السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
[ ص: 154 ] وجوز طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما : قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة ، وكذلك كثير من أصحاب مالك وقالوا : إنما جوز مالك وغيره قتل القدرية لأجل الفساد في الأرض ، لا لأجل الردة ، وكذلك قد قيل في قتل الساحر فإن أكثر العلماء على أنه يقتل ، وقد روي عن جندب رضي الله عنه موقوفا ومرفوعا : { أن حد الساحر ضربه بالسيف } رواه الترمذي

وعن عمر وعثمان وحفصة وعبد الله بن عمر وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم ، قتله ، فقال بعض العلماء : لأجل الكفر ، وقال بعضهم : لأجل الفساد في الأرض ، لكن جمهور هؤلاء يرون قتله حدا

وكذلك أبو حنيفة يعزر [ ص: 155 ] بالقتل فيما تكرر من الجرائم ، إذا كان جنسه يوجب القتل ، كما يقتل من تكرر منه اللواط ، أو اغتيال النفوس ; لأخذ المال ونحو ذلك

وقد يستدل على أن المفسد ، متى إذا لم ينقطع شره إلا بقتله ، فإنه يقتل بما رواه مسلم في صحيحه عن عرفجة الأشجعي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { : من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ، أو يفرق جماعتكم فاقتلوه } وفي رواية : { ستكون هنات وهنات ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة ، وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان } .

وكذلك قد يقال في أمره يقتل شارب الخمر في الرابعة ، بدليل ما رواه أحمد في المسند { عن ديلم الحميري رضي الله عنه قال : سألت رسول الله [ ص: 156 ] صلى الله عليه وسلم . فقلت : يا رسول الله إنا بأرض نعالج بها عملا شديدا ، وإنا نتخذ شرابا من القمح ، نتقوى به على أعمالنا ، وعلى برد بلادنا . فقال : هل يسكر ؟ قلت نعم . قال : فاجتنبوه . قلت : إن الناس غير تاركيه . قال : فإن لم يتركوه فاقتلوهم } .

وهذا لأن المفسد كالصائل فإذا لم يندفع الصائل إلا بالقتل قتل وجماع ذلك : أن العقوبة نوعان : أحدهما : على ذنب ماض جزاء بما كسب نكالا من الله ، كجلد الشارب والقاذف ، وقطع المحارب والسارق ، والثاني : العقوبة لتأدية حق واجب ، وترك محرم في المستقبل ، كما يستتاب المرتد حتى يسلم ، فإن تاب ، وإلا فقتل ، وكما يعاقب تارك الصلاة والزكاة وحقوق الآدميين حتى يؤدوها ، فالتعزير في هذا الضرب أشد منه في الضرب الأول ; ولهذا يجوز أن يضرب مرة بعد مرة ، حتى يؤدي الصلاة الواجبة ، أو يؤدي الواجب عليه ، والحديث الذي في الصحيحين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله } قد فسره [ ص: 157 ] طائفة من أهل العلم ، بأن المراد بحدود الله ما حرم لحق الله ، فإن الحدود في لفظ الكتاب والسنة ، يراد بها الفصل بين الحلال والحرام ، مثل آخر الحلال وأول الحرام ، فيقال في الأول : { تلك حدود الله فلا تعتدوها } ويقال في الثاني : " تلك حدود الله فلا تقربوها " .

وأما تسمية العقوبة المعزرة حدا ، فهو عرف حادث ، ومراد الحديث : أن من ضرب لحق نفسه ، كضرب الرجل امرأته في النشوز ، لا يزيد على عشر جلدات .

التالي السابق


الخدمات العلمية