صفحة جزء
باب الاستحقاق هو طلب الحق

( الاستحقاق نوعان ) أحدهما ( مبطل للملك ) [ ص: 191 ] بالكلية ( كالعتق ) والحرية الأصلية ( ونحوه ) كتدبير وكتابة ( و ) ثانيهما ( ناقل له ) من شخص إلى آخر ( كالاستحقاق به ) أي بالملك بأن ادعى زيد على بكر أن ما في يده من العبد ملك له وبرهن ( والناقل لا يوجب فسخ العقد ) على الظاهر لأنه لا يوجب بطلان الملك ( والحكم به حكم على ذي اليد وعلى من تلقى ) ذو اليد ( الملك منه ) [ ص: 192 ] ولو مورثه فيتعدى إلى بقية الورثة أشباه ( فلا تسمع دعوى الملك منهم ) للحكم عليهم ( بل دعوى النتاج ولا يرجع ) أحد من المشترين ( على بائعه ما لم يرجع عليه [ ص: 193 ] ولا على الكفيل ما لم يقض على المكفول عنه ) لئلا يجتمع ثمنان في ملك واحد لأن بدل المستحق مملوك ، ولو صالح بشيء قليل أو أبرأ عن ثمنه بعد الحكم له برجوع عليه فلبائعه أن يرجع على بائعه أيضا لزوال البدل عن ملكه ولو حكم للمستحق فصالح المشتري لم يرجع لأنه بالصلح أبطل حق الرجوع وتمامه في جامع الفصولين .


باب الاستحقاق ذكره بعد الحقوق للمناسبة بينهما لفظا ومعنى ولولا هذا لكان ذكره عقب الصرف أولى نهر ( قوله هو طلب الحق ) أفاد أن السين والتاء للطلب ، لكن في المصباح : استحق فلان الأمر استوجبه قال الفارابي وجماعة [ ص: 191 ] فالأمر مستحق بالفتح اسم مفعول ، ومنه خرج المبيع مستحقا ا هـ فأشار إلى أن معناه الشرعي موافق للغوي ، وهو كون المراد بالاستحقاق ظهور كون الشيء حقا واجبا للغير

( قوله بالكلية ) أي بحيث لا يبقى لأحد عليه حق التمليك منح ودرر ، والمراد بالأحد أحد الباعة مثلا لا المدعي فإن له حق التملك في المدبر والمكاتب والاستحقاق فيهما من المبطل كما ذكره بعد ط ( قوله والناقل لا يوجب فسخ العقد ) بل يوجب توقفه على إجازة المستحق كذا في النهاية وتبعه الجماعة .

واعترضه شارح بأن غايته أن يكون بيع فضولي ، وفيه إذا وجد عدم الرضا ينفسخ العقد ، وإثبات الاستحقاق دليل عدم الرضا ، والمفسوخ لا تلحقه إجازة . قال في الفتح : وما في النهاية هو المنصور وقوله إثبات الاستحقاق دليل على عدم الرضا أي بالبيع ليس بلازم لجواز أن يكون دليل عدم الرضا بأن يذهب من يده مجانا ، وذلك لأنه لو لم يدع الاستحقاق ويثبته استمر في يد المشتري من غير أن يحصل له عينه ولا بد له فإثباته ليحصل أحدهما إما العين أو البدل بأن يجيز ذلك البيع . ثم اعلم أنه اختلف في البيع متى ينفسخ ؟ فقيل إذا قبض المستحق وقيل بنفس القضاء ، والصحيح أنه لا ينفسخ ما لم يرجع المشتري على بائعه بالثمن ، حتى لو أجاز المستحق بعد ما قضي له أو بعدما قبضه قبل أن يرجع المشتري على بائعه يصح .

وقال الحلواني : الصحيح من مذهب أصحابنا أن القضاء للمستحق لا يكون فسخا للبياعات ما لم يرجع كل على بائعه بالقضاء ، وفي الزيادات روي عن الإمام أنه لا ينقض ما لم يأخذ العين ، بحكم القضاء وفي ظاهر الرواية لا ينفسخ ما لم يفسخ وهو الأصل ا هـ ومعنى هذا أن يتراضيا على الفسخ ، لأنه ذكر فيها أيضا أنه ليس للمشتري الفسخ بلا قضاء أو رضا البائع لأن احتمال إقامة البائع البينة على النتاج ثابت إلا إذا قضى القاضي فيلزم فيفسخ ، وتمامه في الفتح . فقد اختلف التصحيح فيما ينفسخ به العقود ، ويأتي قريبا عن الهداية أنه لا ينتقض في ظاهر الرواية ما لم يقض على البائع بالثمن ، ويمكن التوفيق بين هذه الأقوال بأن المقصود أنه لا ينتقض بمجرد القضاء بالاستحقاق ، بل يبقى العقد موقوفا بعده على إجازة المستحق ، أو فسخه على الصحيح ، فإذا فسخه صريحا فلا شك فيه ، وكذا لو رجع المشتري على بائعه بالثمن وسلمه إليه ، لأنه رضي بالفسخ ، وكذا لو طلب المشتري من القاضي أن يحكم على البائع بدفع الثمن ، فحكم له بذلك أو تراضيا على الفسخ ، ففي ذلك كله ينفسخ العقد فليس المراد من هذه العبارات حصر الفسخ بواحد من هذه الصور ، بل أيها وجد بعد الحكم بالاستحقاق انفسخ العقد هذا ما ظهر لي في هذا المقام .

بقي شيء : وهو أنه يثبت للبائع الرجوع على بائعه بالثمن ، وإن كان قد دفع الثمن إلى المشتري بلا إلزام القاضي إياه وهذا مذهب محمد وعليه الفتوى خلافا لأبي يوسف كما في الحامدية ونور العين عن جواهر الفتاوى ( قوله لأنه لا يوجب بطلان الملك ) أي ملك المشتري لأن الاستحقاق أظهر توقف العقد على إجازة المستحق أو فسخه كما علمت ( قوله حكم على ذي اليد ) حتى يؤخذ المدعى من يده درر ، وهذا إذا كان خصما فلا يحكم على مستأجر ونحوه ( قوله وعلى من تلقى ذو اليد الملك منه ) هذا مشروط بما إذا ادعى ذو اليد الشراء منه . ففي البحر عن الخلاصة : إذا قال المشتري في جواب دعوى الملك هذا ملكي لأني شريته من فلان صار البائع مقضيا عليه ويرجع المشتري عليه بالثمن : أما إن قال في الجواب ملكي ولم يزد عليه لا يصير البائع مقضيا عليه والإرث كالشراء نص عليه في الجامع الكبير . [ ص: 192 ]

وصورته : دار بيد رجل يدعي أنها له فجاء آخر وادعى أنها له وقضي له بها فجاء أخو المقضي عليه ، وادعى أنها كانت لأبيه تركها ميراثا له وللمقضي عليه يقضى للأخ المدعي بنصفها لأن ذاك لم يقل ملكي لأني ورثتها من أبي ليصير الأخ مقضيا عليه ، وكذا لو أقر الأخ المقضي عليه أنه ورثها من أبيه بعد إنكاره وإقامة البينة ولو أقر بالإرث قبل إقامة البينة لا تسمع دعوى الأخ ا هـ قال : وذكر قبله إذا صار المورث مقضيا عليه في محدود فمات فادعى وارثه ذلك المحدود إن ادعى الإرث من هذا المورث لا تسمع ، وإن ادعى مطلقا تسمع وإن كان المورث مدعيا وقضي له ثم بعد موته ادعى وارث المقضي عليه على وارث المقضي له هذا المحدود مطلقا لا تسمع ا هـ .

[ فرع ] في البزازية : مسلم باع عبدا من نصراني فاستحقه نصراني بشهادة نصرانيين لا يقضى له ، لأنه لو قضي له لرجع بالثمن على المسلم ( قوله ولو مورثه ) الضمير عائد على من في قوله وعلى من تلقى الملك منه : أي لو اشتراه ذو اليد من مورثه ، فالحكم عليه بالاستحقاق حكم على المورث ، فلا تسمع دعوى بقية الورثة على المستحق بالإرث ( قوله فلا تسمع دعوى الملك منهم ) تفريع على قوله والحكم به حكم على ذي اليد إلخ درر . وأتى بضمير الجمع إشارة إلى شمول ما لو تعدد البيع من واحد إلى آخر وهكذا ، ولذا قال في الدرر بلا واسطة أو وسائط وفرع في الغرر على ذلك أيضا : أنه لا تعاد البينة للرجوع قال في شرحه يعني إذا كان الحكم للمستحق حكما على الباعة فإذا أراد واحد من المشتريين أن يرجع على بائعه بالثمن لا يحتاج إلى إعادة البينة ( قوله بل دعوى النتاج ) عبارة الغرر : بل دعوى النتاج أو تلقي الملك من المستحق . قال في شرحه الدرر : بأن يقول بائع من الباعة حين رجع عليه بالثمن أنا لا أعطي الثمن لأن المستحق كاذب لأن المبيع نتج في ملكي أو ملك بائعي بلا واسطة ، أو بها فتسمع دعواه ، ويبطل الحكم إن أثبت ، أو يقول : أنا لا أعطي الثمن لأني اشتريته من المستحق فتسمع أيضا ا هـ . وأفاد كلامه أنه لا يشترط لإثبات النتاج حضور المستحق ، كما أجاب به في الحامدية وقال : إنه مقتضى ما أفتى به في الخيرية في باب الإقالة موافقا لما في العمادية ، من أن هذا القول أظهر وأشبه ، لكن في البزازية إن الاشتراط هو الأظهر والأشبه .

قلت : وعبارة البزازية وعند محمد وهو اختيار شمس الإسلام يقبل بلا حضرته ، لأن الرجوع بالثمن أمر يخص المشتري فاكتفي بحضوره ، واختيار صاحب المنظومة وهو قياس قولهما وهو الأظهر ، والأشبه عدم القبول بلا حضور المستحق ا هـ لكن في الذخيرة قيل على قول محمد وأبي يوسف الآخر يشترط ، وعلى قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف الأول لا يشترط ، وهذا القول أشبه وأظهر ا هـ . وهكذا عزاه في العمادية إلى الذخيرة والمحيط ومثله في جامع الفصولين ونور العين ، فالظاهر أن ما في البزازية من العكس سبق قلم ، حررناه في تنقيح الحامدية فتنبه لذلك .

واختلف في اشتراط حضرة المبيع وأفتى ظهير الدين بعده كما سنذكره ( قوله ما لم يرجع عليه ) فليس للمشتري الأوسط أن يرجع على بائعه قبل أن يرجع عليه المشتري الأخير درر . وأفاد أنه لا يشترط إلزام القاضي البائع بالثمن ، بل له الرجوع على بائعه بدونه ، وهو قول محمد المفتى به كما علمت ، ثم إنما يثبت له الرجوع إذا لم يبرئه البائع عن الثمن قبل الاستحقاق ، فلو أبرأه البائع ثم استحق المبيع من يده لا يرجع على بائعه بالثمن ، لأنه لا ثمن له على بائعه ، وكذلك بقية الباعة لا يرجع بعضهم على بعض ، ذخيرة ، أي لتعذر القضاء على الذي أبرأ مشتريه ، جامع الفصولين . [ ص: 193 ] ثم نقل فيه أن في رجوع بقية الباعة بعضهم على بعض خلافا ، بين المتأخرين ، وأما لو أبرأ المشتري البائع بعد الحكم له بالرجوع فيأتي قريبا أنه لا يمنع ( قوله ولا على الكفيل ) أي الضامن بالدرك درر أي ضامن الثمن عند استحقاق المبيع ( قوله ما لم يقض على المكفول عنه ) اعترض بأن المكفول عنه ، وهو البائع صار مقضيا عليه بالقضاء على المشتري الأخير ، لما علمت من أن الحكم بالاستحقاق حكم على ذي اليد وعلى من تلقى الملك منه ، وقيل القضاء لا مطالبة لأحد .

