ) قول ب ( بقائه ) أي عدم فناء العالم وعدم آخريته لما تقدم في الشفاء يقطع بكفر من قال بقدم العالم أو بقائه أو شك في ذلك ( أو ) ك ( شك ) أي مطلق تردد ( في ذلك ) أي قدم العالم أو بقائه ، وصرح الشاذلي على الرسالة بأنه لا يعذر فيه بالجهل وهو المعتمد فلا يقيد بمن يظن به العلم . الحط قول الشارح ليس هذا من الأمور الثلاثة ، يعني قول المصنف بصريح أو لفظ يقتضيه أو فعل يتضمنه فالحد الذي ذكره ليس بجامع ، فخروج هذا منه غير ظاهر لأن التلفظ بالشك في ذلك داخل في اللفظ الذي يقتضي الكفر . وأما الشك من غير تلفظ به فهو وإن كان كفرا لا شك فيه ، لكنه لا يوجب [ ص: 209 ] الحكم بكفره ظاهرا إلا بعد التلفظ به ، كما أن اعتقاد الكفر من غير تلفظ كفر ، ولكن لا يحكم على صاحبه بالكفر إلا بعد تلفظه بما يقتضيه ، والله أعلم .

( أو ) كقول ( بتناسخ الأرواح ) الحط أي انتقالها في الأشخاص الآدميين أو غيرهم ، وأن تعذيبها وتنعيمها بحسب زكائها وخبثها ، فإن كانت النفس شريرة أخرجت من قالبها التي هي فيه ، وألبست قالبا يناسب شرها من كلب أو خنزير أو سبع أو نحو ذلك ، فإن أخذت جزاء شرها بقيت في ذلك القالب تنتقل من فرد إلى فرد ، وإن لم تأخذه انتقلت إلى قالب أشر منه ، وهكذا حتى تستوفي جزاء الشر ، وفي الخير تنتقل إلى أعلى وهكذا حتى تستوفي جزاء خيرها ، والقائل بهذا أنكر الجنة والنار والنشر والحشر والصراط والحساب ، وهذا تكذيب للقرآن والرسول والإجماع . واختار ابن مرزوق قتله بلا استتابة .

( أو ) كفر ( بقوله في كل جنس ) أي نوع من الحيوان ( نذير ) أي رسول ينذره عن الله تعالى لأنه استخفاف بالرسالة ولاستلزامه تكليفها وهو جحد لما علم من الدين بالضرورة من أنه لا مكلف إلا الإنسان من أنواع الحيوان . عياض ويكفر من ذهب مذهب القدماء من أن في كل جنس من الحيوان نذيرا أو نبيا حتى من القردة والخنازير والدواب والدود ، وهذا يستلزم وصف الرسل عليهم الصلاة والسلام بصفات البهائم الذميمة ، وهذا يوجب القتل بلا استتابة إلا أنه تقرر أن لازم المذهب غير البين ليس بمذهب وقوله تعالى { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } فاطر ، فسرت الأمة فيه بالجماعة من بني آدم صلى الله عليه وسلم .

( أو ) كفر بأن ( ادعى شركا ) بكسر الشين المعجمة وسكون الراء ، أي شخصا مشاركا في النبوة ( مع نبوته ) أي سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ( عليه ) الصلاة و ( السلام ) لمخالفته قوله تعالى { وخاتم النبيين } الأحزاب .

عياض يكفر من ادعى نبوة أحد مع نبينا صلى الله عليه وسلم أو بعده كالعيسوية والحرمية وأكثر الرافضة . [ ص: 210 ] و ) كفر ( ب ) دعوى جواز ( محاربة نبي ) من أنبياء الله تعالى وأولى محاربته بالفعل . عياض أجمعوا على تكفير من استخف بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أو بأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو أزرى عليهم أو آذاهم أو قتل نبيا أو حاربه فهو كافر بإجماع .

( أو ) كفر بأن ( جوز ) بفتح الجيم والواو والزاي مثقلا ، أي قال بجواز ( اكتساب النبوة ) بتصفية القلب وتهذيب النفس والجد في العبادة لاستلزامه جوازها بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وتوهين ما جاء به الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم . عياض أجمعوا على تكفير كل من دافع نص الكتاب ثم قال أو ادعى النبوة لنفسه أو جوز اكتسابها والبلوغ بتصفية القلب إلى مرتبتها كالفلاسفة وعامة المتصوفة .

( أو ) كفر بأن ( ادعى أنه يصعد ) بفتح التحتية والعين المهملة ، أي يرقى ( إلى السماء ) عياض وكذلك من ادعى أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوة أو أنه يصعد إلى السماء أو يدخل الجنة ويأكل من ثمارها ويعانق الحور العين فهؤلاء كلهم كفار مكذبون النبي صلى الله عليه وسلم ( أو ) أنه ( يعانق الحور ) بضم الحاء المهملة وسكون الواو جمع حوراء بالمد . وفي الذخيرة والشفاء مكفرات كثيرة .

( أو ) كفر ( استحل ) محرما مجمعا على تحريمه معلوما من الدين ( كالشرب ) للخمر والزنا والسرقة والقذف والربا وأنكر حل البيع وأكل الثمار ووجوب الصلاة والصوم ولو على ولي مكلف ، أو وجود مكة أو البيت أو المدينة أو المسجد الحرام أو الأقصى أو استقبال الكعبة أو صفة الحج أو الصلوات أو حرفا من القرآن أو زاده أو غيره أو إعجازه أو الثواب والعقاب . عياض أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل أو شرب الخمر أو شيئا مما حرمه الله تعالى بعد علمه بتحريمه كأصحاب الإباحة من القرامطة وبعض غلاة المتصوفة وخرج ما علم ضرورة وليس من الدين ولا مستلزما لتكذيب القرآن ، كوجود بغداد وغزوة تبوك . طفي عياض ما علم من الدين فشمل [ ص: 211 ] ما علم ضرورة وغيره ، ولذا قيد بقوله بعد علمه ، إذ لو كان خاصا بالضروري ما احتاج للقيد ، وتبعه المصنف فأطلق ، لكن فاته قيد العلم . وقول عج لو قال أو جحد حكما علم من الدين ضرورة لكان أحسن غير حسن ، وكأنه لم يستحضر كلام عياض ، وقد شرح به " ق " . ا هـ . وتبعه البناني .

( لا ) يكفر بدعائه على نفسه أو غيره بالموت على الكفر ( ب ) قوله ( أماته الله ) حال كونه ( كافرا ) قاله في الذخيرة ، وصوبه تلميذه ابن راشد وإليه أشار بقوله ( على الأصح ) لأنه قصد شدة الضرر بالخلود في سقر لا الرضا بالكفر ومقابل الأصح فتوى الكركي بكفره لأنه أراد أن يكفر بالله تعالى . وفي الذخيرة عاطفا على ما يكفر به ومنه تأخير إسلام من أتى يسلم ولا يندرج في ذلك الدعاء بسوء الخاتمة للعدو وإن كان أراد الكفر لأنه ليس مقصودا فيه انتهاك حرمة الله تعالى ، بل إذاية المدعو عليه انظر الحاشية .

التالي السابق


الخدمات العلمية