إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
بيان فضيلة الرضا .

أما من الآيات فقوله تعالى : رضي الله عنهم ورضوا عنه وقد قال تعالى : هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ومنتهى الإحسان رضا الله عن عبده ، وهو ثواب رضا العبد عن الله تعالى .

وقال تعالى : ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر فقد رفع الله الرضا فوق جنات عدن كما رفع ذكره فوق الصلاة حيث قال : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر فكما أن مشاهدة المذكور في الصلاة أكبر من الصلاة فرضوان رب الجنة أعلى من الجنة ، بل هو غاية مطلب سكان الجنان .

وفي الحديث إن الله تعالى يتجلى للمؤمنين فيقول : سلوني . فيقولون : رضاك فسؤالهم الرضا بعد النظر نهاية التفضيل .

وأما رضا العبد فسنذكر حقيقته وأما رضوان الله تعالى عن العبد فهو بمعنى آخر يقرب مما ذكرناه في حب الله للعبد ، ولا يجوز أن يكشف عن حقيقته ؛ إذ تقصر أفهام الخلق عن دركه ومن يقوى عليه فيستقل بإدراكه من نفسه .

وعلى الجملة فلا رتبة فوق النظر إليه ، فإنما سألوه الرضا ؛ لأنه سبب دوام النظر ، فكأنهم رأوه غاية الغايات وأقصى الأماني لما ظفروا بنعيم النظر ، فلما أمروا بالسؤال لم يسألوا إلا دوامه ، وعلموا أن الرضا هو سبب دوام رفع الحجاب .

وقال الله تعالى : ولدينا مزيد قال بعض المفسرين : يأتي أهل الجنة في وقت المزيد ثلاث تحف من عند رب العالمين إحداها ؛ : هدية من عند الله تعالى ليس عندهم في الجنان مثلها ، فذلك قوله تعالى : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين والثانية : السلام عليهم من ربهم ، فيزيد ذلك على الهدية فضلا ، وهو قوله تعالى : سلام قولا من رب رحيم والثالثة : يقول الله تعالى : إني عنكم راض ، فيكون ذلك أفضل من الهدية والتسليم ، فذلك قوله تعالى : ورضوان من الله أكبر ، أي من النعيم الذي هم فيه فهذا فضل رضا الله تعالى وهو ثمرة رضا العبد .

وأما من الأخبار فقد روي أن النبي : صلى الله عليه وسلم : سأل طائفة من أصحابه : ما أنتم ؟ فقالوا : مؤمنون . فقال : ما علامة إيمانكم فقالوا : نصبر على البلاء ، ونشكر عند الرخاء ، ونرضى بمواقع القضاء . فقال : مؤمنون ورب الكعبة وفي خبر آخر أنه قال : حكماء علماء ، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء وفي الخبر : طوبى لمن هدي للإسلام ، وكان رزقه كفافا ورضي به وقال : صلى الله عليه وسلم : من رضي من الله تعالى بالقليل من الرزق رضي الله تعالى منه بالقليل من العمل وقال أيضا : إذا أحب الله تعالى عبدا ابتلاه ، فإن صبر اجتباه فإن ، رضي اصطفاه وقال أيضا : إذا كان يوم القيامة أنبت الله تعالى لطائفة من أمتي أجنحة فيطيرون من قبورهم إلى الجنان يسرحون فيها ويتنعمون فيها كيف شاءوا ، فتقول لهم الملائكة : هل رأيتم الحساب ؟ فيقولون : ما رأينا حسابا فتقول لهم . : هل جزتم الصراط ؟ فيقولون : ما رأينا صراطا . فتقول لهم : هل رأيتم جهنم ؟ فيقولون : ما رأينا شيئا . فتقول الملائكة : من أمة من أنتم ؟ فيقولون : من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فتقول ناشدناكم : الله حدثونا ما كانت أعمالكم في الدنيا ؟ فيقولون : خصلتان كانتا فينا ، فبلغنا هذه المنزلة بفضل رحمة الله . فيقولون : وما هما ؟ ؟ فيقولون : كنا إذا خلونا نستحي أن نعصيه ، ونرضى باليسير مما قسم لنا . فتقول الملائكة : يحق لكم هذا وقال صلى الله عليه وسلم يا معشر الفقراء : أعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم ، وإلا فلا .

