إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تغير الهواء وهبت ريح عاصفة يتغير وجهه فيقوم ويتردد في الحجرة ويدخل ويخرج كل ذلك خوفا من عذاب الله .

وقرأ صلى الله عليه وسلم آية في سورة الواقعة فصعق .

وقال تعالى: وخر موسى صعقا ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة جبريل عليه السلام بالأبطح فصعق .

وروي أنه عليه السلام كان إذا دخل في الصلاة يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل .

وقال صلى الله عليه وسلم : ما جاءني جبريل قط إلا وهو يرعد فرقا من الجبار : ؟ وقيل : لما ظهر على إبليس ما ظهر طفق جبريل وميكائيل عليهما السلام يبكيان فأوحى الله إليهما ما لكما تبكيان كل هذا البكاء ؟ قالا يا رب ما نأمن مكرك فقال الله تعالى هكذا كونا لا تأمنا مكري .

وعن محمد بن المنكدر: لما خلقت النار طارت أفئدة الملائكة من أماكنها فلما خلق بنو آدم عادت وعن أنس أنه عليه السلام سأل جبريل : ما لي لا أرى ميكائيل يضحك ؟ فقال جبريل ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار .

ويقال : إن لله تعالى ملائكة لم يضحك أحد منهم منذ خلقت النار مخافة أن يغضب الله عليهم فيعذبهم بها

وقال ابن عمر رضي الله عنهما خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل بعض حيطان الأنصار فجعل يلتقط من التمر ويأكل فقال : يا ابن عمر ما لك لا تأكل ؟ فقلت : يا رسول الله لا أشتهيه فقال لكني أشتهيه وهذا صبح رابعة لم أذق طعاما ولم أجده ولو سألت ربي لأعطاني ملك قيصر وكسرى فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم ويضعف اليقين في قلوبهم قال : فوالله ما برحنا ولا قمنا حتى نزلت وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله لم يأمركم بكنز المال ولا باتباع الشهوات من كنز دنانير يريد بها حياة فانية فإن الحياة بيد الله ، ألا وإني لا أكنز دينارا ولا درهما ولا أخبئ رزقا لغد .

وقال أبو الدرداء كان يسمع أزيز قلب إبراهيم خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة في مسيرة ميل خوفا من ربه .

وقال مجاهد بكى داود عليه السلام أربعين يوما ساجدا لا يرفع رأسه حتى نبت المرعى من دموعه وحتى غطى رأسه فنودي : يا داود أجائع أنت فتطعم أم ظمآن فتسقى أم عار فتكسى ؟ فنحب نحبة هاج العود فاحترق من حر جوفه ثم أنزل الله تعالى عليه التوبة والمغفرة فقال : يا رب اجعل خطيئتي في كفي فصارت خطيئته في كفه مكتوبة فكان لا يبسط كفه لطعام ولا لشراب ولا لغيره إلا رآها فأبكته قال : وكان يؤتى بالقدح ثلثاه فإذا تناوله أبصر خطيئته فما يضعه على شفته حتى يفيض القدح من دموعه .


بيان أحوال الخائفين وأحوال الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - في الخوف.

(روت عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا تغير الهواء وهبت ريح عاصفة يتغير وجهه فيقوم ويتردد في الحجرة ويدخل ويخرج كل ذلك خوفا من عذاب الله) قال العراقي: متفق عليه من [ ص: 245 ] حديثها، (وقرأ - صلى الله عليه وسلم -) آية (في سورة الحاقة فصعق) رواه حمزة الزيات عن حمران بن أعين كذا في القوت .

قال العراقي: المعروف فيما روي من هذه القصة أنه قرئ عليه: إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما فصعق. كما رواه ابن عدي والبيهقي في الشعب مرسلا وهكذا ذكره المصنف على الصواب في كتاب السماع، وقد تقدم (وقال الله - عز وجل - وخر موسى صعقا ورأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صورة جبريل - عليه السلام - بالأبطح فصعق) .

قال العراقي: روى البزار من حديث ابن عباس بسند جيد، سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - جبريل أن يراه في صورته فقال: ادع ربك، فدعا ربه فطلع عليه من قبل المشرق فجعل يرتفع ويشير فلما رآه صعق. ورواه ابن المبارك عن الحسن مرسلا بلفظ: فغشي عليه، وفي الصحيحين من حديث عائشة: رأى جبريل في صورته مرتين، ولهما عن ابن مسعود: رأى جبريل له ستمائة جناح.

(وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دخل في الصلاة سمع لصدره أزيز كأزيز المرجل) رواه أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي من حديث عبد الله بن الشخير وتقدم في كتاب السماع (وقال - صلى الله عليه وسلم -: ما جاءني جبريل قط إلا وهو يرعد فرقا من الجبار) وفي بعض النسخ: إلا وهو ترعد فرائصه من الجبار، قال العراقي: لم أجده بهذا اللفظ، وروى أبو الشيخ في كتاب العظمة عن ابن عباس قال: إن جبريل - عليه السلام - يوم القيامة لقائم بين يدي الجبار - تبارك وتعالى ترعد فرائصه - فرقا من عذاب الله. الحديث. وفيه زميل بن سماك الحنفي يحتاج إلى معرفة. اهـ .

قلت: بخط الشمس الداودي لعله أبو زميل سماك بن الوليد الراوي عن ابن عباس عند مسلم وغيره (وقيل: لما ظهر على إبليس ما ظهر طفق جبريل وميكائيل - عليهما السلام - يبكيان فأوحى الله إليهما ما لكما تبكيان كل هذا البكاء؟ قالا يا رب ما نأمن مكرك فقال الله - عز وجل - هكذا كونا لا تأمنا مكري) .

وتقدم قريبا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجبريل - عليه السلام - بكيا خوفا من الله - عز وجل - فأوحى الله إليهما: لم تبكيان وقد أمنتكما؟ فقالا: ومن يأمن مكرك؟ وتقدم أنه من حديث عمر عند الطبراني في الأوسط (وعن) أبي بكر (محمد بن المنكدر) ابن الهدير التيمي التابعي قال: (لما خلقت النار طارت أفئدة الملائكة من أماكنها فلما خلق بنو آدم عادت) أخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة طاووس من كلامه بلفظ: فلما خلق آدم - عليه السلام - سكنت، (وعن أنس) - رضي الله عنه - (أنه - صلى الله عليه وسلم - سأل جبريل - عليه السلام - : ما لي لا أرى ميكائيل يضحك؟ فقال جبريل) - عليه السلام - (ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار) . قال العراقي: رواه أحمد وابن أبي الدنيا في كتاب الخائفين من رواية ثابت عن أنس بإسناد جيد، ورواه ابن شاهين في السنة من حديث ثابت مرسلا، وورد ذلك أيضا في حق إسرائيل رواه البيهقي في الشعب وفي حق جبريل رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الخائفين (ويقال: إن لله تعالى ملائكة لم يضحك أحد منهم منذ خلقت النار مخافة أن يغضب الله عليهم فيعذبهم) . رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الخائفين (وقال ابن عمر - رضي الله عنهما - خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى دخل بعض حيطان الأنصار) جمع حائط وهو حش النخل، (فجعل يلتقط من التمر ويأكل فقال: يا ابن عمر ما لك لا تأكل؟ فقلت: لا أشتهيه فقال) - صلى الله عليه وسلم - (لكن أشتهيه وهذا صبح رابعة لم أذق طعاما ولم أجده ولو سألت ربي لأعطاني ملك قيصر وكسرى فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم ويضعف اليقين في قلوبهم قال: فوالله ما برحنا) من مكاننا (ولا قمنا حتى نزلت) هذه الآية ( وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن الله لم يأمركم بكنز المال ولا باتباع الشهوات من كنز دنانير يريد بها حياة [ ص: 246 ] فانية فإن الحياة بيد الله، ألا وإني لا أكنز دينارا ولا درهما ولا أخبئ رزقا لغد) .

قال العراقي: رواه ابن مردويه في التفسير، والبيهقي في الزهد من رواية رجل لم يسم عن ابن عمر، قال البيهقي: هذا إسناد مجهول، والجراح ابن منهال ضعيف. اهـ .

قلت: ورواه كذلك عبد بن حميد وابن أبي حاتم في تفسيريهما وابن عساكر في التاريخ كلهم من هذا الطريق .