قلت : هذا اشتباه فإن المراد بالقضاء هنا القضاء على المكفول عنه بالثمن والقضاء السابق قضاء بالاستحقاق والمسألة ستأتي متنا في الكفالة قبيل باب كفالة الرجلين ونصها : ولا يؤخذ ضامن الدرك إذا استحق المبيع قبل القضاء على البائع بالثمن ا هـ وهي في الهداية والكنز وغيرهما ، وعلله في الهداية هناك بقوله : لأن بمجرد الاستحقاق لا ينتقض البيع على ظاهر الرواية ، ما لم يقض له بالثمن على البائع ، فلم يجب على الأصل رد الثمن فلا يجب على الكفيل ا هـ فافهم : لكن علمت مما قررناه أن العقد ينتقض بفسخ العاقدين ، وبالرجوع بالثمن على البائع بدون قضاء ، وأنه ليس المراد قصر الفسخ على واحد مما ذكر وإذا انفسخ العقد بواحد منها وجب على الأصيل ، وهو البائع رد الثمن على المشتري فيجب على الكفيل أيضا ولو بدون قضاء ويؤيده قول محمد المفتى به المار آنفا ( قوله لئلا يجتمع ثمنان إلخ ) علة لقوله ولا يرجع إلخ كما أفاده في الدرر قال ط : وهذا التعليل يظهر في غير المشتري الأخير والبائع الأول فيظهر في الباعة المتوسطين ، فإن عند كل منهم ثمنا فلو رجع بالثمن قبل أن يرجع عليه اجتمع في ملكه ثمنان ا هـ ( قوله لأن بدل المستحق مملوك ) أي ثمنه باق على ملك البائع عبر عنه بالبدل ، ليشمل ما لو كان قيميا وهذا بيان لوجه اجتماع الثمنين في رجوع أحدهم قبل الرجوع عليه ( قوله ولو صالح بشيء إلخ ) عبارة جامع الفصولين : المشتري لو رجع على بائعه وصالح البائع على شيء قليل ، فلبائعه أن يرجع على بائعه بثمنه ، وكذا لو أبرأه المشتري عن ثمنه بعد الحكم له برجوع عليه ، فلبائعه أن يرجع على بائعه أيضا إذ المانع اجتماع البدل ، والمبدل في ملك واحد ، ولم يوجد لزوال المبدل عن ملكه ولو حكم للمستحق ، وصالح المشتري ليأخذ المشتري بعض الثمن من المستحق ، ويدفع المبيع إلى المستحق ، ليس له أن يرجع على بائعه بثمنه لأنه بالصلح أبطل حق الرجوع ا هـ .

قلت : وما ذكره في الإبراء إنما هو في إبراء المشتري البائع ، وأما لو أبرأ البائع المشتري عن الثمن قبل الاستحقاق ، فقدمنا آنفا أنه يمتنع الرجوع ثم قال في الفصولين : فلو أثبته أي الاستحقاق وحكم له فدفع إليه شيئا وأمسك المبيع يصير هذا شراء للمبيع من المستحق ، فينبغي أن يثبت له الرجوع على بائعه ا هـ .

( قوله فصالح المشتري ) أي دفع المستحق إلى المشتري بعض الثمن صلحا عن دعوى المشتري نتاجا عند بائعه أو نحوه مما يبطل الاستحقاق لم يرجع على بائعه بالثمن ، لأن صلحه مع المستحق على بعض الثمن أسقط حقه في الرجوع ، وهذا بخلاف العكس وهو ما إذا دفع المشتري إلى المستحق شيئا وأمسك المبيع ، لأنه صار مشتريا ومن المستحق فلا يبطل حق رجوعه ، كما علمت وهذه المسألة هي الآتية عن نظم المحبية ولا يخفى ظهور الفرق بينهما وبين الأولى كما أفاده ط فافهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية