إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وقال صلى الله عليه وسلم : « من جر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة » .

وقال زيد بن أسلم دخلت على ابن عمر فمر به عبد الله ابن واقد وعليه ثوب جديد فسمعته يقول : أي بني ، ارفع إزارك ؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لا ينظر الله إلى من جر إزاره خيلاء » .


(وقال صلى الله عليه وسلم: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة") أغفله العراقي، وقد رواه أحمد والشيخان والأربعة من حديث ابن عمر، ورواه ابن ماجه أيضا من حديث أبي سعيد، ورواه أيضا من حديث أبي هريرة.

ورواه الطيالسي ومسلم أيضا بلفظ: "من جر إزاره لا يريد بذلك إلا الخيلاء فإن الله لا ينظر إليه" ويروى: "من جر ثيابه من الخيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، وبينما رجل يمشي بين بردين مختالا خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة" هكذا رواه أحمد وأبو يعلى والضياء، من حديث أبي سعيد.

ويروى: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه في حلال ولا في حرام" هكذا رواه الطبراني من حديث ابن مسعود.

(وقال زيد بن أسلم) أبو عبد الله العدوي مولى عمر بن الخطاب، مدني، ثقة، عالم، مات سنة ست وثلاثين، روى له الجماعة (دخلت على ابن عمر) يعني به عبد الله (فمر به عبد الله بن واقد) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فهو حفيده ابن ابنه، مدني، مقبول، مات سنة تسع عشرة، روى له مسلم وأبو داود وابن ماجه (وعليه ثوب جديد فسمعته يقول: أي بني، ارفع إزارك؛ فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لا ينظر الله إلى من جر إزاره خيلاء") قال العراقي: رواه مسلم مقتصرا على المرفوع دون ذكر مرور عبد الله بن واقد على ابن عمر.

وفي رواية لمسلم أن المار رجل من بني ليث، غير مسمى. انتهى .

قلت: رواه الشيخان والترمذي من طريق مالك، عن نافع، وعبد الله بن دينار، وزيد بن أسلم، كلهم يخبرون عن عبد الله بن عمر بهذا اللفظ .

ورواه مسلم والنسائي وعلقه البخاري من طريق الليث بن سعد، ورواه مسلم والترمذي والنسائي من طريق أيوب السختياني، وزاد الترمذي والنسائي [ ص: 347 ] في روايتهما: "فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن، فقال: يرخين شبرا، فقالت: إذا تنكشف أقدامهن، قال: فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه" وقال الترمذي: حسن صحيح .

ورواه مسلم والنسائي وابن ماجه من رواية أسامة بن زيد الليثي، وعمرو بن محمد العمري، خمستهم عن نافع، وزاد فيه: "يوم القيامة".

وفي رواية البخاري وأبي داود والنسائي: "فقال أبو بكر: إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إنك لست تصنع ذلك خيلاء" واتفق عليه الشيخان والنسائي من رواية محارب بن دثار، ومسلم والنسائي من رواية جبلة بن سحيم، ومسلم بن يساف، ومسلم أيضا من رواية زيد بن محمد العمري، وعلقه البخاري من رواية زيد عبد الله وجبلة بن سحيم أيضا، وابن ماجه من رواية عطية العوفي، كلهم عن ابن عمر.

وفي الحديث فوائد:

*الأولى: الخيلاء بضم الخاء، وحكي كسرها في المحكم وغيره، والياء مفتوحة، ممدود، قال النووي: قال العلماء: الخيلاء والمخيلة والبطر والزهو والتبختر كلها بمعنى واحد، وهو حرام، ويقال: خال الرجل خالا واختال اختيالا إذا تكبر، وهو رجل خال، أي: متكبر، وصاحب خال، أي: صاحب كبر. انتهى .

وقال العراقي في شرح الترمذي: وكأنه مأخوذ من التخيل إلى الظن، وهو أن يتخيل له أنه بصفة عظيمة بلباسه لذلك اللباس، أو لغير ذلك .

*الثانية: يدخل في قوله "برديه" الإزار والرداء والقميص والسراويل والجبة والقباء، وغير ذلك مما يسمى ثوبا .

في صحيح البخاري عن شعبة، قلت لمحارب: "أذكر إزارا؟ قال: ما خص إزارا ولا قميصا" وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه بإسناد حسن، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جر شيئا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة".

وأما الرواية التي فيها ذكر الإزار، وهي في الصحيح، فخرجت على الغالب من لباس العرب، وهو الأرز .

وحكى النووي في شرح مسلم، عن محمد بن جرير الطبري وغيره: إن ذكر الإزار وحده؛ لأنه كان عامة لباسهم، وحكم القميص وغيره حكمه، ثم اعترض ذلك بأنه جاء مبينا منصوصا، فذكر رواية مسلم، عن أبيه، المتقدمة .

