إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
الثالث : في استيفاء الثمن وسائر الديون والإحسان فيه ، مرة بالمسامحة وحط البعض ومرة بالإمهال والتأخير ومرة بالمساهلة في طلب جودة النقد ، وكل ذلك مندوب إليه ومحثوث عليه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : رحم الله امرءا سهل البيع سهل الشراء سهل الاقتضاء فليغتنم دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم .

وقال صلى الله عليه وسلم : اسمح يسمح لك .

وقال صلى الله عليه وسلم : من أنظر معسرا أو ترك له حاسبه الله حسابا يسيرا وفي لفظ آخر : أظله الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله .

وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا كان مسرفا على نفسه حوسب فلم يوجد له حسنة ، فقيل له هل عملت خيرا قط ؟ فقال : لا ، إلا أني كنت رجلا أداين الناس فأقول لفتياني سامحوا الموسر وانظروا المعسر .

وفي لفظ آخر وتجاوزوا عن المعسر فقال الله تعالى : نحن أحق بذلك منه ، فتجاوز الله عنه ، وغفر له وقال صلى الله عليه وسلم : من أقرض دينارا إلى أجل فله بكل يوم صدقة إلى أجله ، فإذا حل الأجل فأنظره بعده فله بكل يوم مثل ذلك الدين صدقة .

وقد كان من السلف من لا يحب أن يقضي غريمه الدين ; لأجل هذا الخبر ، حتى يكون كالمتصدق بجميعه في كل يوم .

وقال صلى الله عليه وسلم : رأيت على باب الجنة مكتوبا الصدقة بعشر أمثالها ، والقرض بثمان عشرة .

فقيل في معناه : إن الصدقة تقع في يد المحتاج وغير المحتاج ، ولا يحتمل ذل الاستقراض إلا محتاج .

ونظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل يلازم رجلا بدين ، فأومأ إلى صاحب الدين بيده : أن ضع الشطر ، ففعل فقال للمديون : قم فأعطه .

وكل من باع شيئا وترك ثمنه في الحال ، ولم يرهق إلى طلبه ، فهو في معنى المقرض .

وروي أن الحسن البصري باع بغلة له بأربعمائة درهم ، فلما استوجب المال قال له المشتري: اسمح : يا أبا سعيد .

قال : قد أسقطت عنك مائة قال له: فأحسن يا أبا سعيد، فقال: قد وهبت لك مائة أخرى فقبض من حقه مائتي درهم .

فقيل له يا أبا سعيد هذا ، نصف الثمن ، فقال : هكذا يكون الإحسان وإلا فلا .

وفي الخبر : خذ حقك في كفاف وعفاف واف أو غير واف يحاسبك الله حسابا يسيرا .


(الثالث: في استيفاء الثمن) أي: تحصيله تماما (وسائر الديون) المتعلقة بذمم الناس (والإحسان فيه، مرة بالمسامحة فقط) بأن لا يطالبه أبدا (ومرة بالإمهال والتأخير) إلى وقت آخر (ومرة بالمساهلة في طلب جودة النقد، وكل ذلك) أي: من الأمور الثلاثة في الاستيفاء (مندوب إليه) ومرغوب فيه (ومحثوث عليه، قال صلى الله عليه وسلم: رحم الله) امرأ (سهل البيع) أي: إذا باع (سهل الشراء) أي: إذا اشترى (سهل القضاء) أي: إذا أدى ما عليه بسهولة (سهل الاقتضاء) أي: إذا طلب، طلب بسهولة، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في الباب الذي قبله (فليغتنم دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم) وهو قوله: رحم الله. فإنه بمعنى قوله: اللهم ارحمه، ودعاؤه صلى الله عليه وسلم لا شك في قبوله، واستجابته.

(وقال صلى الله عليه وسلم: اسمح) أمر من السماح، وهو: بذل ما لا يجب تفضلا (يسمح لك) بالبناء للمفعول، والفاعل الله، والمعنى: عامل الخلق، الذين هم عيال الله، وعبيده، بالمسامحة، والمساهلة، يعاملك سيدهم بمثله، والمراد به: الإحسان المأمور به في المعاملات، وهو حث على المساهلة في المعاملة، وحسن الانقياد، وهو من سخاوة الطبع، وحقارة الدنيا في القلب، فمن لم يجده من طبعه فليتخلق به، فعسى أن يسمح له الحق في معاملته، إذا وقف بين يديه لمحاسبته، وقيل: اسمح في الدنيا بالإنعام، يسمح لك في العقبى، بعدم المناقشة في الحساب، ولا يخفى كمال السماح على ذي لب، فجمع بهذا اللفظ الموجز، المضبوط [ ص: 499 ] بضابط العقل، الذي أقامه حجة على الخلق، ما لا يكاد يحصى من المصالح، والمطالب العالية .

قال العراقي: رواه الطبراني من حديث ابن عباس، رجاله ثقات، اهـ. وقال الحافظ السخاوي في المقاصد: رواه أحمد، والطبراني في الصغير، والعسكري، كلهم من جهة الوليد بن مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، رفعه بهذا، ورجاله ثقات. ورواه تمام في فوائده من حديث حفص بن غياث، عن ابن جريج، في حديث طويل، بل رواه من حديث ابن عياش، عن ابن جريج، وقال: إنه خطأ من راويه، والصواب: الوليد، لا ابن عياش، وقد أفرد الحافظ أبو محمد بن الأكفاني طرقه، وحسنه العراقي، ولم يصب من حكم عليه بالوضع، اهـ .

قلت: قال أبو بكر الخطيب: حدثنا عبد العزيز بن علي الأزجر، حدثنا أبو المفضل محمد بن عبيد الله، قال: سمعت حفص بن عمر الحافظ، بأردبيل، وذكرت له هذا الحديث، فقال: سمعت أبا حاتم الرازي، يقول: لم يرو هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ابن عباس، ولا عنه إلا عطاء، ولا عنه إلا ابن جريج، ولا عنه أحد علمته إلا الوليد بن مسلم، وهو من ثقات المسلمين، وأفاضلهم .

ورواه الخطيب أيضا، من غير هذا الوجه، فقال: وأخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن أحمد القزويني، أخبرنا علي بن إبراهيم بن سلمة القطان، حدثنا أبو حاتم الرازي، فساقه .

قلت: وقد حمل الناس هذا الحديث عن الوليد بن مسلم، وهم كثيرون، منهم هشام بن عمار، ومحمود بن خالد السلمي، والحسن بن عبد الله بن الحكم، وسليمان بن عبد الله بن بنت شرحبيل، وعمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، وحيوة بن شريح الحمصي، ويسمى أبا طالب الإكاف، ورواه عن هشام بن عمار، خلق كثير، منهم أبو العباس أحمد بن عامر بن المعمر الأزدي، وسعد بن محمد البيروتي، وأبو محمد عبد الرحمن بن السامدي، والباغندي، وجعفر بن أحمد بن عاصم بن الرواس، وأبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن، عرف بابن دحيم.

وقد رواه الطبراني من طريق عمر بن عثمان، فقال: حدثنا يحيى بن علي بن هاشم الكناني، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا الوليد بن مسلم، فساقه .

ورواه ابن الأكفاني في جزئه، عن أبي طالب الزنجاني، عن علي بن محمد السلمي، عن عبد الوهاب بن الحسن، عن ابن جوصا، عن عمرو بن عثمان.

وقد رواه الخطيب من طريق الطبراني، وابن جوصا، وقال تمام في فوائده: حدثنا أبي، حدثنا أبو محمد السمناني بالري، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، فساقه .

ورواه أيضا عن الحسن بن علي الجلي، عن محمد بن أحمد الرافقي، عن محمد بن أبي يعقوب، عن يوسف بن موسى.

ورواه تمام الرازي أيضا، عن أبي الحسن بن حذلم، عن البيروتي، عن الوليد بن مسلم، ورواه أيضا عن أبي زرعة البصري، عن جعفر بن أحمد، عن محمود بن خالد، عن الوليد بن مسلم، ورواه أيضا عن محمد بن إبراهيم بن مروان، عن أبي أيوب سليمان بن أيوب بن حذيم، عن ابن بنت شرحبيل، عن الوليد بن مسلم.

ورواه ابن عساكر في تاريخه، فقال: أخبرنا أبو القاسم نصر بن أحمد بن مقاتل بن مطكود، أخبرنا جدي، أخبرنا أبو علي الأهوارني، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله البزاز، أخبرنا القاضي أبو الحسن بن حذلم، أخبرني البيروتي، عن الوليد بن مسلم، فساقه .

ورواه الإمام أحمد، عن شيخه مهدي بن جعفر الرملي، وقد وثقه ابن معين، عن الوليد بن مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس.

ورواه عبد الرزاق في مصنفه، عن عطاء مرسلا، بلفظ: اسمحوا يسمح لكم. قال ابن الأكفاني: أخبرناه أبو طالب الزنجاني، أخبرنا أبو الفرج الغزال، أخبرنا أبو يعقوب بانتقاء الدارقطني، حدثنا جدي الحسن بن سفيان، حدثنا أبو خالد يزيد بن صالح، حدثنا خارجة، عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اسمحوا يسمح لكم.

وخارجة هذا هو ابن مصعب الخراساني السرخي الضبعي، يكنى أبا الحجاج، وقد روى هذا الحديث مرفوعا، من طريق أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، رواه ابن الأكفاني في جزئه، بسنده إلى ابن عياش، قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو بن دينار السلمي، عن أبي الطفيل، عن أبي بكر، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اسمح يسمح لك.

وقد ألفت في تخريج هذا الحديث جزأ جمعت فيه سائر طرقه، مما أوردها ابن الأكفاني [ ص: 500 ] مع زيادة عليه، حاصله ما ذكرته هنا، وهو أول جزء خرجته فيما علمت، في شهور سنة 1172 ، من طريق شيخنا المرحوم محمد بن سالم الحفني، لغرض عرض، والله تعالى يسامح عنا أجمعين، آمين .

(وقال صلى الله عليه وسلم: من أنظر معسرا) أي: أمهل مديونا فقيرا، من النظرة، وهي التأخير (أو ترك له) أي: أبرأه مما عليه (حاسبه الله) حين وقوفه بين يديه (حسابا يسيرا) أي: سهلا، هكذا هو في سياق القوت، قال: (وفي لفظ آخر: أظله الله) أي: وقاه من حر يوم القيامة، على سبيل الكناية، وأظله (في ظل عرشه) حقيقة، وأدخله الجنة (يوم لا ظل إلا ظله) أي: ظل الله، أو ظل عرشه، والمراد به: ظل الجنة، وإضافته لله إضافة ملك، وجزم جمع بالأول، فقالوا: المراد: الكرامة، والحماية من مكاره الموقف، وإنما استحق المنظر ذلك; لأنه آثر المديون على نفسه، أراحه فأراحه الله تعالى، والجزاء من جنس العمل.

قال ابن العزل: هذا إذا أنظره من قبل نفسه، لا من حاكم، فإن رفعه إليه حتى أثبت، لم يكن له ثواب. ولفظ القوت: أظله الله يوم لا ظل إلا ظله. وقد ذكر المصنف روايتين في الحديث، تبعا لصاحب القوت .

قال العراقي: رواه مسلم باللفظ الثاني، من حديث أبي اليسر كعب بن عمرو، اهـ .

قلت: رواه مسلم في حديث طويل، وكذا الإمام أحمد، وابن ماجه في الأحكام، وابن حبان في الصحيح، وأبو نعيم في المستخرج، بلفظ: من أنظر معسرا أو وضع عنه. وعند أبي نعيم، وابن حبان: أو وضع عنه، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

ورواه كذلك ابن منده، عن سمرة بن ربيعة العدواني.

ورواه الطبراني في الكبير، عن أبي الدرداء، ورواه أحمد عن ابن عباس، بلفظ: من أنظر معسرا أو وضع وقاه الله من فيح جهنم، الحديث. ورواه أحمد، والترمذي، وقال: حسن صحيح غريب، عن أبي هريرة، بلفظ: من أنظر معسرا أو وضع له أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

ورواه الطبراني في الكبير، عن كعب بن عجرة، بلفظ: من أنظر معسرا أو وضع له أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

ورواه ابن النجار في تاريخه، عن أبي اليسر: من أنظر معسرا أو ودع له كان في ظل الله، أو في كنف الله يوم القيامة.

(وذكر صلى الله عليه وسلم رجلا كان مسرفا على نفسه) فحوسب (فلم توجد له حسنة، فقيل له) أي: قال له بعض الملائكة الموكلين بحساب أعمال العباد: (هل عملت خيرا قط؟ فقال: لا، إلا أني كنت رجلا أداين الناس) أي: أعاملهم بالدين، أي: أجعلهم مديونين (فأقول لفتياني) أي: غلماني: (سامحوا الموسر) أي: الغني الواجد، أي: سهلوا عليه في الطلب (وأنظروا) أي: أمهلوا (المعسر) أي: الفقير المحتاج (وفي لفظ) من هذا الحديث: (وتجاوزوا عن المعسر) أي: لا تطالبوه، أو تجاوزوا عنه، نحو إنظار، وحسن تقاض، وقبول ما فيه نقص (فقال الله تعالى: نحن أحق بذلك منك، فتجاوز عنه، وغفر له) . هكذا هو في القوت .

قال العراقي: رواه مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري، وهو متفق عليه بنحوه، من حديث أبي حذيفة، اهـ .

قلت: ولأحمد، والشيخين، والنسائي، وابن حبان، من حديث أبي هريرة، بلفظ: كان رجل يداين الناس، فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، فلقي الله فتجاوز عنه. وفي لفظ: كان رجل تاجر. وفي آخر: كان رجل لم يعمل خيرا قط، وكان يداين الناس.

(وقال صلى الله عليه وسلم: من أقرض دينارا إلى أجل) أي: أنظره وأمهله (فله بكل يوم صدقة إلى) وقت حلول (أجله، فإذا وصل الأجل فأنظره بعده فله بكل يوم مثل ذلك الدين صدقة) . هكذا هو في القوت .

قال العراقي: رواه ابن ماجه، من حديث بريدة: من أنظر معسرا كان له مثله كل يوم صدقة، ومن أنظره بعد أجله كان له مثله في كل يوم صدقة. وسنده ضعيف، ورواه أحمد، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، اهـ .

قلت: وفي بعض ألفاظه: فله بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثلان صدقة. قال الدميري: انفرد به ابن ماجه، بسند ضعيف، وقال الذهبي في المهذب: إسناده صالح، وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح، وقد رواه كذلك أبو يعلى، والطبراني في الكبير، والبيهقي، والعقيلي، كلهم من طريق سليمان بن بريدة، عن أبيه .

(وقد كان في السلف من لا يحب أن يقضي غريمه الدين; لأجل هذا الخبر، حتى يكون كالمتصدق بجميعه كل يوم) .

اعلم أن الله تعالى قد أمر بالصبر على [ ص: 501 ] المعسر، الذي لا يجد وفاء لدينه، فقال: وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة فمتى علم رب الدين عسر المدين المعسر، حرم مطالبته، وإن لم يثبت عسره عند القاضي، وإبراؤه أفضل من إنظاره على الأصح; لأن الإبراء يحصل مقصود الإنظار وزيادة، ولا مانع من أن المندوب يفضل الواجب أحيانا; نظرا للمدارك، قاله المناوي .

قلت: وظاهر الحديث الذي أورده المصنف يخالفه، فإن مفهومه: أن إنظاره أفضل من إبرائه، فإن أجره وإن كان أوفر، لكنه ينتهي بنهايته، وهو ظاهر ملحظ من ذهب إلى ما ذهب إليه بعض السلف، وقال السبكي: وزع أجره على الأيام، يكثر بكثرتها، ويقل بقلتها، وسوء ما يقاسيه المنظر من ألم الصبر مع تشوف القلب لماله; فلذلك كان ينال كل يوم عوضا جديدا، اهـ .

وقد وردت في أفضال الإنظار أخبار غير ما ذكرت، فمنها: ما رواه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج، والطبراني في الكبير، من حديث ابن عباس: من أنظر معسرا إلى ميسرته أنظره الله بذنبه إلى توبته.

وروى الخطيب من حديث زيد بن أرقم: من أنظر معسرا بعد حلول أجله كان له بكل يوم صدقة.

(وقال صلى الله عليه وسلم: رأيت) أي: ليلة أسري بي (على باب الجنة) الظاهر أن المراد به: الباب الأعظم المحيط، ويحتمل على كل باب من أبوابها (مكتوبا) في رواية: بذهب (الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر) . وفي رواية: بثمانية عشرة. وهو لفظ القوت (فقيل في معنى ذلك: إن) ولفظ القوت: قيل في معناه: لأن (الصدقة قد تقع في يد المحتاج وغير المحتاج، ولا يحتمل ذل الاستقراض إلا محتاج) ولفظ القوت: والقرض لا يقع إلا في يد محتاج، مضطر إليه، وهذا الذي وجهه صاحب القوت، بقوله: قيل: معناه إلخ. وتبعه المصنف، قد ورد التصريح بمعناه في لفظ الحديث، كما سيأتي بيانه قريبا .

قال العراقي: رواه ابن ماجه من حديث أنس بإسناد ضعيف، اهـ. وقال الحافظ ابن حجر: قد تكلم عليه الحكيم الترمذي كلاما حسنا، اهـ .

قلت: رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في السنن، كلهم من حديث أنس، بلفظ: رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا: القرض بثمانية عشر، والصدقة بعشر، فقلت: يا جبريل، ما بال القرض أفضل من الصدقه؟ قال: لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة. ورواه أبو دواد الطيالسي، والحكيم أيضا، من حديث أبي أمامة، بلفظ: رأيت على باب الجنة مكتوبا: القرض بثمانية عشر، والصدقة بعشر، فقلت: يا جبريل، ما بال القرض أعظم أجرا؟ قال: لأن صاحب القرض لا يأتيك إلا وهو محتاج، وربما وقعت الصدقة في يد غني. فقال الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عقيب إيراده لهذين الحديثين ما نصه: معناه: أن المتصدق حسب له الدرهم الواحد بعشرة، فدرهم صدقته، وتسعة زيادة، والقرض ضوعف له فيه، فدرهم قرضه والتسعة مضاعفة، فهو ثمانية عشر، والدرهم القرض لم يحسب له; لأنه يرجع إليه، فبقي التضعيف فقط، وهو ثمانية عشر، والصدقة لم يرجع إليه الدرهم، فصارت له عشرة بما أعطاه. اهـ .

وهذا هو الذي أشار إليه الحافظ بأنه تكلم عليه بكلام حسن، ثم إن قول العراقي: سند ضعيف، أي في سند ابن ماجه، خالد بن يزيد، قال فيه أحمد: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بثقة، ولكن قال الذهبي في الديوان بعد ذكره هذا القول: ووثقه غيره، وقال ابن الجوزي: هو حديث يصح، أي نظر إلى حال خالد المذكور، وقد عرفت اختلاف القول فيه .

(ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل يلازم رجلا بدين، فأومأ) أي أشار (إلى صاحب الدين بيده: أن ضع الشطر، ففعل) كما أشار به (فقال للمديون: قم فأعطه) . كذا في القوت .

قال العراقي: متفق عليه من حديث كعب بن مالك.

قلت: هما عبد الله بن حدرد، وكان له دين على كعب بن مالك، فتقاضيا في المسجد، حتى ارتفعت أصواتهما، هكذا ذكره شراح البخاري في تفسير قوله: خرجت أخبركم بليلة القدر فتلاحى رجلان، فاختلجت. ورواه عن عبادة بن الصامت.

(وكل من باع شيئا وترك ثمنه في الحال، ولم يرهق) أي: لم يعجل (إلى طلبه، فهو في معنى المقرض) ولو لم يكن أقرضه حقيقة .

(وقد روي أن الحسن) ابن سعيد البصري، رحمه الله (باع بغلة بأربعمائة درهم، فلما استوجب المال) أي: تم البيع، ولم يبق إلا نقد الدراهم (قال له المشتري: أتسمح يا أبا سعيد) . ولفظ القوت: اسمح (قال: [ ص: 502 ] قد أسقط عنك مائة درهم، فقال) له: أحسن يا أبا سعيد، قال: قد وهبتك مائة أخرى، فقبض من حقه مائتي درهم، فقيل له: يا أبا سعيد، هذا (نصف الثمن، فقال: هكذا يكون الإحسان) أي: في المعاملات (وإلا فلا) نقله صاحب القوت .

(وفي الخبر: خذ حقك في عفاف) أي: عف في أخذه عن الحرام بسوء المطالبة، والقول السيئ (واف) كان (أو غير واف) أي: سواء وفاك حقك، أو أعطاك بعضه، لا تفحش عليه في القول، (يحاسبك الله حسابا يسيرا) هكذا هو في القوت .

قال العراقي: ورواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة، بإسناد حسن، دون قوله: يحاسبك الله حسابا يسيرا، اهـ .

قلت: وكذلك رواه الحاكم، وصححه، وكذا رواه العسكري في الأمثال، ورواه العسكري أيضا من حديث الحسن، عن أنس، ورواه الطبراني في الكبير، من حديث جرير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب الحق: خذ... إلخ، قال الهيتمي: وفيه داود بن عبد الجبار، وهو متروك، ورواه الطبراني أيضا، وعبد الرزاق في مصنفه، عن أبي قلابة مرسلا، وقال في الفردوس: هذا قاله لرجل مر به وهو يتقاضى رجلا وقد ألح عليه .

التالي السابق


الخدمات العلمية