إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
السادس : الاعتدال في النفقة فلا ينبغي أن يقتر عليهن في الإنفاق ولا ينبغي أن يسرف بل يقتصد .

قال تعالى وكلوا : واشربوا ولا تسرفوا وقال تعالى : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خيركم خيركم لأهله .

وقال
صلى الله عليه وسلم : دينار أنفقته في سبيل الله ، ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ، ودينار أنفقته على أهلك ، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك .

وقيل : كان لعلي رضي الله عنه ، أربع نسوة فكان يشتري لكل واحدة في كل أربعة أيام لحما بدرهم وقال الحسن رضي الله عنه : كانوا في الرجال مخاصيب والإناث والثياب مجاديب .

وقال ابن سيرين يستحب للرجل أن يعمل لأهله في كل جمعة فالوذجة وكأن الحلاوة ، وإن لم تكن من المهمات ولكن تركها بالكلية تقتير في العادة وينبغي أن يأمرها بالتصدق ببقايا الطعام وما يفسد لو ترك فهذا أقل درجات الخير وللمرأة أن تفعل ذلك بحكم الحال ، من غير صريح إذن من الزوج ولا ينبغي أن يستأثر عن أهله بمأكول طيب فلا ، يطعمهم منه ، فإن ذلك مما يوغر الصدور ويبعد عن المعاشرة بالمعروف فإن كان مزمعا على ذلك فليأكله بخفية بحيث لا يعرف أهله ولا ينبغي أن يصف عندهم طعاما ليس يريد إطعامهم إياه وإذا أكل فيقعد العيال كلهم على مائدته فقد قال سفيان رضي الله عنه بلغنا أن الله وملائكته يصلون على أهل بيت يأكلون جماعة وأهم ما يجب عليه مراعاته في الإنفاق : أن يطعمها من الحلال ولا يدخل مداخل السوء لأجلها ، فإن ذلك جناية عليها ، لا مراعاة لها ، وقد أوردنا الأخبار الواردة في ذلك عند ذكر آفات النكاح .


(السادسة: الاعتدال في النفقة) عليها، فلا ينبغي (أن يقتر) أي: يضيق (عليها في الإنفاق) بأن يحبس عنها القدر الواجب (ولا ينبغي أن يسرف) بأن يتجاوز الحد (بل يقتصد) بين التقصير والإسراف، وإليه أشار ابن الوردي في لاميته:

بين تبذير وبخل رتبة * وكلا هذين إن زاد قتل

.

(قال) الله (تعالى: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ) ، هذا في النهي عن الإسراف عن الأكل والشرب (وقال تعالى: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) وهذا في الاقتصاد في المعيشة .

(وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: خيركم خيركم لأهله) . قال العراقي: رواه الترمذي، من حديث عائشة، وصححه بزيادة: وأنا خيركم لأهلي، وقد تقدم. قلت: وكذلك رواه ابن حبان، وابن جرير، والبيهقي، بزيادة، ورواه ابن ماجه، وابن سعد، من حديث ابن عباس، وزاد ابن أبي سعد أيضا، من حديث عبد الله بن شداد، والخطيب عن أبي هريرة، والطبراني عن معاوية، ورواه بزيادة: وما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم. ورواه ابن عساكر، من حديث علي، وفيه إبراهيم الأسلمي، وهو ضعيف .

(وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة) أي: في فكها (ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي تنفقه على أهلك) . قال العراقي: رواه مسلم، من حديث أبي هريرة، اهـ. قلت: ورواه الدارقطني في الأفراد، بلفظ: دينار أنفقته على نفسك، دينار أنفقته على والديك، دينار أنفقته على ابن لك، ودينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته على أهلك وهو أحسنها أجرا.

(وقيل: كان لعلي رضي الله عنه، أربع نسوة) بالنكاح، وأما السراري فسبع عشرة، وهؤلاء مات عنهن (فكان يشتري لكل واحدة) منهن (في كل أربعة أيام لحما بدرهم) . نقله صاحب القوت، ولم يكن يداوم لهن شراء اللحم; لأن الإدمان عليه يورث القساوة، ففي كل أربعة مرة من باب حسن الإنفاق .

(وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: كانوا) أي: السلف (في الرحال) أي: في أمر المنازل (مخاصيب) جمع مخصب، وقد أخصب الرجل: صار ذا خصب، أي كانوا يسعون على أهلهم (وفي الأثاث والثياب مجاديب) جمع مجدب، وقد أجدب الرجل إذا قل ماله، نقله صاحب القوت، أي: ما كانوا يعتنون بالتوسعة في أثاث البيت، من فرش ووسائد وغيرها، وفي ثياب اللبس، وما يجري مجراها، كما يتوسعون في الإنفاق على الأهل (وقال) محمد (بن سيرين) رحمه الله تعالى، وهو من أقران الحسن: (أستحب للرجل أن يعمل لأهله في كل جمعة فالوذجة) نقله صاحب القوت، وهو يعمل بالدقيق، أو النشا، والسمن، والسكر، أو العسل، أوزان متساوية، ثم يطيب بالأفاوية، وهو حار ثقيل على المعدة، كثير الغذاء، بطيء النزول، وأجوده المتخذ بالسكر وتين اللوز، وقد قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه، لأبي يوسف يوما، وقد شكا إليه شيئا من أمور الدنيا: كيف بك إذا أكلت الفالوذج في صحن الفيروزج؟! وقد وقع له ذلك، كما أشار إليه، في مجلس هارون الرشيد، كما هو مذكور في المناقب (وكذا الحلاوة، وإن لم تكن من المهمات) الضرورية في الإنفاق (ولكن تركها بالكلية تقتير في العادة) وهذا أيضا يختلف باختلاف البلدان، ولا يفهم منه الاقتصار على الفالوذج، بل كل حلاوة اتفقت فإنها تقوم مقامه، فإن المقصود التوسع

(وينبغي أن يأمرها بالتصدق ببقايا الطعام) إن لم يكن في البيت أطفال صغار، فإن نفوسهم تتطلع كل ساعة إلى ما يتعللون به من الطعام، بشرط أن لا يفسد [ ص: 365 ] ذلك الطعام إن ترك، خصوصا في ليالي الصيف، وأما (ما يفسد لو ترك) فيتعين إخراجه للمساكين، والجيران، وفقراء الحارة (فهذا أقل الخير) وليس فيه كلفة (وللمرأة أن تفعل ذلك بحكم الحال، من غير صريح إذن من الزوج) فإن فعلت ومنعها الزوج فالإثم عليها لا عليه، ففي الخبر: لا يحل لها أن تطعم من بيته إلا بإذنه، إلا الرطب الذي يخاف فساده، فإن أنفقت من إذنه ورضاه، كان لها مثل أجره، وإن أطعمت من غير إذنه كان له الأجر، وعليها الوزر .

(ولا ينبغي للرجل أن يستأثر عن أهله) أي: يستقل عن أهله (بمأكول طيب، ولا يطعمهم منه، فإن ذلك مما يوغر الصدر) أي: يورث في الصدر حقدا أو حزازة (ويبعد عن المعاشرة بالمعروف) ويوجب نوعا من التنافر والتناكر في القلوب (فإن كان فاعلا ذلك) ولا بد (فليأكله في خفية) وستر (بحيث لا يعرفه أهله) ولا يأخذوا خبره، فهذا أسلم لحاله ولحالها .

(ولا ينبغي) له (أن يصف عندهم طعاما ليس يريد إطعامهم إياه) ; لتعلق نفوسهم به، وكذا الحال في الملبوس والفاكهة، وغير ذلك، وقد نقل هذا عن سفيان الثوري، كما تقدم في كتاب آداب الأكل .

(وإذا أكل فليقعد العيال) والمراد بهم أهل بيته، صغارا وكبارا (على مائدته) وهذا يعم حتى في الرقيق، ولكن إذا كان أكل الخادم مما يسقط حشمته عندهم، فليجمع أولاده وزوجته ومن له من القرابة فيأكل معهم على مائدة واحدة، ثم يرفع الطعام، ويجمع عليه من بقي من الخدم، وهذا في هذه الأزمنة أحسن (فقد قال سفيان) الثوري رحمه الله تعالى: (بلغنا أن الله تعالى وملائكته يصلون على أهل بيت يأكلون في جماعة) . نقله صاحب القوت، فإن الاجتماع على الطعام مما يورث البركة، وتلك البركة حاصلة من حضور الملائكة، واستغفارهم للآكلين، فقد ورد: يد الله مع الجماعة.

(وأهم ما يجب عليه مراعاته في الإنفاق: أن يطعمهم من الحلال) إن أمكنه ذلك (ولا يدخل مداخل السوء) والتهم (لأجلهم، فإن ذلك جناية عليهم، لا مراعاة لهم، وقد أوردنا الأخبار في ذلك عند ذكر آفات النكاح) قريبا .

التالي السابق


الخدمات العلمية