المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
2965 أبواب الصرف والربا

(25) باب

تحريم التفاضل والنساء في الذهب بالذهب والورق بالورق

[ 1676 ] عن أبي سعيد الخدري قال: أبصرت عيناي، وسمعت أذناي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا شيئا غائبا منه بناجز إلا يدا بيد.

وفي رواية: لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، إلا وزنا بوزن، مثلا بمثل، سواء بسواء.

رواه البخاري (2177)، ومسلم (1584)، والنسائي ( 7 \ 278 و 279). [ 1677 ] وعن عثمان بن عفان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين.

رواه مسلم (1585).
[ ص: 468 ] ومن أبواب الصرف والربا

(25) ومن باب تحريم التفاضل والنساء

الصرف: مصدر صرف، يصرف، صرفا: إذا دفع ذهبا، وأخذ فضة، أو عكسه. هذا عرفه الشرعي. وحقيقته: بيع ذهب بفضة. وللشرع فيه معنيان:

أحدهما: منع النساء فيه، مع اتفاق النوع، واختلافه، فلا يجوز بيع ذهب بذهب، ولا بفضة نساء. وهذا مجمع عليه. وثانيهما: منع التفاضل في النوع الواحد منهما، فلا يجوز ذهب بذهب، ولا فضة بفضة متفاضلا عند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين من أهل المدينة ، والحجاز ، والشام ، وغيرهم. وفيه خلاف شاذ عن بعض الصحابة مرجوع عنه، وسيأتي ذكرهم في بابه إن شاء الله تعالى.

وقد دل على صحة ما ذكرناه من المنعين، وإبطال قول المخالف نصوص هذا الباب؛ كقوله: ( لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا [ ص: 469 ] تبيعوا منها شيئا غائبا بناجز ). وفي اللفظ الآخر: ( إلا وزنا بوزن، مثلا بمثل، سواء بسواء ) وفي رواية: (يدا بيد) وفي أخرى: (إلا هاء وهاء) وغير ذلك مما في هذا الباب.

فهذه نصوص مؤكدة، وألفاظ متعددة، تفيد: أن تحريم التفاضل كتحريم النساء، ويستوي في ذلك أنواع كل جنس منها، فلا يلتفت للخلاف في ذلك. وسيأتي القول إن شاء الله تعالى على قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الربا في النسيئة) ثم اختلف العلماء: هل هذا الحكم معلل بعلة، أو ليس معللا؟ فنفاة القياس منعوا ذلك على أصلهم في نفي التعليل مطلقا. وممن قال بهذا القول: داود وأتباعه. وقد تابعهم على نفي تعليل هذا الحكم بعض من قال بالقياس. بناء على أنه لم يجد دليلا عليه، أو: على أنه لم يجد لعلة ذلك فرعا يلحقه بها. فتكون العلة قاصرة، ولا يعلل بالعلة القاصرة. وهو مذهب أبي حنيفة . وذهب مالك والشافعي وأتباعهما إلى تعليل ذلك الحكم بكونها أثمانا. وهل هو معلل بمطلق الثمنية، فيلحق بذلك كلما يكون ثمنا كالفلوس، والجلود المطبوعة إذا تعومل بها، أو بثمنية تكون رءوس الأثمان، وقيما للمتلفات غالبا، فتخرج الفلوس، وغيرها منهما؟ قولان لأصحابنا. والذي حمل المعللين على القول بالتعليل التمسك بالقاعدة الكلية: إن الشرع جاء باعتبار المصالح. والمصلحة لا تعدو أوصاف المحل. وقد سبرنا أوصافه، فلم نجد أولى من هذا، فتعين أن يكون هو العلة. وقد حققنا هذه الأصول في الأصول، فلتنظر هنالك.

و (قوله: ولا تشفوا بعضها على بعض ) أي: لا يكن لأحدهما شفوف على [ ص: 470 ] الآخر؛ أي: زيادة. وقد بالغ مالك رحمه الله في منع الزيادة في هذا، حتى جعل المتوهم كالمتحقق. فمنع دينارا ودرهما بدينار ودرهم، سدا للذريعة، وحسما للتوهمات؛ إذ لولا توهم الزيادة لما تبادلا. وقد علل منع ذلك بتعذر المماثلة عند التوزيع، فإنه يلزم منه: ذهب وفضة بذهب. وأوضح من هذا: منعه التفاضل المعنوي؛ وذلك: أنه منع دينارا من الذهب العالي، ودينارا من الذهب الدون بدينارين من الوسط. فكأنه جعل الدينار من الوسط في مقابلة العالي، وألغى الدون. وهذا من دقيق نظره رحمه الله تعالى.

التالي السابق


الخدمات العلمية