السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

صفحة جزء
4117 باب: لا يورد ممرض على مصح

وهو في النووي في: (الباب المتقدم) .

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم \النووي، ص214-216 ج14، المطبعة المصرية

[عن ابن شهاب؛ أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف؛ حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: "لا عدوى" ويحدث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: "لا يورد ممرض على مصح".

قال: أبو سلمة كان أبو هريرة يحدثهما كلتيهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم صمت أبو هريرة بعد ذلك، عن قوله: "لا عدوى". وأقام على: "أن لا يورد ممرض على مصح". قال: فقال الحارث بن أبي ذباب (وهو ابن عم أبي هريرة) : قد كنت أسمعك، يا أبا هريرة! تحدثنا مع هذا الحديث، حديثا آخر، قد سكت عنه. كنت تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى" فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك. [ ص: 381 ] وقال "لا يورد ممرض على مصح". فما رآه الحارث في ذلك، حتى غضب أبو هريرة. فرطن بالحبشية؛ فقال للحارث: أتدري ماذا قلت؟ قال: لا. قال أبو هريرة: قلت: أبيت.

قال أبو سلمة: ولعمري! لقد كان أبو هريرة يحدثنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا عدوى" فلا أدري! أنسي أبو هريرة؟ أو نسخ أحد القولين الآخر؟
].


(الشرح)

(عن ابن شهاب؛ أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف؛ حدثه: أن رسول الله، صلى الله عليه) وآله (وسلم. قال: "لا عدوى". ويحدث: أن رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم؛ قال: "لا يورد ممرض على مصح") . أي: لا يورد الذي له إبل مرضى، على من له إبل صحاح. وجمع ابن بطال بين هذا والسابق؛ فقال: "لا عدوى"؛ إعلام بأنها لا حقيقة لها. وأما النهي، فلئلا يتوهم المصح: أن مرضها حدث من أجل ورود المريض عليها، فيكون داخلا بتوهمه ذلك: في تصحيح ما أبطله النبي، صلى الله عليه وآله وسلم. وقيل: غير ذلك.

(قال أبو سلمة: كان أبو هريرة يحدثهما كلتيهما) . كذا هو في جميع النسخ. والضمير عائد إلى الكلمتين. أو القصتين. أو المسألتين. ونحو ذلك.

(عن رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم، ثم صمت أبو [ ص: 382 ] هريرة بعد ذلك، عن قوله: "لا عدوى". وأقام على: "أن لا يورد ممرض على مصح". قال: فقال الحارث بن أبي ذياب -وهو ابن عم أبي هريرة-: قد كنت أسمعك، يا أبا هريرة! تحدثنا مع هذا الحديث، حديثا آخر، قد سكت عنه. كنت تقول: قال رسول الله، صلى الله عليه) وآله (وسلم: "لا عدوى". فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك. وقال: "لا يورد ممرض على مصح". فما رآه الحارث في ذلك، حتى غضب أبو هريرة. فرطن بالحبشية) أي تكلم بلغتهم، بما لا يفهم. وقال العيني: لا رطانة بالحبشية هنا حقيقة. وإنما هو غضب، فتكلم بما لا يفهم، (فقال للحارث: أتدري ماذا قلت؟ قال: لا. قال أبو هريرة: إني قلت: أبيت. قال أبو سلمة: ولعمري! لقد كان أبو هريرة يحدثنا: أن رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم؛ قال: "لا عدوى". فلا أدري! أنسي أبو هريرة؟ أو نسخ أحد القولين الآخر؟) .

قال جمهور العلماء: يجب الجمع بين هذين الحديثين. وهما صحيحان. قالوا: وطريق الجمع: أن حديث "لا عدوى"، المراد به: نفي ما كانت الجاهلية تعتقده؛ أن المرض يعدي بطبعه، لا بفعل الله تعالى. وأما حديث: "لا يورد ممرض على مصح"، فأرشد فيه إلى مجانبة ما يحصل الضرر عنده في العادة، بفعل الله تعالى، وقدره. [ ص: 383 ] فنفى في الحديث الأول: العدوى بطبعها. ولم ينف حصول الضرر عند ذلك، بقدر الله تعالى وفعله. وأرشد في الثاني: إلى الاحتراز مما يحصل عنده الضرر، بفعل الله وإرادته وقدره.

قال النووي: هذا الذي ذكرناه من تصحيح الحديثين، والجمع بينهما: هو الصواب، الذي عليه جمهور العلماء. ويتعين المصير إليه. ولا يؤثر نسيان أبي هريرة (لحديث: "لا عدوى") ، لوجهين؛

أحدهما: أن نسيان الراوي للحديث الذي رواه، لا يقدح في صحته. عند جماهير العلماء، بل يجب العمل به.

والثاني: أن هذا اللفظ، ثابت من رواية غير أبي هريرة. فقد ذكر مسلم هذا، من رواية السائب بن يزيد، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وابن عمر: عن النبي، صلى الله عليه وآله وسلم.

وحكى المازري، وعياض، عن بعض العلماء: أن حديث "لا يورد ممرض على مصح": منسوخ بحديث "لا عدوى". وهذا غلط لوجهين؛

أحدهما: أن النسخ يشترط فيه، تعذر الجمع بين الحديثين، ولم يتعذر. بل قد جمعنا بينهما.

والثاني: أنه يشترط فيه معرفة التاريخ، وتأخر الناسخ. وليس ذلك موجودا هنا.

وقال آخرون: حديث "لا عدوى" على ظاهره. وأما النهي عن إيراد الممرض على المصح، فليس للعدوى، بل للتأذي بالرائحة [ ص: 384 ] الكريهة، وقبح صورته، وصورة المجذوم.

والصواب ما سبق.

التالي السابق


الخدمات العلمية