صفحة جزء
[ ص: 138 ] 142 - باب

من استوى قاعدا في وتر من صلاته ثم نهض

789 823 - ثنا محمد بن الصباح، ثنا هشيم، أنا خالد، عن أبي قلابة، أنا مالك بن الحويرث الليثي، أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا.


وقد خرجه في الباب الآتي من طريق أيوب ، عن أبي قلابة ، عن مالك ، وفي حديثه: أنه جلس واعتمد على الأرض، ثم قام.

وقد سبق من وجه آخر بهذا الإسناد، وفيه: كان يقعد في الثالثة أو الرابعة.

وهذا لا معنى له؛ لأن قعوده في الرابعة لا بد منه للتشهد.

وروى هذا الحديث أنيس بن سوار الحنفي ، قال: حدثني أبي، قال: كنت مع أبي قلابة ، فجاءه رجل من بني ليث ، يقال له: مالك بن الحويرث ، من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ألا أريكم كيف كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي؟ قلنا: بلى، فصلى لنا ركعتين، فأوجز فيهما.

قال أبي: فاختلفت أنا وأبو قلابة ، قال أحدنا: لزق بالأرض، وقال الآخر: تجافى.

خرجه الخلال في " كتاب العلل ".

وقال الإمام أحمد في حديث مالك بن الحويرث في الاستواء إذا رفع رأسه [ ص: 139 ] من السجدة الثانية في الركعة الأولى، قال: هو صحيح، إسناده صحيح.

وقال - أيضا -: ليس لهذا الحديث ثان.

يعني: أنه لم ترو هذه الجلسة في غير هذا الحديث.

وهذا يدل على أن ما روي فيه هذه الجلسة من الحديث غير حديث مالك بن الحويرث ، فإنه غير محفوظ، فإنها قد رويت في حديث أبي حميد وأصحابه في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم.

خرجه الإمام أحمد وابن ماجه .

وذكر بعضهم أنه خرجه أبو داود والترمذي ، وإنما خرجا أصل الحديث، ولم نجد في " كتابيهما " هذه اللفظة.

والظاهر -والله أعلم-: إنها وهم من بعض الرواة، كرر فيه ذكر الجلوس بين السجدتين غلطا.

وبعضهم ذكر سجوده، ثم جلوسه، ثم ذكر أنه نهض.

كذا في رواية الترمذي وغيره.

فظن بعضهم، أنه نهض عن جلوس، وليس كذلك، إنما المراد بذلك الجلوس: جلوسه بين السجدتين، ولم يذكر صفة الجلسة الثانية لاستغنائه عنها بصفة الجلسة الأولى.

وقد خرج أبو داود حديث أبي حميد وأصحابه من وجه آخر، وفيه: أنه سجد، ثم جلس فتورك، ثم سجد، ثم كبر فقام ولم يتورك.

[ ص: 140 ] وهذه الرواية صريحة في أنه لم يجلس بعد السجدة الثانية.

ويدل عليه: أن طائفة من الحفاظ ذكروا أن حديث أبي حميد ليس فيه ذكر هذه الجلسة.

واستدل بعضهم - أيضا - بالحديث الذي خرجه البخاري في " صحيحه " هذا في " كتاب الاستئذان " و: " أبواب السلام " في " باب: من رد فقال: عليك السلام "، خرج فيه حديث المسيء في صلاته، من رواية ابن نمير ، عن عبيد الله بن عمر ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، أن رجلا دخل المسجد فصلى، ثم جاء فسلم - فذكر الحديث بطوله، وفيه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: " إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تستوي قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها ".

قال: وقال أبو أسامة في الأخير: " حتى تستوي قائما ".

يعني: أنه ذكر بدل الجلوس: القيام.

ثم خرج من حديث يحيى القطان ، عن عبيد الله ، عن سعيد ، عن أبيه، عن أبي هريرة ، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ".

يعني: أنه وافق ابن نمير في ذكر الجلوس.

فهذه اللفظة قد اختلف فيها في حديث أبي هريرة هذا، فمن الرواة من ذكر [ ص: 141 ] أنه أمره بالجلوس بعد السجدتين، ومنهم من ذكر أنه أمره بالقيام بعدهما، وهذا هو الأشبه؛ فإن هذا الحديث لم يذكر أحد فيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- علمه شيئا من سنن الصلاة المتفق عليها، فكيف يكون قد أمره بهذه الجلسة؟ هذا بعيد جدا.

ثم وجدت البيهقي قد ذكر هذا، وذكر أن أبا أسامة اختلف عليه في ذكر هذه الجلسة الثانية بعد السجدتين. قال: والصحيح عنه: أنه قال بعد ذكر السجدتين: " ثم ارفع حتى تستوي قائما ".

قال: وقد رواه البخاري في " صحيحه " عن إسحاق بن منصور ، عن أبي أسامة - وذكر رواية ابن نمير ، ولم يذكر تخريج البخاري لها، ولم يذكر يحيى بن سعيد في روايته السجود الثاني، ولا ما بعده من القعود أو القيام.

