صفحة جزء
[ ص: 532 ] باب الفوات والإحصار من فاته الوقوف لعذر حصر أو غيره ( الوقوف بعرفة ) أو لا انقلب إحرامه عمرة ، اختاره الأكثر ، قارنا وغيره ; لأن عمرته لا تلزمه أفعالها ، وإنما يمنع من عمرة على عمرة إذا لزمه المضي في كل منهما ، ولا تجزئه عن عمرة الإسلام ، في المنصوص ، لوجوبها كمنذورة ، وعنه : لا ينقلب ويتحلل بعمرة ، اختاره ابن حامد ، ذكره القاضي ، فيدخل إحرام الحج على الأولة فقط .

وقال أبو الخطاب : وعلى الثانية يدخل إحرام العمرة ويصير قارنا ، احتج القاضي بعدم الصحة على أنه لم يبق إحرام الحج وإلا لصح وصار قارنا ، واحتج به ابن عقيل وبأنه لو جاز بقاؤها لجاز أداء أفعال الحج به في السنة المستقبلة ، وبأن الإحرام إما أن يؤدى به حجة أو عمرة ، فأما عمل عمرة فلا ، وذكر جماعة عن ابن حامد : يتحلل بطواف وسعي وليس عمرة ، والمذهب لزوم قضاء النفل ( و ) كالإفساد .

وفي الفصول : لا يلزم فسخ الحج إلى العمرة ; لأنه لو كان محرما بحجة نفل ففسخه لزمه قضاء الحج ، وعنه : لا ، قدمه في المستوعب والترغيب وغيرهما ، ويلزمه إن لم يشترط أولا هدي على الصحيح الأصح ، قيل : مع القضاء ، وقيل : يلزمه في عامه ( هـ ) دم ، ولا يلزمه ذبحه إلا مع القضاء إن وجب بعد تحلله منه كدم التمتع ، وإلا في عامه ( م 1 ) وسواء كان ساق . [ ص: 533 ] هديا أم لا ، نص عليه .

وفي الموجز : وهو بدنة ، فإن عدمه زمن الوجوب صام عشرة أيام : ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ، وقال الخرقي : يصوم عن كل مد من قيمته يوما .

وعنه : يمضي في حج فاسد ويقضيه . [ ص: 534 ] وإن وقف الناس الثامن أو العاشر خطأ ( الوقوف بعرفة ) أجزأ ، نص عليهما ، قال شيخنا : وهل هو يوم عرفة باطنا ؟ فيه خلاف في مذهب أحمد ، بناء على أن الهلال اسم لما يطلع في السماء ، أو لما يراه الناس ويعلمونه ، وفيه خلاف مشهور في مذهب أحمد وغيره ، وذكر في موضع آخر أن عن أحمد فيه روايتين ، قال : والثاني الصواب .

ويدل عليه لو أخطئوا : الغلط . [ ص: 535 ] في العدد أو في الطريق ونحوه فوقفوا العاشر لم يجزئهم ( ع ) فلو اغتفر الخطأ للجميع لاغتفر لهم في غير هذه الصورة بتقدير وقوعها ، فعلم أنه يوم عرفة باطنا وظاهرا ، يوضحه أنه لو كان هنا خطأ وصواب لا يستحب الوقوف مرتين ، وهو بدعة ، لم يفعله السلف ، فعلم أنه لا خطأ ، ومن اعتبر كون الرائي من مكة دون مسافة القصر أو بمكان لا تختلف فيه المطالع فقول لم يقله أحد من السلف في الحج ، فلو رآه طائفة قليلة لم ينفردوا بالوقوف ، بل الوقوف مع الجمهور ، ويتوجه وقوف مرتين إن وقف بعضهم لا سيما من رآه ، وصرح جماعة : إن أخطئوا لغلط في العدد أو في الرؤية أو الاجتهاد مع الإغماء أجزأ ، وهو ظاهر كلام الإمام وغيره : وإن أخطأ بعضهم وفي الانتصار عدد يسير .

وفي التعليق فيما إذا أخطئوا القبلة قال : العدد الواحد والاثنان .

وفي الكافي والمحرر : نفر ، قال ابن قتيبة يقال : إن النفر ما بين الثلاثة إلى العشرة ، وقيل في قوله تعالى { وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن } قيل : سبعة ، وقيل : تسعة ، وقيل : اثنا عشر ألفا ، قال ابن الجوزي : ولا يصح ; لأن النفر لا يطلق على الكثير فاته ، وقيل : كحصر عدو ونقل عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم . [ ص: 536 ] { عرفة اليوم الذي يعرف الناس فيه } فإذا شك الناس في عرفة ، فقال قوم : يوم النحر ، فوقف الإمام بالناس يوم عرفة ، ثم علم أنه يوم النحر ، أجزأهم . .


