المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
2703 (5) باب

في قوله تعالى:

يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا... الآية.

[ 1547 ] وعن جابر بن عبد الله قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد الناس جلوسا ببابه، لم يؤذن لأحد منهم. قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالسا حوله نساؤه واجما ساكتا، قال: فقال: والله لأقولن شيئا أضحك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها، فوجأت عنقها فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هن حولي كما ترى، يسألنني النفقة. فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده فقلن: والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أبدا ليس عنده. ثم اعتزلهن شهرا أو تسعا وعشرين، ثم نزلت عليه هذه الآية: يا أيها النبي قل لأزواجك حتى بلغ: للمحسنات منكن أجرا عظيما [الأحزاب: 28 - 29]. قال: فبدأ بعائشة. فقال: يا عائشة، إني أريد أن أعرض عليك أمرا أحب ألا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله، ورسوله، والدار الآخرة، وأسألك ألا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت. قال: لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا، ولكن بعثني معلما ميسرا.

رواه مسلم (1478).
[ ص: 255 ] (5) ومن باب: قوله تعالى: يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا الآية [الأحزاب: 28].

(قوله: واجما، ساكتا ) أي: مطرقا إطراق المغضب.

و (قوله: وجأت عنقها ) أي: طعنت فيه ودققت. وأصل الوجء: الدق، والطعن؛ يقال: وجأت البعير: إذا طعنت في منحره. ووجأت الوتد: ضربته. ووجأته بالسكين: طعنته بها.

وهذا الفعل من أبي بكر وعمر بابنتيهما مبالغة في تأديبهما، وكذلك غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهن، وهجرانه لهن إنما كان مبالغة في أدبهن، فإنهن كن كثرن عليه، وتبسطن عليه تبسطا تعدين فيه ما يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم من احترامه، وإعظامه. وكان ذلك منهن بسبب حسن معاشرته، ولين خلقه، وربما امتدت أعين [ ص: 256 ] بعضهن إلى شيء من متاع الدنيا. ولذلك أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يخيرهن بين إرادة زينة الدنيا، وإرادة الله تعالى، وما عنده، فاخترن الله ورسوله، والدار الآخرة. ولم يكن فيهن من توقف في شيء من ذلك، ولا تردد فيه، لأنهن مختارات لمختار، وطيبات لطيب، سلام الله تعالى عليهم أجمعين.

و (قوله في هذه الرواية: اعتزلهن شهرا، أو تسعا وعشرين ) ظاهره شك من الراوي، وسيأتي حديث ابن عباس : أنه إنما اعتزلهن تسعا وعشرين، وهو الصحيح.

وقول عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم: لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت ) هو قول أخرجته غيرتها، وحرصها على انفرادها بالنبي صلى الله عليه وسلم.

و (قوله لها: ( إن الله لم يبعثني معنتا، ولا متعنتا، ولكن بعثني معلما، وميسرا ) أصل العنت: المشقة. والمعنت: هو الذي يوقع العنت بغيره. والمتعنت: هو الذي يحمل غيره على العمل بها. ويحتمل أن يقال: المعنت: هو [ ص: 257 ] المجبول على ذلك. والمتعنت: هو الذي يتعاطى ذلك وإن لم يكن في جبلته.

وكأن عائشة رضي الله عنها توقعت: أنه إذا لم يخبر أحدا من زوجاته يكون فيهن من يختار الدنيا، فيفارقها النبي صلى الله عليه وسلم وأنهن إذا سمعن باختيارها هي له اقتدين بها فيخترنه، وكذلك فعلن.

ووقع للنبي صلى الله عليه وسلم: أنه إن سألته واحدة منهن عن فعل عائشة فلم يخبرها كان ذلك نوعا من العنت، وإدخال الضرر عليهن بسبب إخفاء ما يسأل عنه، فقال مجيبا: (إن الله لم يبعثني معنتا، ولكن بعثني معلما ميسرا). ووجه التيسير في هذا: أنه إذا أخبر بذلك اقتدى بها غيرها من أزواجه، وسهل عليها اختيار الله ورسوله، والدار الآخرة.

التالي السابق


الخدمات العلمية