قال: والقيام أشبه بما سيق الخبر لأجله من عد الأركان دون السنن. والله أعلم.

قلت: وهذا يدل على أن ذكر الجلسة الثانية غير محفوظة عن يحيى .

وفي حديث يحيى بن خلاد الزرقي ، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه علم المسيء في صلاته، وقال له بعد أن أمره بالسجود، ثم بالقعود، ثم بالسجود، فقال له: " ثم قم ".

وخرجه الإمام أحمد بهذا اللفظ.

واستدل به على أنه لا يجلس قبل قيامه.

وخرجه الترمذي - أيضا - وحسنه.

مع أن حديث رفاعة هذا فيه تعليم النبي -صلى الله عليه وسلم- لهذا المسيء أشياء من مسنونات الصلاة.

[ ص: 142 ] وقد روي في حديث رفاعة هذا: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: " ثم انهض قبل أن تستوي قاعدا ".

خرجه الحافظ أبو محمد الحسن بن علي الخلال .

ولكن إسناده ضعيف.

وخرج الإمام أحمد من حديث شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم ، أن أبا مالك الأشعري جمع قومه، فقال: اجتمعوا أعلمكم صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكر الحديث، وفيه: أنه صلى بهم، وذكر صفة صلاته، وقال فيها: ثم كبر وخر ساجدا، ثم كبر فرفع رأسه، ثم كبر فسجد، ثم كبر فانتهض قائما، فلما قضى صلاته قال: احفظوا؛ فإنها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وخرج أبو داود بعض الحديث، ولم يتمه.

وفي جلسة الاستراحة: حديث عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: إذا رفع أحدكم رأسه من السجدة الثانية فليلزق أليتيه بالأرض، ولا يفعل كما تفعل الإبل؛ فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: " ذلك توقير الصلاة ".

خرجه العقيلي من رواية أبي خالد القرشي ، عن علي بن الحزور ، عن الأصبغ بن نباتة ، عن علي .

وهذا إسناد ساقط، والظاهر: أن الحديث موضوع، وأبو خالد ، الظاهر: أنه عمرو بن خالد الواسطي ، كذاب مشهور بالكذب، وعلي بن الحزور ، قال ابن معين : لا يحل لأحد أن يروي عنه، والأصبغ بن نباتة ضعيف جدا.

وهذه الجلسة تسمى جلسة الاستراحة، وأكثر الأحاديث ليس فيها ذكر شيء [ ص: 143 ] من ذلك، كذا قاله الإمام أحمد وغيره.

وقد اختلف العلماء في استحبابها في الصلاة:

فقالت طائفة: هي مستحبة. وهو قول حماد بن زيد والشافعي - في أشهر قوليه - وأحمد - في رواية عنه - ذكر الخلال: أن قوله استقر عليها، واختارها الخلال وصاحبه أبو بكر بن جعفر .

وقال الأكثرون: هي غير مستحبة، بل المستحب إذا رفع رأسه من السجدة الثانية أن ينهض قائما، حكاه أحمد عن عمر وعلي وابن مسعود ، وذكره ابن المنذر عن ابن عباس .

وذكر بإسناده، عن النعمان بن أبي عياش ، قال: أدركت غير واحد من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكان إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة - أول ركعة والثالثة - قام كما هو ولم يجلس.

وروي - أيضا - عن أبي ريحانة صاحب النبي صلى الله عليه وسلم.

وروي معناه عن ابن عمر أيضا.

خرجهما حرب الكرماني .

وقال الترمذي : العمل على هذا عند أهل العلم.

وممن قال ذلك: عبادة بن نسي وأبو الزناد والنخعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وأحمد في المشهور من مذهبه عند عامة أصحابه.

ومن أصحابنا وأصحاب الشافعي من قال: هي مستحبة لمن كبر وثقل بدنه؛ لأنه يشق عليه النهوض معتمدا على ركبته من غير جلسة.

[ ص: 144 ] وحمل أبو إسحاق المروزي القولين للشافعي على اختلاف حالين، لا على اختلاف قولين، وحملوا حديث مالك بن الحويرث على مثل ذلك، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقعد أحيانا لما كبر وثقل بدنه؛ فإن وفود العرب إنما وفدت على النبي -صلى الله عليه وسلم- في آخر عمره.

ويشهد لذلك، أن أكابر الصحابة المختصين بالنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكونوا يفعلون ذلك في صلاتهم، فدل على أنهم علموا أن ذلك ليس من سنن الصلاة مطلقا.

وروى حرب الكرماني ، عن إسحاق بن راهويه روايتين:

إحداهما: تستحب جلسة الاستراحة لكل أحد.

والثانية: لا تستحب إلا لمن عجز عن النهوض عن صدر قدميه.

وهي رواية ابن منصور ، عن إسحاق أيضا.

ومن لم يستحب هذا الجلوس بالكلية، قال: إنه من الأفعال المباحة التي تفعل في الصلاة للحاجة إليها، كالتروح لكرب شديد، ودفع المؤذي، ونحو ذلك مما ليس بمسنون، وإنما هو مباح.

التالي السابق


الخدمات العلمية