التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
773 [ ص: 190 ] 129 - باب: فضل السجود

806 - حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وعطاء بن يزيد الليثي، أن أبا هريرة أخبرهما، أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال: "هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ ". قالوا: لا يا رسول الله. قال: "فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ ". قالوا: لا. قال: "فإنكم ترونه كذلك، يحشر الناس يوم القيامة ، فيقول من كان يعبد شيئا فليتبع. فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر ومنهم من يتبع الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه. فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا. فيدعوهم فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم. وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ ". قالوا: نعم. قال "فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل ثم ينجو، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار، أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله، فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد، ويبقى رجل بين الجنة والنار، وهو آخر أهل النار دخولا الجنة، مقبل بوجهه قبل النار فيقول: يا رب، اصرف وجهي عن النار، قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها. فيقول: هل عسيت إن فعل ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول:

806 [ ص: 191 ] لا وعزتك. فيعطي الله ما يشاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل به على الجنة رأى بهجتها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم قال: يا رب، قدمني عند باب الجنة. فيقول الله له: أليس قد أعطيت العهود والمواثيق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت؟ فيقول: يا رب، لا أكون أشقى خلقك. فيقول: فما عسيت إن أعطيت ذلك أن لا تسأل غيره فيقول لا وعزتك لا أسأل غير ذلك. فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق، فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا بلغ بابها، فرأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور، فيسكت ما شاء الله أن يسكت، فيقول: يا رب أدخلني الجنة. فيقول الله: ويحك يا ابن آدم ما أغدرك! أليس قد أعطيت العهد والميثاق أن لا تسأل غير الذي أعطيت؟ فيقول: يا رب، لا تجعلني أشقى خلقك. فيضحك الله -عز وجل- منه، ثم يأذن له في دخول الجنة فيقول: تمن. فيتمنى حتى إذا انقطعت أمنيته قال الله -عز وجل-: تمن كذا وكذا. أقبل يذكره ربه، حتى إذا انتهت به الأماني قال الله تعالى: لك ذلك ومثله معه".
قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة - رضي الله عنهما: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "قال الله: لك ذلك وعشرة أمثاله". قال أبو هريرة: لم أحفظ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا قوله: "لك ذلك ومثله معه". قال أبو سعيد إني سمعته يقول: "ذلك لك وعشرة أمثاله". [6573، 7437 - مسلم: 495 - فتح: 2 \ 294]


ذكر فيه حديث أبي هريرة في الرؤية بطوله وفيه: "وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار" وفي آخره: "لك ذلك وعشرة أمثاله".

وهو حديث عظيم يأتي في (الجنة) والتفسير ، أخرجه مسلم [ ص: 192 ] أيضا مطولا، وفيه: قال أبو هريرة: "وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولا الجنة" -وهو في الرواية هنا-. وفيه: " فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون" وقال قبله: "في صورة غير صورته التي يعرفون" وكذا ذكره البخاري في كتاب: الرقاق، وذكر مرة الإتيان مرتين -كما أخرجه مسلم- وذكره مرة ثلاثا، وأخرجاه من حديث ابن مسعود أيضا مطولا: "إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا الجنة" فذكراه ، وفي (الرواة عن مالك للدارقطني) من حديث ابن عمر أن اسم هذا الرجل: جهينة، من جهينة: "فيقول أهل الجنة: عند جهينة الخبر اليقين سلوه: هل بقي من الخلائق أحد؟ " .

وقال السهيلي: اسمه هناد. وفي "الحلية" لأبي نعيم من حديث ليث عن مجاهد عن أبي هريرة يرفعه: "يخرج أهل الكبائر من النار إلا رجلا [ ص: 193 ] يمكث ألف سنة ينادي: يا حنان يا منان. فيبعث الله إليه ملكا فيخوض في النار في طلبه سبعين عاما لا يقدر عليه حتى يدله عليه رب العزة -عز وجل-" .

إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من وجوه:

أحدها:

"تمارون" قد سلف في باب فضل صلاة العصر أن معناها: تجادلون، أي: لا يدخلكم شك، وهو مخفف الراء من المرية وهو الشك.

قال الخطابي: وأصله: يتمارون، وليس هو من المراء ، قال ابن التين: والذي ضبط في هذا الموضع بضم التاء وهو خلاف قول الخطابي: أصله: يتمارون وهي رواية الأصيلي بالفتح.

ثانيها:

"الطواغيت": جمع طاغوت، وهو ما عبد من دون الله، يقع على الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، وزنه فعلوت وإنما هو طغيوت، قدمت الياء على الغين وهي مفتوحة وقبلها فتحة قلبت ألفا. قاله ابن سيده .

ونص الحديث فرق بينه وبين من عبد الشمس ومن عبد القمر، وقال [ ص: 194 ] القزاز: هو: فاعول من طاغوت، وأصله: طاغو فحذفوا وجعلوا التاء كأنها عوض من المحذوف فقالوا: طاغوت. وإنما جاز فيه التذكير والتأنيث؛ لأن العرب تسمي الكاهن والكاهنة طاغوتا. وفي ديوان الأدب: تاؤه غير أصلية. وسئل الشارع فيما رواه جابر عنه، عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها فقال: كانت في جهينة واحد، وفي أسلم واحد، وفي كل حي واحد . وقيل الطاغوت: الشيطان.

وقيل: كل معبود من حجر أو غيره فهو جبت وطاغوت، وفي "الغريبين" الطاغوت: الصنم، وقال الجوهري: هو كل رأس في الضلال وفي العبث، هو الشيطان أو ما زين لهم أن يعبدوه .

وقيل: إنه الساحر. وقيل: الكاهن. وقيل: مردة أهل الكتاب.

ثالثها:

قوله: ("وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها") يدل على أن المنافقين يتبعون محمدا - صلى الله عليه وسلم - لما انكشف لهم من الحقيقة رجاء منهم أن ينتفعوا بذلك، ويلتزموا الرياء في الآخرة ما التزموه في الدنيا حتى تبينهم الغرة والتحجيل من أثر الوضوء عند الحوض، فيتبين حينئذ المنافق إذ لا غرة له ولا تحجيل، ويؤخذ منهم ذات الشمال في جملة من ارتد بعده - صلى الله عليه وسلم -، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول: "سحقا سحقا" فظنوا أن تسترهم بالمؤمنين في الآخرة ينفعهم كما في الدنيا جهلا منهم، فاختلطوا بهم أو حشروا معهم لما كانوا يظهرونه من [ ص: 195 ] الإسلام، فحفظ ذلك عليهم حتى ميز الله بين الخبيث والطيب، أو إنه لما قيل: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد. والمنافقون لم يعبدوا شيئا فبقوا هناك حيارى حتى ميزوا.

رابعها:

قوله: "فيأتيهم الله" الإتيان هنا إنما هو كشف الحجب التي بين أبصارنا وبين رؤية الله -عز وجل-، لأن الحركة والانتقال لا تجوز على الله تعالى؛ لأنها صفات الأجسام المتناهية، والله تعالى لا يوصف بشيء من ذلك ، فلم يبق من معنى الإتيان إلا ظهوره -عز وجل- إلى الأبصار،

[ ص: 196 ] لم تكن تراه ولا تدركه، والعادة أن من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلا بالإتيان، فعبر به عن الرؤية مجازا، ولا شك أن ما كان عليه السلف من التسليم أسلم، لكن مع القطع بأن الظواهر المذكورة يستحيل حملها على ظواهرها لما يعارضها من ظواهر أخر، والمتأول أولها على ما يليق بها على حسب مواقعها، وإنما يسوغ تأويلها لمن كان عارفا بلسان العرب، وقواعد الأصول والفروع.

[ ص: 197 ] وزعم القاضي عياض أن الإتيان فعل من أفعال الله تعالى سماه إتيانا. قال: والأشبه أن المراد يأتيهم بعض الملائكة، ويكون هذا الملك الذي جاءهم في الصورة التي أنكروها من سمات الحدث الظاهرة عليه، أو يكون معناه: يأتيهم في صورة لا تشبه صفات الإلهية؛ ليختبرهم وهو آخر امتحان المؤمنين، فإذا قال لهم هذا الملك أو هذه الصورة: أنا ربكم. رأوا عليه من علامات المخلوق ما ينكرونه ويعلمون أنه ليس ربهم فيستعيذون بالله منه .

وقال القرطبي: هذا مقام هائل يمتحن الله فيه عباده؛ ليميز المحق من المبطل، وذلك أنه لما بقي المنافقون والمراءون متلبسين بالمؤمنين المخلصين زاعمين أنهم منهم، امتحنهم الله بأن أتاهم بصورة هائلة قالت للجميع: أنا ربكم. فأجاب المؤمنون بإنكار ذلك لما سبق لهم من المعرفة به تعالى، وأنه منزه عن صفات هذه الصورة؛ إذ سماتها سمات الحدث؛ فلذلك قالوا في حديث أبي سعيد: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئا. مرتين أو ثلاثا، حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، وهذا البعض الذي هم بالانقلاب لم يكن لهم رسوخ العلماء ولا ثبوت العارفين، ولعل هذه الطائفة هي التي اعتقدت الحق من غير بصيرة، فلذلك كان اعتقادهم قابلا للانقلاب. ثم يقال بعد هذا للمؤمنين: هل بينكم وبينه آية تعرفونها؟ فيقولون: نعم. فيكشف عن ساق، أي: يوضح الحق ويتجلى لهم الأمر، فيروه حقيقة معاينة -وكشف الساق مثل يستعمله العرب في الأمر إذا حق ووضح- وعند هذا يسجد الجميع، فمن كان مخلصا في الدنيا صح له سجوده على نهايته [ ص: 198 ] وكماله، ومن كان مناففا أو مرائيا عاد ظهره طبقة واحدة كلما رام السجود خر على قفاه، فعلى هذا تكون الصورة التي لا يعرفونها مخلوقة، والفاء التي دخلت عليها بمعنى الباء ويكون معنى الكلام أن الله تعالى يجيئهم بصورة. كما في قوله تعالى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام [البقرة:210]، ويكون معنى الإتيان هنا: يحضر لهم تلك الصورة.

وأما الصورة الثانية التي يعرفون عندما يتجلى لهم الحق فهي صفته تعالى التي لا يشاركه فيها شيء من الموجودات، وهذا الوصف الذي كانوا قد عرفوه في الدنيا، وهو المعبر عنه بقوله: ليس كمثله شيء [الشورى 11] ولهذا قالوا: إذا جاء ربنا عرفناه. فقيل لهم في الحديث: وكيف تعرفونه؟ قالوا: إنه لا شبيه له ولا نظير وقد جاء مرفوعا في كتاب "التصديق بالنظر إلى الله تعالى" للآجري من حديث أبي موسى كذلك، ولا يستبعد إطلاق الصورة بمعنى الصفة والمجيء والإتيان المضاف إلى الرب جل جلاله.

ثانيا: هو عبارة عن تجليه لهم فكأنه كان بعيدا فقرب أو غائبا فحضر، وكل ذلك خطاب على وجه الاستعارة، جار على المتعارف من توسعات العرب، فإنهم يسمون الشيء باسم الشيء إذا جاوره أو قاربه، والتحول المنسوب إليه تعالى في رواية أخرى في الصحيح عبارة عن إزالة تلك الصورة الأولى المتعوذ منها، فيكون قوله: "تحول" حالا متقدمة قبل سجودهم؛ بمعنى: وقد كان تحول. أي: حول تلك الصورة وأزالها وتجلى هو بنفسه، فيكون المراد بهذا [ ص: 199 ] الكلام: أنه تعالى لما تجلى لعباده المؤمنين أول مرة رأوه فيها، لم يزل كذلك، لكنهم انصرفوا عن رؤيته عند سجودهم، ثم لما فرغوا منه عادوا إلى رؤيته مرة ثانية .

والخطابي قال: الإتيان هنا: كشف الحجاب لهم وقد مر.

والصورة إما بمعنى: الصفة، كقولنا: صورة هذا الأمر كذا وكذا. إذ المذكور من المعبودات صور فخرج الكلام على نوع من المطابقة.

وقوله: ("في أدنى صورة") يدل على أن المراد بالصورة: الصفة كما مر؛ لأنهم ما رأوه قبلها، فعلم أن المراد الصفة التي عرفوه بها.

وقوله: ("نعوذ بالله منك") هو قول المنافقين وإن كان اللفظ عاما، والرؤية هنا تكون بمعنى: العلم. قال الله تعالى: وأرنا مناسكنا [البقرة: 128] أي: علمنا، وعند أبي الفرج بن الجوزي: يأتيهم بأهوال القيامة وصور الملائكة وما لم يعهدوا مثله في الدنيا فيستعيذون من تلك الحال ويقولون: إذا جاء ربنا. أي: أتانا بما نعرفه من لطفه، وهي الصورة التي يعرفون. فيكشف عن ساق أي: عن شدة. كأنه يرفع تلك الشدائد فيسجدون شكرا .

[ ص: 200 ] وقال الكلاباذي: يجوز أن يكون المعنى: أنهم عرفوا الله في الدنيا بقلوبهم من غير كيفية ولا تشبيه بتعريفهم له باسم نفسه، لا أنهم عرفوه بصفاتهم من حيث هم، ولكنهم عرفوه بأنه أحدث فيهم لطائف عرفهم بها نفسه، يدل على هذا ما رواه ابن مسعود: فيقولون: سبحانه إذا اعترف لنا عرفناه .

قال: وكشف الساق: زوال الخوف عنهم والهول الذي غيبهم عن كثير من حالهم كما غابوا عن رؤية عوراتهم إذ هم عراة .

[ ص: 201 ] خامسها:

الصراط: يأتي في ذكر البعث إن شاء الله تعالى.

وقوله: ("بين ظهراني جهنم"). كذا للعذري، ولغيره: "ظهري" قال ابن الجوزي: أي على وسطها. يقال: نزلت بين ظهريهم وظهرانيهم بفتح النون أي: في وسطهم متمكنا بينهم لا في أطرافهم.

سادسها:

قوله: ("فأكون أول من يجيز بأمته") وهو. بضم الياء، أي: أول من يمضي عليه ويقطعه. قال: أجزت الوادي وجزته لغتان بمعنى. وقال الأصمعي: أجزته: قطعته. وجزته: مشيت عليه. ومعنى الرباعي: لا يجوز أحد عليه حتى يجوز هو وأمته، فكأنه يجيز الناس.

وقوله: ("ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل") أي: في حال الإجازة وإلا ففي يوم القيامة مواطن يتكلم الناس وتجادل كل نفس عن نفسها، ويسأل بعضهم بعضا ويتلاومون، ويخاصم التابعون المتبوعين.

سابعها:

الكلاليب: جمع كلوب -بفتح الكاف وضم اللام المشددة- حديدة معطوفة كالخطاف . والسعدان: نبت معروف.

وقوله: ("لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله") قال القرطبي: قيدناه عن بعض مشايخنا بضم الراء على أن يكون أسبقها "ما" خبرا مقدما و"قدر" مبتدأ، وبنصبها على أن تكون "ما" زائدة و"قدر" مفعول .

[ ص: 202 ] وتخطف -بكسر الطاء وفتحها والفتح أفصح-: وقرئ بالكسر وهو الأخذ بسرعة واستلاب. ومعنى الحديث: تأخذهم الكلاليب وتستلبهم بسرعة على قدر ذنوبهم.

وقوله: ("يوبق") قال في "المطالع": هو بياء موحدة عند العذري ومعناه: المهلك. وللطبري بثاء مثلثة من الوثاق.

ثامنها:

قوله: ("يخردل") هو بالخاء المعجمة ودال مهملة. وقال يعقوب: بذال معجمة. قال صاحب "المطالع": كذا هو لكافة الرواة ، وهو الصواب إلا الأصيلي فإنه ذكره بالجيم ومعناه: الإشراف على السقوط والهلاك، وسبقه إلى ذلك عياض أجمع، من خردلت اللحم -بالمهملة والمعجمة- إذا قطعته قطعا صغارا، ومعناه: يقطعهم بالكلاليب . وقيل بل المعنى: إنا نقطعهم عن لحوقهم بالناجين، وهذا بعيد. وقيل المخردل: المصروع المطروح. قاله الخليل، والأول أعرف وأظهر لقوله في الكلاليب: "تخطف الناس بأعمالهم". وفي حديث آخر: "فناج مسلم ومخدوش" وأما جردلت -بالجيم- فقيل: هو الإشراف على السقوط.

وعن الأصيلي مجزذل بالجيم والزاي وذال بعدها، وهو وهم عليه.

ورواه بقية رواة مسلم سوى السجزي.

[ ص: 203 ] المجازى: من الجزاء والأول أصح، والخلاف أيضا في البخاري بالخاء والجيم وجاء فيه في كتاب التوحيد: أو المجازى . على الشك، وقال ابن سيده: خردل اللحم قطع أعضاءه وافرة، وقيل: قطعه وفرقه . وفي "الصحاح": خردل اللحم، أي: قطعه صغارا .

تاسعها:

قوله: ("وحرم الله على النار أن تأكل آثار السجود") هو موضع الترجمة، وهو دال على أن الصلاة أفضل الأعمال؛ لما فيها من الركوع والسجود، وقد صح أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "اعلموا أن خير أعمالكم الصلاة" وصح أيضا أنه قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" وقرأ: واسجد واقترب [العلق: 19] ولعن الله إبليس؛ لإبائه عن السجود لعنة أبلسه بها وآيسه من رحمته إلى يوم القيامة.

وقال ثوبان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: دلني على عمل أكون به معك في الجنة.

[ ص: 204 ] قال: "أكثر من السجود"
وقيل في قوله تعالى: سيماهم في وجوههم من أثر السجود [الفتح: 29] هو أثر السهر والصفرة التي تعلو الوجه من التعب أو الصلاة والخشوع والوقار، أو ما تعلق من التراب بموضع السجود وندى الطهور، أو تبدو صلاتهم في وجوههم يوم القيامة ، فإن مواضع السجود أشد بياضا يوم القيامة، أو السمت الحسن في الدنيا، أو سيما الإسلام وسمته وتواضعه، أقوال.

عاشرها:

آثار السجود يعم أعضاءه السبعة. قال عياض: والمراد الجبهة خاصة. وكأنه اعتمد على ما في مسلم: "إن قوما يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم" . وقد يجاب بأنه أراد المرء أو قوما مخصوصين بأعيانهم، إما لأنهم أخلصوا في غسل وجوههم فقط ولم يخلصوا، أو لأمر آخر.

الحادي عشر:

قوله: ("امتحشوا") هو بتاء مثناة وحاء وشين معجمة، ذكره القاضي عياض عن متقني شيوخه، قال: وهو وجه الكلام ، وبه ضبطه الخطابي وغيره، ومعناه: احترقوا. قال: ورواه بعض شيوخنا بضم التاء وكسر الحاء. وعن الداودي: امتحشوا: انقبضوا اسودوا، وفي بعض الروايات: صاروا حمما . ومحش وامتحش لغتان.

[ ص: 205 ] الثاني عشر:

الحبة -بكسر الحاء-: بذر البقل أو حب الريحان أو غيرهما مما سلف في باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال . وماء الحياة: هو الذي من شربه أو صب عليه لم يمت أبدا، قاله القرطبي . وشبه نباته بنبات الحبة؛ لبياضها كما جاء في الحديث ولسرعة نباتها، لأنها تنبت في يوم وليلة؛ لأنها رويت من المياه وترددت في غثاء السيل، ورويت وتشرب قلبها للخروج، فإذا خرجت إلى موضع في حميل السيل غرزت عرقها فيه لحينها فنبتت بسرعة.

الثالث عشر:

قوله: ("ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد") معناه: تمم عليهم حسابهم وكمله وفصله؛ لأنه تعالى لا يشغله شيء عن شيء. وعند القرطبي: كمل خروج الموحدين من النار .

الرابع عشر:

قوله: ("قشبني") هو بقاف مفتوحة، ثم شين معجمة مخففة مفتوحة. وقال ابن التين: كذا هو عند المحدثين، وكذا ضبطه بعضهم. والذي في اللغة بتشديد الشين ومعناه: سمني. وقال الفارابي في باب فعل يفعل: قشبه: سقاه السم. وقشبه طعامه، أي: سمه. وفي "المنتهى" لأبي المعالي القشب: أخلاط تخلى للنسر فيأكلها فيموت، فيؤخذ ريشه. يقال: ريش قشيب ومقشوب، وكل مسموم قشيب. وقال [ ص: 206 ] أبو عمرو: القشب: السم. قشبه: سقاه السم. وحكى ابن سيده: القشب أيضا بالفتح . وقال صاحب "الأفعال": تقول العرب: قشبت الشيء قذرته، وقشب -بكسر الشين- قشبا: قذر .

وقال ابن قتيبة: هو من القشيب: وهو السم. كأنه قال: سمني ريحها. وقال الخطابي: يقال: قشبه الدخان إذا ملأ خياشيمه وأخذ بكظمه وكانت ريحه طيبة، وأصله: خلط السم، يقال: قشبه: إذا سمه . وقشبتنا الدنيا: فتنتنا، فصار حبها كالسم الضار، ثم قيل على هذا: قشبه الدخان والريح الذكية إذا بلغت منه الكظم، ومنه حديث عمر: أنه كان بمكة فوجد ريح طيب فقال: من قشبنا؟ فقال معاوية: يا أمير المؤمنين، دخلت على أم حبيبة فطيبتني .

الخامس عشر:

قوله: ("وأحرقني ذكاؤها") كذا هو في جميع روايات الحديث بالمد وبفتح الذال المعجمة ومعناه: لهبها واشتعالها وشدة وهجها. والأشهر في اللغة القصر، وبه جزم خلق منهم، وذكر جماعات أن المد والقصر لغتان .

[ ص: 207 ] قلت: وخطئوا أبا حنيفة صاحب "النبات" في مده؛ لأنه بالمد: الفهم والسن.

السادس عشر:

"عسيت" بفتح السين، وحكي كسرها، وهما قراءتان ، وهي من

الآدميين يكون للشك والترجي واليقين- كما قاله صاحب "الواعي".

وقول الرب جل وعلا: "ما أغدرك" تلطف بعبده وتأنيس لكثرة إدلاله عليه وسؤاله. والضحك من صفات الرب جل جلاله، ومعناه: الاستبشار والرضا لا الضحك بلهوات وتعجب .

[ ص: 208 ] السابع عشر:

"لا أكون أشقى خلقك" كذا هنا، وعند أبي الحسن: "لأكون". ولعله يريد إن أنت أبقيتني على هذه الحالة ولا تدخلني الجنة لأكونن أشقى خلقك الذين دخلوها والألف زائدة.

الثامن عشر:

قول أبي سعيد: "وعشرة أمثاله". يحتمل أن يكون جميع ما أعطي ذلك، وأن يكون هو وعشرة أمثاله.

[ ص: 209 ] ووجه الجمع بين قول أبي سعيد هذا وقول أبي هريرة: "لك ذلك ومثله معه" أنه - عليه السلام - أخبر أولا بالمثل، ثم أطلع على الزيادة تكرما، و [لا] يحتمل العكس؛ لأن الفضائل لا تنسخ.

التاسع عشر:

إمساك العبد عن السؤال حياء من الرب، والله تعالى يحب السؤال؛ لأنه يحب صوت عبده فيباسطه بقوله: "إن أعطيت هذا تسأل غيره؟ " وهذا حال المقصر، فكيف حال المطيع؟! وليس نقض هذا العبد عهده وترك إقسامه جهلا؛ بل نقضه عالما بأنه أولى؛ لأن سؤاله ربه أفضل من إبراره قسمه، وقول الرب جل جلاله له "أليس قد أعطيت العهود؟ " إيناس له وتبسط، وقول العبد في بعض الروايات: "أتهزأ بي؟ " نفي عنه جل وعز الاستهزاء الذي لا يجوز عليه، كأنه قال: أعلم أنك لا تهزأ لأنك رب العباد، و (قولك) : "لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها" حق، ولكن العجب من فضلك. و"أتهزأ" ألفه ألف نفي على هذا كقوله: أتهلكنا بما فعل السفهاء منا [الأعراف: 155] وهي لفظة متبسط متذلل.

وفي الحديث "فرأى ضوءا فخر ساجدا، فيقال: ما لك؟ فيقول: أليس هذا ربي؟ فإذا بشخص قائم" قال: ليس سجوده للقائم الذي [ ص: 210 ] هو قهرمانه ولا قوله: "أليس هذا ربي؟ " إشارة منه إليه، وكيف يكون كذلك وهو له موحد به عارف؟! وإنما سجد لله كأنه قال: أليس هذا الضوء علامة تجليه لي، كأنه قال: أليس عند هذا النور يكون تجلي ربي لي وراء هذا؟ ألا ترى إلى حديث جابر: "بينما أهل الجنة في نعيمهم سطع لهم نور من فوقها وإذا الرب قد أشرق عليهم" فسجود العبد يجوز أن يكون استدعاء لرؤية ربه؛ وذلك لأنه سمع الله تعالى يقول: وفيها ما تشتهيه الأنفس فلم يشر بقوله: (هذا ربي) إلى عين قائمة؛ بل أراد ذاتا موجودة وذلك؛ لأنه طلب الجنة المخلوقة تصريحا، وطلب الرؤية لسيد ليس كمثله شيء تعويضا وقسمة؛ لأنها لم تكن جزاء كالجنة التي هي جزاء الإيمان بل فضلا، فمن محبته وشوقه لربه إذا سطع له نور يهيج شوقه فيرى أن وراءه يكون تجلي ربه فيسجد شكرا؛ لإنجازه وعده، ومسارعة لاستنجاز الموعود؛ لأنه لما سكنت نفسه وأمن روعه انبعثت محبته التي خلقها الله في قلبه، فسها عن نعيم الجنة؛ لأنه قال: ما اشتهته فيها نفسه، ويطلع إلى ما تلذ بها عينه، فلو أعطي ما تلذ عينه -وهو النظر إلى الرب جل جلاله- لسها عن نعيم الجنة ولم يلتذ به.

الخاتمة:

فيه إثبات الرؤية للرب جل جلاله نصا من كلام الشارع، وهو تفسير لقوله جل جلاله: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة [القيامة : 22، 23]

[ ص: 211 ] يعني: مبصرة بالله تعالى، ولو لم يكن هذا القول من الشارع بالرؤية نصا لكان في الآية كفاية لمن أنصف، وذلك أن النظر إذا قرن بذكر الوجه لم يكن إلا نظر البصر، وإذا قرن بذكر القلب كان بمعنى اليقين، فلا يجوز أن ينقل حكم الوجوه إلى حكم القلوب، فإن قلت: فقوله تعالى: لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103] وأنه على العموم قلت: الإدراك: الإحاطة، تعالى عن ذلك، وهو أولى من جواب ابن بطال أن الآية مخصوصة بالسنة . وسلف القول في ذلك في باب: فضل صلاة العصر ويكون لنا -إن شاء الله- عودة إليه في: الاعتصام في الكلام على الآية.

التالي السابق


الخدمات العلمية