[ ص: 532 ] باب الفوات والإحصار

( مسألة 1 ) قوله : ويلزمه هدي على الأصح يعني من فاته الوقوف بعرفة مطلقا قيل : مع القضاء ، وقيل : يلزمه في عامه دم ، ولا يلزمه ذبحه إلا مع القضاء إن [ ص: 533 ] وجب بعد تحلله منه ، كدم التمتع ، وإلا في عامه ، انتهى . هذه العبارة فيها نوع خفاء في إطلاق الخلاف وحكم المسألة ، وقد قال في الهداية والمذهب ومسبوك الذهب والمستوعب والخلاصة والمغني والكافي والمقنع والهادي والتلخيص والبلغة والرعاية الصغرى والنظم والحاويين والفائق والزركشي وغيرهم : إن قلنا لا يقضي أخرجه من عامه ، وإن قلنا يقضي أخرجه في عام القضاء ، وقطعوا بذلك ، فظاهر كلامهم أن هذا الهدي الذي يخرجه قد وجب عليه من حين الفوات .

وقال في المستوعب : يجب عليه هدي لأجل الفوات يخرجه في سنته إن قلنا : لا قضاء عليه . وإن قلنا : عليه القضاء ، أخرجه في سنة القضاء ، فإن أخرجه من سنته لم يجزئه ، فعلى هذا متى يكون قد وجب عليه ؟ فيه وجهان : ( أحدهما ) وجب في سنته ولكن يؤخر إخراجه إلى قابل .

( والثاني ) : أنه لم يجب إلا في سنة القضاء ، انتهى .

وقال في الرعاية الكبرى : ويخرجه في سنة الفوات فقط إن سقط القضاء ، وإن وجب فمعه لا قبله ، سواء وجب الهدي سنة الفوات ، في وجه ، أو سنة القضاء ، انتهى .

وتابع في ذلك صاحب المستوعب ، وما قاله في المستوعب هو مراد المصنف ، والله أعلم وتقدير كلامه : ويلزمه هدي ، قيل : لزومه مع القضاء ، أو في عام القضاء ، ويدل على هذا التقدير أيضا قوله في قوله القول الآخر " وقيل : يلزمه في عامه دم " وقوله " دم " هنا لا حاجة إلى ذكره قطعا ; لأن الكلام ومحل الخلاف إنما هو في [ ص: 534 ] الهدي الذي لزمه لأجل الفوات ، وقد ذكره المصنف بقوله : " ويلزمه هدي ، على الأصح " وقوله بعد القول الثاني " ولا يلزمه ذبحه إلا مع القضاء " صحيح ، وقوله بعد ذلك " إن وجب " يحتمل أن يكون شرطا لقوله في أول المسألة " قيل مع القضاء " أي قيل : يلزمه الهدي مع القضاء إن وجب القضاء ، ويحتمل أن يكون شرطا لقوله " ولا يلزمه ذبحه إلا مع القضاء إن وجب " والأول أحسن ، وقوله : " بعد تحلله منه " يتعلق بقوله " يلزمه " وتقديره : ولا يلزمه ذبحه إلا مع القضاء بعد تحلله منه ، وقوله " وإلا في عامه " أي وإن قلنا لا يقضي لزمه في عامه ، والله أعلم .

إذا علم ذلك فقد رأيت على بعض النسخ في حاشيتها مكتوب " هنا بياض وحزر بذلك المكتوب " وأكثر النسخ ليس فيها ذلك . والله أعلم .

عدنا إلى تصحيح الخلاف المطلق ، فالمصنف قد أطلق الخلاف في وقت وجوب دم الفوات هل وجب في عام الفوات ويؤخر ذبحه إلى عام القضاء ؟ أو وجب في عام القضاء ويذبح فيه بعد تحلله منه ؟ وأطلقهما في المستوعب ، ويظهر لي أن في كلام الرعاية نقصا أيضا ، وتقديره : أو سنة القضاء في آخر ، أي في وجه آخر ، فيكون قد أطلق الخلاف أيضا ، أحدهما وجوبه من حين الفوات ولكن يؤخر إلى القضاء ، وهو الصحيح من المذهب ، وهو ظاهر كلام من سمينا من الأصحاب قبل ذلك . والقول بأنه في عام القضاء بعيد جدا فيما يظهر ، ولم أطلع على من ذكر هذه المسألة سوى هؤلاء الثلاثة والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية