السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

صفحة جزء
29 (باب أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)

وقال النووي: «باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويؤمنوا بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وأن من فعل ذلك عصم نفسه وماله إلا بحقها، ووكلت سريرته إلى الله تعالى، وقتال من منع الزكاة أو غيرها من حقوق الإسلام، واهتمام الإمام بشعائر الإسلام» .

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 201 - 210 ج1 المطبعة المصرية

[عن أبي هريرة ، قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب قال عمر بن الخطاب لأبي بكر : كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله . فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله فقال أبو بكر والله لأقاتلن [ ص: 70 ] من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه فقال عمر بن الخطاب : فوالله ما هو إلا أن رأيت الله عز وجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق


(الشرح)

عن أبي هريرة قال: (لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده. وكفر من كفر من العرب ) ، قال الخطابي: إن أهل الردة كانوا صنفين: صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعادوا إلى الكفر، وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله: «وكفر من كفر من العرب» وهذه الفرقة «طائفتان» :

إحداهما أصحاب «مسيلمة» من بني حنيفة وغيرهم الذين صدقوه على دعواه في النبوة، وأصحاب «الأسود العنسي» ، ومن كان من مستجيبيه من أهل اليمن وغيرهم، وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، مدعية النبوة لغيره. فقاتلهم أبو بكر حتى قتل الله «مسيلمة» باليمامة «والعنسي» بصنعاء، وانفضت جموعهم وهلك أكثرهم.

والطائفة الأخرى ارتدوا عن الدين وأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرها من أمور الدين وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية؛ فلم يكن يسجد لله تعالى في بسيط الأرض إلا في ثلاثة مساجد؛ مسجد [ ص: 71 ] مكة، ومسجد المدينة، ومسجد عبد القيس في البحرين في قرية يقال «لها» «جواثا» ، وكان هؤلاء المتمسكون بدينهم من «الأزد» محصورين «بجواثا» .

والصنف الآخر هم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة، فأقروا بالصلاة وأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها إلى الإمام، وهؤلاء على الحقيقة أهل بغي، وإنما لم يدعوا بهذا الاسم في ذلك الزمان خصوصا لدخولهم في غمار أهل الردة فأضيف «الاسم» في الجملة إلى «الردة» إذ كانت أعظم الأمرين وأهمهما.

وأرخ قتال أهل البغي في زمن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذ كانوا منفردين في زمانه، لم يختلطوا بأهل الشرك، وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح بالزكاة ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي «كبني يربوع» ، فإنهم أرادوا أن يبعثوا صدقاتهم إلى أبي بكر رضي الله عنه فمنعهم «مالك بن نويرة» وفرقها فيهم. وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر رضي الله عنه «فقال عمر بن الخطاب: لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم» . أي: فراجع عمر أبا بكر وناظره واحتج عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله.

[ ص: 72 ] فمن قال: لا إله إلا الله. فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله تعالى؟» . وكان هذا من عمر تعلقا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره ويتأمل شرائطه «فقال» له «أبو بكر» إن الزكاة حق المال يريد أن القضية قد تضمنت عصمة «دم ومال» ، معلقة بإيفاء شرائطها، والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم، ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها. وقال: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. فإن الزكاة حق المال. فكان في ذلك دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعا من الصحابة. ولذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه. فاجتمع في هذه القضية الاحتجاج من عمر بالعموم، ومن أبي بكر بالقياس (والله! لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه ) . هكذا في مسلم وروايات البخاري.

وفي بعضها «عناقا» ، وهي الأنثى من ولد «المعز» وكلاهما صحيح وهو محمول على أنه كرر الكلام مرتين فقال في مرة «عقالا» وفي الأخرى «عناقا» فروي عنه اللفظان؛ «فالعناق» محمول على الغنم الصغار بأن ماتت أمهاتها، والمراد «بالعقال» زكاة عام. وقيل: «الحبل» الذي يعقل به البعير، وصححه النووي، لأن الكلام خرج مخرج التضييق والتشديد والمبالغة فتقتضي قلة ما علق به القتال وحقارته وإذا حمل على صدقة العام لم يحصل هذا المعنى والمراد قدر قيمته. وقيل غير ذلك.

وبالجملة: فلما استقر عند عمر رأي أبي بكر رضي الله عنهما، وبان له صوابه تابعه على قتال القوم. وهو معنى قوله:

[ ص: 73 ] (فقال عمر بن الخطاب» : فوالله ما هو إلا أن رأيت الله «عز وجل» قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق ) .

معنى «رأيت» : علمت، وأيقنت. ومعنى «شرح» فتح ووسع ولين.

أي: علمت. أنه جازم للقتال لما ألقى الله سبحانه في قلبه من الطمأنينة لذلك واستصوابه لذلك فعرفت بذلك أن ما ذهب إليه هو الحق.

قال النووي: لا أن عمر قلد أبا بكر؛ فإن المجتهد لا يقلد المجتهد؛ وقد زعمت الرافضة أن عمر إنما وافق أبا بكر تقليدا، وبنوه على مذهبهم «الفاسد» في وجوب عصمة الأئمة. وهذه جهالة ظاهرة منهم والله أعلم انتهى.

وفي استدلال «أبي بكر» واعتراض «عمر» ، رضي الله عنهما دليل على أنهما لم يحفظا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رواه أبو هريرة عند مسلم:

«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» ؛ فإن عمر لو سمع ذلك لما خالف ولما كان احتج بالحديث؛ فإنه بهذه الزيادة حجة عليه.

ولو سمع «أبو بكر» هذه الزيادة لاحتج بها، ولما احتج «بالقياس» والله أعلم.

وفي الحديث جواز «القياس» والعمل به، وفيه وجوب قتال مانعي الزكاة أو الصلاة أو غيرهما من واجبات الإسلام، قليلا كان أو كثيرا [ ص: 74 ] لقوله «لو منعوني عقالا» وفيه جواز التمسك بالعموم لقوله «فإن الزكاة حق المال» وفيه وجوب قتال أهل البغي، وفيه اجتهاد الأئمة في النوازل وردها إلى الأصول. ومناظرة أهل العلم فيها، ورجوع من ظهر له الحق إلى قول صاحبه، وفيه ترك تخطئة المجتهدين المختلفين في الفروع بعضهم بعضا، وفيه أن «الإجماع» لا ينعقد إذا خالف من أهل الحل والعقد واحد.

قال النووي: وهذا هو الصحيح المشهور، وخالف فيه بعض أصحاب الأصول.

وفيه قبول توبة الزنديق، وفيها خمسة أوجه: أصحها والأصوب منها: قبولها مطلقا للأحاديث الصحيحة المطلقة الواردة في ذلك.

التالي السابق


الخدمات العلمية