صفحة جزء
4115 369 - حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن عبد الله بن أبي حسين، حدثنا نافع بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته، وقدمها في بشر كثير من قومه، فأقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال: لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الذي أريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت يجيبك عني، ثم انصرف عنه. قال ابن عباس: فسألت عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك أرى الذي أريت فيه ما رأيت، فأخبرني أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمني شأنهما فأوحي إلي في المنام أن انفخهما فنفختهما فطارا فأولتهما كذابين يخرجان من بعدي أحدهما العنسي، والآخر مسيلمة.


مطابقته للجزء الأول للترجمة; لأن مسيلمة قدم في وفد بني حنيفة، وأبو اليمان الحكم بن نافع، وشعيب بن أبي حمزة، وقد تكرر ذكرهما، وعبد الله بن أبي حسين هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين بن الحارث النوفلي تابعي صغير مشهور نسب هنا إلى جده، ونافع بن جبير بن مطعم بن مهدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي المدني مات في خلافة سليمان بن عبد الملك.

والحديث مضى بهذا الإسناد في باب علامات النبوة، ومضى الكلام فيه هناك، ونذكر بعض شيء، وإن كان في بعضه تكرار.

قوله: (قدم إلى المدينة) مسيلمة -تصغير مسلمة- ابن ثمامة بن بكير بالباء الموحدة ابن حبيب بن الحارث من بني حنيفة، قال ابن إسحاق: ادعى النبوة سنة عشر، وقدم مع قومه، وإنهم تركوه في رحالهم يحفظها لهم، وذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذوا منه جائزته، وأنه قال لهم: إنه ليس بشركم.

وإن مسيلمة لما ادعى أنه أشرك النبوة مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم احتج بهذه المقالة، قيل: هذا شاذ ضعيف السند لانقطاعه، فكيف يوافق ما في الصحيح أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم اجتمع به، وخاطبه بما ذكره في الحديث، ثم وفق بينهما بأن يكون له القدوم مرتين مرة تابعا، ومرة متبوعا.

فإن قيل: القصة واحدة، قيل له: كانت إقامته في رحالهم باختياره أنفة واستكبارا أن يحضر مجلس النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وعامله النبي صلى الله تعالى عليه وسلم معاملة الكرم على عادته في الاستئلاف، ومعنى قوله: (إنه ليس بشركم) أي مكانا؛ لكونه كان يحفظ رحالهم، وأراد استئلافه بالإحسان بالقول والفعل، فلما لم يفد في مسيلمة توجه بنفسه إليه ليقيم عليه الحجة.

قوله: (إن جعل لي محمد) أي الخلافة، ويروى (إن جعل لي محمد الأمر) وهذا هو الأشهر.

قوله: (وقدمها) أي المدينة في بشر كثير، وقال الواقدي: كان معه من قومه سبعة عشر نفسا.

قوله: (ولن تعدو) بالنصب في رواية الأكثرين، وروى [ ص: 24 ] بعضهم (لن تعد) بالجزم على لغة من يجزم بلن، والمراد بأمر الله حكمه بأنه كذاب مقتول جهنمي.

قوله: (ولئن أدبرت) أي خالفت الحق ليعقرنك الله أي ليهلكنك.

قوله: (أريت) على صيغة المجهول من رؤيا المنام.

قوله: (وهذا ثابت يجيبك عني) لأنه كان خطيب الأنصار.

قوله: (فسألت عن قول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) المفعول محذوف يفسره قوله: فأخبرني أبو هريرة؛ لأن هذا الحديث رواه ابن عباس عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم.

قوله: (بينا) قد مر غير مرة أن أصله بين فزيدت فيه الألف والميم أيضا في بعض المواضع، ويضاف إلى الجملة.

قوله: (رأيت) جوابه.

قوله: (من ذهب) كلمة من بيانية.

قوله: (أن انفخهما) بالخاء المعجمة.

قوله: (العنسي) بفتح العين المهملة، وسكون النون، وبالسين المهملة نسبة إلى عنس، وهو زيد بن مالك بن أدد، ومالك هو جماع مذحج، وقال ابن دريد: العنس الناقة الصلبة، وأراد بالعنسي الأسود، ولقبه عبهلة من قولهم عبهل الأمر أهمله، وقال ابن إسحاق: خرج بصنعاء، وعليها المهاجر بن أبي أمية، وكان أول ما ضل به عدو الله أنه مر به حمار فلما انتهى إليه عثر لوجهه فقال: لعنه الله سجد لي، ولم يقم الحمار حتى قال له عدو الله: شأ فقام، وقتل بعمدان، وحمل رأسه، وسلبه إلى سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.

قلت: شأ بفتح الشين المعجمة، وسكون الهمزة، وهي كلمة تستعمل عند دعاء الحمار، ومنهم من يقول: كان ذلك في خلافة أبي بكر، والله أعلم.

وعن فيروز: خرج الأسود في عامة مذحج بعد حجة الوداع، وكان كاهنا مشعبذا يريهم الأعاجيب، وكان يسبي قلوب من يسمع نطقه، معه شيطان وتابع له، وخرج على ملك اليمن فقتله، ونكح امرأته، وملك بلاده، ولم يكاتب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يرسل إليه؛ لأنه لم يكن معه أحد يشاغبه، وصفا له ملك اليمن، وقال عروة: أصيب الأسود قبل وفاة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيوم أو ليلة، وعن ابن عباس: جاءه خبر الأسود من ليلته، وجاءته الرسل صبيحة ليلة قبضه صلى الله عليه وسلم، وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أتاه الخبر من السماء في الليلة التي قتل فيها الأسود فبشرنا به، وقال: قتله البارحة رجل مبارك من أهل بيت مباركين. قيل: ومن هو؟ قال: فيروز، وقال: دخل عليه فيروز فقال له: ما تقول فإن محمدا يزعم أنه ليس إلا إله واحد؟ قال الأسود: بل هو آلهة كثيرة، فقال: ابسط يدك أبايعك، فلما بسط يده مد فيروز يده، وأخذ بعنقه فقتله، وقال عبيد بن صخر: كان بين أول أمره وآخره ثلاثة أشهر.

التالي السابق


الخدمات العلمية