الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزع وهو الغرغرة

جزء التالي صفحة
السابق

35 (باب منه)

وقال النووي «باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزع وهو الغرغرة» ونسخ جواز الاستغفار للمشركين، والدليل على أن من مات على الشرك فهو من أصحاب الجحيم ولا ينقذه من ذلك شيء من الوسائل.

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم النووي ص 213-215ج1 المطبعة المصرية

[عن سعيد بن المسيب ، عن أبيه ، قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي، [ ص: 66 ] أمية بن المغيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فأنزل الله عز وجل ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم وأنزل الله تعالى في أبي طالب فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين .

التالي السابق


(الشرح)

(عن سعيد بن المسيب عن أبيه ) ، ولم يروه عن المسيب إلا ابنه «سعيد» كذا قال الحفاظ. وفي هذا رد على الحاكم في قوله: لم يخرج البخاري ولا مسلم عن أحد ممن لم يرو عنه إلا «راو» واحد. قال النووي: ولعله أراد «من غير الصحابة» قال: (لما حضرت أبا طالب الوفاة ) أي: قربت وفاته، وحضرت دلائلها، وذلك قبل المعاينة والنزع، لقوله تعالى: وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن .

ويدل على أنه قبل المعاينة محاورته للنبي صلى الله عليه وسلم، ومع كفار قريش.

[ ص: 67 ] وجعل «الحضور» هنا على حقيقة الاحتضار ليس بصحيح (جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم! قل: لا إله إلا الله. كلمة أشهد لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب؛ أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه (بفتح الياء وكسر الراء» «ويعيد له تلك المقالة» ، وفي نسخة «ويعيدان له» على التثنية؛ لأبي جهل وابن أبي أمية؛ قال القاضي عياض: وهذا أشبه «حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم» به: (هو على ملة عبد المطلب ) هذا من أحسن الآداب وألطف التصرفات، وهو أن من حكي قول غيره القبيح أتى به بضمير الغيبة لقبيح صورة لفظه الواقع.

وفيه أن «أبا طالب» مات على ما مات عليه عبد المطلب وكانا ماتا على الشرك (وأبى أن يقول: لا إله إلا الله) ولا حول ولا قوة إلا بالله (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ) ، وضبط «أم» من غير ألف بعد الميم. والأكثر «أما» . قال النووي: وكلاهما صحيح «وأم» أكثر ما تحذف «ألفها» إذا وقع بعدها القسم للدلالة على شدة اتصال الثاني بالأول. لأن الكلمة إذا بقيت على حرف واحد لم تقم بنفسها، فعلم بحذف ألف «أما» افتقارها إلى الاتصال بالهمزة «وأما» يراد به معنى «حقا» في قولهم: «أما والله لأفعلن» ، والوجه الآخر أن يكون افتتاحا للكلام منزله «ألا» كقولك: «أما إن زيدا منطلق» [ ص: 68 ] قاله ابن الشجري. وفيه جواز «الحلف» من غير استحلاف؛ وكان الحلف هنا لتوكيد العزم على الاستغفار وتطييبا لنفس أبي طالب.

وكانت وفاته بمكة قبل الهجرة بقليل؛ قال ابن فارس: مات «أبو طالب» ولرسول الله صلى الله عليه وسلم تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوما. وتوفيت «خديجة» أم المؤمنين بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام.

وأما قوله: فأنزل الله عز وجل:

ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين .

فقال المفسرون وأهل المعاني: معناه: ما ينبغي لهم. وهو نهي.

والواو في قوله تعالى: ولو كانوا أولي قربى واو الحال والله أعلم.

«من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم» ، لكونهم ماتوا على الشرك.

وأنزل الله تعالى في أبي طالب -فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين .

أجمع المفسرون على أنها نزلت في «أبي طالب» حكاه الزجاج وغيره، وهي عامة؛ فإنه لا يهدي ولا يضل إلا الله تعالى. قال الفراء: من أحببته لقرابته، أو من أحببت أن يهتدي وهو أعلم بمن قدر له الهدى.

[ ص: 69 ] وفي رواية عن أبي هريرة عند مسلم بلفظ «قال: لولا أن تعيرني قريش بذلك» ، يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك» فأنزل الله. الحديث. وحديث الباب اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في صحيحيهما.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث