صفحة جزء
الباب الثالث : في قياس الشبه .

ويتعلق النظر في هذا الباب بثلاثة أطراف

الطرف الأول : في حقيقة الشبه وأمثلته وتفصيل المذاهب فيه وإقامة الدليل على صحته أما حقيقته فاعلم أن اسم الشبه يطلق على كل قياس ، فإن الفرع يلحق بالأصل بجامع يشبهه فيه فهو إذا يشبهه ، وكذلك اسم الطرد ; لأن الاطراد شرط كل علة جمع فيها بين الفرع والأصل .

ومعنى الطرد السلامة عن النقض لكن العلة الجامعة إن كانت مؤثرة أو مناسبة عرفت بأشرف صفاتها وأقواها وهو التأثير والمناسبة دون الأخس الأعم الذي هو الاطراد والمشابهة ، فإن لم يكن للعلة خاصية إلا الاطراد الذي هو أعم أوصاف العلل وأضعفها في الدلالة على الصحة خص باسم الطرد لا لاختصاص الاطراد بها لكن ; لأنه لا [ ص: 317 ] خاصية لها سواه ، فإن انضاف إلى الاطراد زيادة ولم ينته إلى درجة المناسب والمؤثر سمي شبها وتلك الزيادة هي مناسبة الوصف الجامع لعلة الحكم ، وإن لم يناسب نفس الحكم

بيانه أنا نقدر أن لله تعالى في كل حكم سرا ، وهو مصلحة مناسبة للحكم ، وربما لا يطلع على عين تلك المصلحة لكن يطلع على وصف يوهم الاشتمال على تلك المصلحة ، ويظن أنه مظنتها ، وقالبها الذي يتضمنها وإن كنا لا نطلع على عين السر ، فالاجتماع في ذلك الوصف الذي يوهم الاجتماع في المصلحة الموجبة للحكم يوجب الاجتماع في الحكم

ويتميز عن المناسب بأن المناسب هو الذي يناسب الحكم ويتقاضاه بنفسه كمناسبة الشدة للتحريم ، ويتميز عن الطرد بأن الطرد لا يناسب الحكم ولا المصلحة المتوهمة للحكم بل نعلم أن ذلك الجنس لا يكون مظنة المصالح وقالبها ، كقول القائل : الخل مائع لا تبنى القنطرة على جنسه فلا يزيل النجاسة كالدهن ، وكأنه علل إزالة النجاسة بالماء بأنه تبنى القنطرة على جنسه واحترز من الماء القليل ، فإنه وإن كان لا تبنى القنطرة عليه فإنه تبنى على جنسه ، فهذه علة مطردة لا نقض عليها ليس فيها خصلة سوى الاطراد

ونعلم أنه لا يناسب الحكم ولا يناسب العلة التي تقتضي الحكم بالتضمن لها والاشتمال عليها ، فإنا نعلم أن الماء جعل مزيلا للنجاسة لخاصية وعلة وسبب يعلمه الله تعالى وإن لم نعلمها ، ونعلم أن بناء القنطرة مما لا يوهم الاشتمال عليها ولا يناسبها ، فإذا معنى التشبيه الجمع بين الفرع والأصل بوصف مع الاعتراف بأن ذلك الوصف ليس علة للحكم بخلاف قياس العلة فإنه جمع بما هو علة الحكم ، فإن لم يرد الأصوليون بقياس الشبه هذا الجنس فلست أدري ما الذي أرادوا وبم فصلوه عن الطرد المحض ، وعن المناسب وعلى الجملة فنحن نريد هذا بالشبه ، فعلينا الآن تفهيمه بالأمثلة وإقامة الدليل على صحته .

التالي السابق


الخدمات العلمية