إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
الخامس الاحتراز : عن شبهة الشركة قال صلى الله عليه وسلم : من أهدي له هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها وبأن يكون ورقا أو ذهبا لا يخرج عن كونه هدية قال صلى الله عليه وسلم : أفضل ما يهدي الرجل إلى أخيه ورقا أو يطعمه خبزا فجعل الورق هدية بانفراده فما يعطى في الملأ مكروه إلا برضا جميعهم ولا يخلو عن شبهة فإذا انفرد سلم من هذه الشبهة .

أما الإظهار والتحدث به ففيه معان أربعة :

الأول : الإخلاص والصدق والسلامة عن تلبيس الحال والمراءاة .


(وإن كانت الهدية ورقا) أي: فضة (أو ذهبا فلا يخرجها ذلك عن كونها هدية) أراد بهذا السياق الرد على من خص الشركة فيها بما إذا كانت من المأكولات أو المشمومات أو ما لم يكن له نقدا أو مثمنا أو غير ذلك، ثم استدل على إثبات كون النقدين معدودا من الهدايا، فقال: قال (صلى الله عليه وسلم: أفضل ما أهدى الرجل إلى أخيه ورقا يطعمه خبزا) هكذا أورده صاحب القوت، وقوله: ورقا، هكذا بالنصب في سائر الكتاب، ونسخ القوت، ووجدت بخط الحافظ العراقي في نسخة المغني: صوابه ورق، قلت: ووجهه أنه مرفوع على الخبر، وعلى تقديره يبقى المبتدأ بلا خبر، فتأمل .

قال العراقي: رواه ابن عدي وضعفه من حديث ابن عمران: أفضل العمل عند الله أن يقضى عن مسلم دينه، أو يدخل عليه سرورا أو يطعمه خبزا. ولأحمد والترمذي وصححه من حديث البراء: من منح منحة ورق أو منحة لبن أو أهدى زقاقا فهو كعتاق نسمة. اهـ .

قلت: حديث ابن عمر يصلح أن يكون شاهدا للجملة الثانية، وهو ظاهر، وللقائل أن يقول: لم خص الخبز مع أن إطعام اللحم وغيره من الأطعمة يدخل في الفضيلة؟ فالجواب: إنما خصه لعموم تيسير وجوده حتى لا يبقى للمرء عذر في ترك الأفضل عن الإخوان، ويصلح أن يكون أيضا شاهدا للجملة الأولى؛ فإن الديون لا تقضى غالبا إلا بدفع النقود، ثم إن حديث ابن عمر المذكور أخرجه البيهقي وابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج من حديث أبي هريرة: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ فقال: أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن سرورا، أو تقضي عنه دينا، أو تطعمه خبزا. وفي سند البيهقي عمار بن محمد، فيه نظر، والوليد بن شجاع،

قال أبو حاتم: لا يحتج به .

وأما حديث البراء فيصلح أن يكون شاهدا للجملة الأولى خاصة، وقد رواه ابن حبان كذلك، وصححه البغوي تبعا للترمذي، وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح، ومعنى منحة ورق: القرض، هكذا فسره الزمخشري، ومعناه إعطاء الدراهم قرضا فهو كالهدية، والمراد بمنحة اللبن أن يعير أخاه ناقته أو شاته يحلبها مرة ثم يردها، وأما قوله: أو أهدى، كذا وقع في بعض نسخ المغني، وفي بعضها: هدى، بالتخفيف من الهداية، وفي بعضها: هدأ، من التهدئة للمبالغة من الهداية أو في الهدية، والمراد بالزقاق بالضم: الطريق الضيق أي: يرشد ضالا أو أعمى على طريقه، أو المعنى: تصدق بزقاق من النخل، وهو السكة والصف من شجرة، وقيل: الرواية، زقاق بالكسر جمع زق، وهو السقاء. وهكذا رأيته في حاشية المغني، وهي نسخة قرئت على المصنف، ولم يظهر لي معنى إهداء الزقاق إلا أن يكون المراد به زقاقا ملئ من اللبن أو من العسل أو من السمن، فتأمل .

وقال القاضي أبو بكر في شرح الترمذي: ومن أسلف رجلا دراهم فهي أيضا منحة، وفي ذلك ثواب كثير؛ لأن إعطاء المنفعة مدة كإعطاء العين، وجعله كعتق رقبة؛ لأنه أخلصه من أسر الحاجة والضلال كما خلص الرقبة من أهل الرق، وللباري تعالى أن يجعل القليل من العمل كالكثير، فإن الحكم لله العلي الكبير. انتهى .

(فجعل الورق هدية) وإنما كان أفضل؛ لأنه قيم الأشياء (فانفراده بما يعطي في الملأ) جهرا (مكروه) ؛ لأنه يلزمه الاشتراك للحاضرين فيها فيكره [ ص: 179 ] انفراده (إلا برضا جميعهم) أي: أن يهبوا ذلك له، فإن لم يفعلوا فالكراهية باقية، (ولا يخلو عن شبهة) في تلك العطية، (فإذا انفرد) عن الناس في خلوة (سلم عن هذه الشبهة) ، فهذا ما قيل في إخفاء الصدقات (وأما الإظهار والتحدث به ففيه معان أربعة: الأول: الإخلاص والصدق والسلامة عن تلبيس الحال والمراءاة) أي: إن الإظهار أفضل؛ لأنه أدخل في الإخلاص وما بعده .

التالي السابق


الخدمات العلمية