(وقال أبو الدرداء - رضي الله عنه - كان يسمع أزيز قلب إبراهيم خليل الرحمن - عليه السلام - إذا قام إلى الصلاة من مسيرة ميل خوفا من ربه) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الخائفين (وقال مجاهد) - رحمه الله تعالى - (بكى داود - عليه السلام - أربعين يوما ساجدا لا يرفع رأسه حتى نبت المرعى من دموعه وحتى غطى رأسه فنودي: يا داود أجائع أنت فتطعم أم ظمآن فتسقى أم عار فتكسى؟ فنحب نحبة) أي: صرخ صرخة (هاج) أي: يبس منها (العود فاحترق من خوفه ثم أنزل الله عليه التوبة والمغفرة فقال: يا رب اجعل خطيئتي في كفي فصارت خطيئته في كفه مكتوبة فكان لا يبسط كفه لطعام ولا لشراب إلا رآها فأبكته قال: وكان يؤتى بالقدح ثلثاه ماء فإذا تناوله أبصر خطيئته فما يضعه على شفته حتى يفيض القدح من دموعه) .

رواه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر بلفظ: لما أصاب داود الخطيئة خر لله ساجدا أربعين يوما وأربعين ليلة وكانت خطيئته في يده ينظر إليها لكيلا يغفل، حتى نبت البقل حوله من دموعه ما غطى رأسه فنودي: أجائع فتطعم أم عريان فتكسى أم مظلوم فتنتصر؟ قال: فنحب نحبة هاج ما يليه من البقل حين لم يذكر ذنبه فعند ذلك غفر الله له .

ورواه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير بلفظ: لما أصاب داود الخطيئة خر لله ساجدا أربعين يوما حتى نبت من دموع عينيه من البقل ما غطى رأسه، ثم نادى: رب قرح الجبين وجمدت الأعين، وداود لم يرجع إليه في طيته شيء، فنودي: أجائع فتطعم أو مريض فتشفى أو مظلوم فينتصر لك؟ فنحب نحبا هاج كل شيء نبت، فعند ذلك غفر له، وكان يؤتى بالإناء فيشرب فيذكر خطيئته فينتحب فتكاد مفاصله يزول بعضها من بعض فما يشرب بعض الإناء حتى يملأه من دموعه .

وروى أحمد في الزهد عن أبي عمران الجوني قال: سجد داود أربعين ليلة ويوما لا يرفع رأسه إلا إلى صلاة فريضة حتى يبس وقرحت جبهته وكفاه وركبتاه.

وروى الحاكم وابن جرير عن السدي قال: مكث داود ساجدا أربعين يوما يبكي لا يرفع رأسه إلا لحاجة ثم يقع ساجدا يبكي حتى نبت العشب من دموع عينيه، فأوحى الله إليه بعد أربعين يوما: يا داود ارفع رأسك فقد غفرت لك، وروى أحمد وعبد بن حميد عن يونس بن خباب أن داود بكى أربعين ليلة حتى نبت العشب حوله من دموعه ثم قال: قرح الجبين ورقأ الدمع وخطيئتي علي كما هي، فنودي: أن يا داود، أجائع فتطعم أم ظمآن فتسقى أم مظلوم فينتصر لك؟ فنحب نحبة هاج ما هنالك من الخضرة فغفر له عند ذلك.

وروى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عبيد الله بن عمير الليثي أن داود سجد حتى نبت ما حوله خضرا من دموعه فأوحى الله إليه: أن يا داود، أتريد أن أزيدك من مالك وعمرك؟ فقال: يا رب، أهذا تزيد علي، أريد أن تغفر لي، وروى عبد بن حميد عن كعب قال: سجد داود نبي الله أربعين يوما وأربعين ليلة لا يرفع رأسه حتى رقاد معه ويبس، فكان من آخر دعائه وهو ساجد أن قال: يا رب رزقتني العافية فسألتك علما فلما ابتليتني لم أصبر فإن تعذبني فأنا أهل ذلك، وإن تغفر لي فأنت أهل ذلك.

وروى الحكيم وابن جرير وابن أبي حاتم بسند ضعيف عن أنس رفعه قال: سجد داود أربعين ليلة حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه وأكلت الأرض جبينه وهو يقول في سجوده: رب زل داود زلة أبعد ما بين المشرق والمغرب، رب إن لم ترحم ضعف داود وتغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثا في الخلوف من بعدي. الحديث، وروى أحمد والحكيم وابن جرير عن عطاء الخراساني أن داود - عليه السلام - نقش خطيئته منقوشة في كفه.

التالي السابق


الخدمات العلمية