فإن قلت: المراد بإسبال العمامة هل هو جرها على الأرض كالثوب، أو المراد المبالغة في تطويل عذبتها بحيث يخرج عن المعتاد؟

قال العراقي في شرح الترمذي: هو محل نظر، والظاهر أنه إذا لم يكن جرها على الأرض معهودا مستعملا فالمراد الثاني، وأنه في كل شيء بحسبه .

* الثالثة: هل يختص ذلك بجر الذيول، أو يتعدى إلى غيرها كالأكمام إذا خرجت عن المعتاد؟

وقال العراقي في شرح الترمذي: لا شك في تناول التحريم لما مس الأرض منها للخيلاء، ولو قيل بتحريم ما زاد على المعتاد لم يكن بعيدا؛ فقد كان كم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الرسغ، وكذلك فعل علي في قميص اشتراه لنفسه، ولكن قد حدث للناس اصطلاح بتطويلها، فإن كان ذلك على سبيل الخيلاء فهو داخل في النهي، وإن كان على طريق العوائد المتجددة من غير خيلاء فالظاهر عدم التحريم .

وحكى عياض عن العلماء أنه يكره كل ما زاد على الحاجة والمعتاد في اللباس من الطول والسعة .

*الرابعة: هذا الوعيد يقتضي أن ذلك كبيرة، وقد تقدم عن القرطبي أنه قال: العجب كبيرة، والكبر عجب وزيادة .

وفي سنن أبي داود، عن أبي هريرة قال: "بينما رجل يصلي مسبلا إزاره، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: اذهب فتوضأ، فذهب، فتوضأ، ثم جاء، فقال: اذهب فتوضأ، فقال له رجل: يا رسول الله ما لك أمرته أن يتوضأ، ثم سكت عنه، قال: إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره؛ إن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل".

وفي الأوسط للطبراني من حديث جابر: "خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فذكر حديثا فيه: فإن ريح الجنة لتوجد من مسيرة ألف عام، وإنه لا يجدها عاق، ولا قاطع رحم، ولا شيخ زان، ولا جار إزاره خيلاء، إنما الكبرياء لله رب العالمين".

*الخامسة: التقييد بالخيلاء يخرج ما إذا جر بغير هذا القصد، ويقتضي أنه لا تحريم فيه.

قال النووي في شرح مسلم: ظواهر الحديث في تقييدها بالجر خيلاء يدل على أن التحريم مخصوص بالخيلاء، وهكذا نص الشافعي عليه .

وأما القدر المستحب فنصف الساقين، والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين، وما تحتها فهو ممنوع، فإن كان للخيلاء فهو ممنوع منع تحريم، وإلا فمنع تنزيه .

وأما الأحاديث المطلقة بأن ما تحت الكعبين في [ ص: 348 ] النار فالمراد بها ما كان للخيلاء؛ لأنه مطلق، فوجب حمله على المقيد .

*السادسة: يستثنى من جره ما إذا كان ذلك حالة القتال، فيجوز، كما ورد ذلك في الخبر "إن فيه إعزاز الإسلام، وظهوره، واحتقار عدوه، وغيظه" بخلاف ما فيه احتقار المسلمين وغيظهم والاستعلاء عليهم .

والظاهر أيضا جوازه بلا كراهة؛ دفعا لضرر يحصل له، كأن يكون تحت كعبه جراح أو حكة، ونحو ذلك، إن لم يغطها تؤذه الهوام، كالذباب ونحوه بالجلوس عليها، ولا يجد ما يسترها به إلا إزاره أو رداءه أو قميصه، فقد أذن صلى الله عليه وسلم للزبير وابن عوف في لبس قميص الحرير من حكة كانت بهما، ولكعب في حلق رأسه وهو محرم لما آذاه القمل، مع تحريم لبس الحرير لغير عارض، وتحريم حلق الرأس للمحرم، وهذا كما يجوز كشف العورة للتداوي، وغير ذلك من الأسباب المبيحة للرخص، ذكره العراقي في شرح الترمذي.

*السابعة: إن قلت: في الصحيح من حديث ابن مسعود: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمص الناس" فالجار لثوبه فوق الكعبين مظهرا للتجمل بذلك، معجبا بحسن ملبسه، ونضارة رونقه، لم يتكبر عن قبول الحق، ولم يحتقر أحدا، فكيف جعل كبره مذموما؟

قلت: الذم إنما ورد فيمن فعل ذلك كبرا، بأن فعله غير قابل للنصيحة النبوية، ولا مكترثا بالتأديب الإلهي، أو محتقرا لمن ليس على صفته التي رآها حسنة بهجة، فإن لم يوجد واحد من الأمرين وإنما أعجبه رونقه غافلا عن نعمة الله تعالى فهو العجب، على ما تقدم بيانه، فإن استحضر مع استحسانه لهيئته وإعجابه لملبوسه نعمة الله عليه بذلك، وخضع لها، فليس هذا كبرا ولا إعجابا، ولم يرد في الحديث ذمه. والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية