الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وبالجملة : التجارة محك الرجال ، وبها يمتحن دين الرجل ، وورعه ولذلك قيل .

لا يغرنك من المرء قميص رقعه أو إزار فوق كعب الساق منه رفعه أو جبين لاح فيه* فيه أثر قد قلعه ولدى

الدرهم فانظر غيه أو ورعه

ولذلك قيل إذا أثنى على الرجل جيرانه في الحضر وأصحابه في السفر ، ومعاملوه في الأسواق فلا تشكوا في صلاحه .

وشهد عند عمر رضي الله عنه شاهد فقال : ائتني بمن يعرفك ، فأتاه برجل فأثنى عليه خيرا ، فقال عمر : أنت جاره الأدنى الذي يعرف مدخله ومخرجه قال: لا فقال كنت : رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق فقال: لا، قال: فعاملته ؟ : بالدينار والدرهم الذي يستبين به ورع الرجل ؟ قال : لا ، قال : أظنك رأيته قائما في المسجد يهمهم بالقرآن يخفض رأسه طورا ويرفعه أخرى قال : نعم فقال : اذهب ، فلست تعرفه .

وقال ، للرجل : اذهب فائتني بمن يعرفك .

التالي السابق


(وبالجملة: التجارة محك الرجال، وبها يمتحن دين الرجل، وورعه) وزهده في الدنيا، وإيثاره الآخرة; (ولذلك قيل) فيما مضى في مناسبة هذا المقام: (لا يغرنك) أي: لا يوقعك في الغرور (من المرء) ظاهر أحواله، وملابسه من ذلك، [ ص: 505 ] (رداء رقعه) أي: لبس المرقعة; وإنما سميت لكونها مجموعة من رقع تلقط من المزابل والأسواق، فتغسل، وتنشف، ويخيط بعضها ببعض، وقد كان فيما سبق هي من لباس الزهاد، والصوفية .

(أو إزار فوق كعب الساق منه رفعه) يشير إلى تقصير الثياب، وأنه السنة، وكان يفعله الصوفية، وهو سيماهم به، كانوا يمتازون عن غيرهم (أو جبين) أي: جبهة (لاح فيه*) أي: ظهر (أثر قد قلعه) يشير إلى أنه صارت جبهته من كثرة السجود كركبة العنز، وهو علامة من يكثر الصلاة، وأنه من خيار الصالحين، وقد يكون هذا الأثر من أصل الخلقة، وقد يكون مصطنعا بمعالجة (

أره الدرهم تعرف * غيه أو ورعه )

فإن الدرهم والدينار من محاك الرجال، إن مال إليه عرف غيه، أو امتنع عنه عرف ورعه .

(ولذلك قيل) ولفظ القوت: ويقال: (إذا أثنى على الرجل جيرانه في الحضر) وهم الصالحون للتزكية، ولو اثنان منهم، فلا أثر لقول كافر، وفاسق، ومبتدع (وأصحابه في السفر، ومعاملوه في الأسواق) ويشترط في الكل صلاحيتهم للتزكية، 7 (فلا يشك في صلاحه) ولفظ القوت: فلا تشكوا في صلاحه، أي: إذا ذكرك صلحاء جيرانك، وأصحابك، ومعامليك بخير، وصلاح، وحسن معاملة، فلا شك أنت من أهله، فإن إطلاق ألسنة الخلق التي هي القلم الحق، بشيء في العاجل، عنوان على ما يسير إليه في الأجل، والثناء بالخير دليل على محبة الله تعالى لعبده، وقد روي ذلك بمعناه، من حديث ابن مسعود: إذا أثنى عليك جيرانك أنك محسن فأنت محسن، وإذا أثنى عليك جيرانك أنك مسيء فأنت مسيء. أخرجه ابن عساكر في التاريخ، قال: قال رجل: يا رسول الله متى أكون محسنا؟ ومتى أكون مسيئا؟ فذكره، ورواه أحمد، وابن ماجه، والطبراني عن ابن مسعود، بلفظ: إذا سمعت جيرانك يقولون: قد أحسنت، فقد أحسنت، وإذا سمعتهم يقولون: قد أسأت، فقد أسأت. ورواه ابن ماجه أيضا، من حديث كلثوم الخزاعي.

وروى الحاكم في المستدرك بنحوه، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: دلني على عمل إذا أنا عملت به دخلت الجنة؟ قال: كن محسنا، قال: كيف أعلم أني محسن؟ قال: سل جيرانك، فإن قالوا: إنك محسن، فأنت محسن، وإن قالوا: إنك مسيء، فأنت مسيء. قال الحاكم: على شرطهما .

(وشهد عند عمر) بن الخطاب رضى الله عنه (شاهد) أي: رجل بشهادة (فقال: ائتني بمن يعرفك، فأتاه برجل فأثنى عليه خيرا، فقال له: أنت جاره الأدنى) ؟ أي: الملاصق بيتك بيته (الذي تعرف مدخله) إذا دخل (ومخرجه) إذا خرج (فقال: لا، قال: فكنت رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: عاملته بالدينار والدرهم الذي يستبين به ورع الرجل؟ قال: لا، قال: أظنك رأيته في المسجد) قائما (يهمهم بالقرآن) أي: يتلوه بصوت منخفض (يخفض رأسه طورا ويرفعه) طورا (فقال: نعم، قال: اذهب، فلست تعرفه، أو قال) مرة: أنت القائل بما لا تعلم، ثم قال (للرجل: اذهب فائتني بمن يعرفك) . هكذا أورده صاحب القوت، وقد أخرجه الإسماعيلي والذهبي مختصرا، في مناقب عمر رضى الله عنه، وتقدم شيء من ذلك في الكتاب الذي قبله .




الخدمات العلمية