وفي أخبار موسى عليه السلام : إن بني إسرائيل قالوا له : سل لنا ربك أمرا إذا نحن فعلناه يرضى به عنا . فقال موسى عليه السلام :

إلهي ، قد سمعت ما قالوا . فقال : يا موسى ، قل لهم يرضون عني حتى أرضى عنهم .

ويشهد لهذا ما روي عن نبينا : صلى الله عليه وسلم : أنه قال : من أحب أن يعلم ما له عند الله : عز وجل : فلينظر ما لله : عز وجل : عنده ، فإن الله تبارك وتعالى ينزل العبد منه حيث أنزله العبد من نفسه وفي أخبار داود عليه السلام ما لأوليائي والهم بالدنيا ، إن الهم يذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم، يا داود ، إن محبتي من أوليائي أن يكونوا روحانيين ، لا يغتمون .

وروي أن موسى عليه السلام قال : رب دلني على أمر فيه رضاك حتى أعمله . فأوحى الله تعالى إليه : إن رضائي في كرهك ، وأنت لا تصبر على ما تكره . قال : يا رب دلني عليه . قال : فإن رضائي في رضاك بقضائي وفي مناجاة موسى عليه السلام : أي رب ، أي خلقك أحب إليك ؟ قال : من إذا أخذت منه المحبوب سالمني . قال : فأي خلقك أنت عليه ساخط ؟ قال : من يستخيرني في الأمر ، فإذا قضيت له سخط قضائي. وقد روي ما هو أشد من ذلك وهو : إن الله تعالى قال : أنا الله لا إله إلا أنا ، من لم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي ، ولم ، يرض بقضائي فليتخذ ربا سوائي .

ومثله في الشدة قوله تعالى فيما أخبر عنه نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال الله تعالى : قدرت المقادير ، ودبرت التدبير ، وأحكمت الصنع ، فمن رضي فله الرضا مني حتى يلقاني ، ومن سخط فله السخط مني حتى يلقاني وفي الخبر المشهور : يقول الله تعالى : خلقت الخير والشر ، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يديه ، وويل لمن خلقته للشر وأجريت الشر على يديه ، وويل ثم ويل لمن قال : لم وكيف .

؟ وفي الأخبار السالفة أن : نبيا من الأنبياء شكا إلى الله : عز وجل : الجوع والفقر والقمل عشر سنين فما ، أجيب إلى ما أراد ، ثم أوحى الله تعالى إليه : كم تشكو ؟ هكذا كان بدؤك عندي في أم الكتاب قبل أن أخلق السموات .

والأرض وهكذا سبق لك مني ، وهكذا ، قضيت عليك قبل أن أخلق الدنيا ، أفتريد أن أعيد خلق الدنيا من أجلك ؟ أم تريد أن أبدل ما قدرته عليك فيكون ما تحب فوق ما أحب ؟ ويكون ما تريد فوق ما أريد ؟ وعزتي وجلالي ، لئن تلجلج هذا في صدرك مرة أخرى لأمحونك من ديوان النبوة .

وروي أن آدم عليه السلام : كان بعض أولاده الصغار يصعدون على بدنه وينزلون ، يجعل أحدهم رجله على أضلاعه كهيئة الدرج فيصعد إلى رأسه من ، ينزل على أضلاعه كذلك ، وهو مطرق إلى الأرض لا ينطق ولا يرفع رأسه ، فقال له بعض ولده : يا أبت ، أما ترى ما يصنع هذا بك ؟ لو نهيته عن هذا ! فقال : يا بني ، إني رأيت ما لم تروا ، وعلمت ما لم تعلموا ، إني تحركت حركة واحدة فأهبطت من دار الكرامة إلى دار الهوان ، ومن دار النعيم إلى دار الشقاء .

فأخاف أن أتحرك أخرى فيصيبني ما لا أعلم .

وقال أنس بن مالك رضي الله عنه خدمت رسول الله : صلى الله عليه وسلم : عشر سنين ، فما قال لي لشيء فعلته لم فعلته ، ولا لشيء لم أفعله لم لا فعلته ، ولا قال في شيء كان ليته لم يكن ، ولا في شيء لم يكن ليته كان ، وكان إذا خاصمني مخاصم من أهله يقول : دعوه ، لو قضي شيء لكان .

ويروى أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام : يا داود إنك ، تريد وأريد ، وإنما يكون ما أريد فإن سلمت لما أريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد .


(بيان فضيلة الرضا)

(أما من الآيات فقوله تعالى: رضي الله عنهم ورضوا عنه ) فرضا الرب سبحانه سبب لرضا العبد عن الله، ورضا العبد بالله وعن الله سبب لرضا الله من عبده، والرضا الأول ذاتي؛ لتعلقه بتخصيص الإرادة. والرضا الثاني فعل؛ لأنه ثواب الله يفيضه على عبده الراضي زيادة على جزائه. ثم قال: ذلك لمن خشي ربه فإن الخشية ملاك الأمر، والباعث على كل خير (وقد قال تعالى: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ومنتهى الإحسان رضا الله عن عبده، وهو ثواب رضا العبد عن الله تعالى) وروى البيهقي في الشعب، عن أبي سعيد الخراز قال في معنى الآية: هل جزاء من انقلع من نفسه إلا التعلق بربه؟ وهل جزاء من انقطع عن أنس المخلوقين إلا الأنس برب العالمين؟ وهل جزاء من صبر علينا إلا الوصول إلينا؟ ومن وصل إلينا هل يجمل به أن يختار علينا؟ وهل جزاء التعب في الدنيا والنصب فيها إلا الراحة في الآخرة؟ وهل جزاء من صبر على البلوى إلا التقرب إلى الكون؟ وهل جزاء من سلم قلبه إلينا أن نجعل توليه إلى غيرنا؟ وهل جزاء من بعد عن الخلق إلا التقرب إلى الحق .

وفي حديث ابن عمر، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة. تفرد به إبراهيم بن محمد الكوفي، وهو منكر، وسئل ذو النون المصري عن هذا فقال معناه: هل جزاء من أحسنت إليه إلا أن أحفظ إحساني عليه، فيكون إحسانا إلى إحسان. (وقال تعالى: ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ) وناهيك به شرفا أن يثمر رضوان الله (فقد رفع الله الرضا فوق جنان عدن) وهي من أعلى الجنان (كما رفع ذكره فوق الصلاة حيث قال: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ) والذكر عند الذاكرين المشاهدة (فكما أن مشاهدة المذكور في الصلاة أكبر من الصلاة) ، وهذا أحد الوجهين (فرضوان رب الجنة أعلى من الجنة، بل هو غاية مطلب سكان الجنة) والوجه الثاني: ذكر الله تعالى للعبد أكبر من ذكر العبد لله تعالى (و) قد رفع الله تعالى الرضا منه فوق ما أعطى من النظر، كما (في الحديث أن الله تعالى يتجلى للمؤمنين فيقول: سلوني. فيقولون: رضاك) .

قال العراقي: رواه البزار والطبراني في الأوسط من حديث أنس في حديث طويل بسند فيه لين، وفيه: فيتجلى لهم فيقول: أنا الذي صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، وهذا محل كرامتي، فسلوني. فيسألونه الرضا.

ورواه أبو يعلى بلفظ: ثم يقول: ماذا تريدون؟ فيقولون: ربنا رضوانك ... الحديث. ورجاله رجال الصحيح. اهـ. قلت: وبخط الحافظ ابن حجر: وفي الباب عن جابر في الشعب للبيهقي، وحذيفة في مسند البزار.

قلت: لفظ حديث جابر: يقول الله تعالى: يا أهل الجنة، بقي لكم شيء تنالونه. فيقولون: وما هو يا ربنا؟ فيقول: رضواني.

رواه كذلك الحكيم في النوادر، وروى القشيري في الرسالة بسنده إلى محمد بن المنكدر عن جابر رفعه: بينا أهل الجنة في مجلس لهم؛ إذ سطع لهم نور على باب الجنة، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب تعالى قد أشرف عليهم فقال: يا أهل الجنة سلوني. قالوا: نسألك الرضا عنا. قال: رضاي أحلكم داري، وأنيلكم كرامتي، هذا أدناها فسلوني. قالوا: نسألك الزيادة. قال: فيؤتون بنجائب من [ ص: 649 ] ياقوت ... ثم ساق الحديث، وفيه: حتى تنتهي بهم إلى جنة عدن، قال: فيكشف عنهم الحجاب، فينظرون الله -عز وجل- الحديث بطوله .

ورواه ابن ماجه، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة، وابن أبي حاتم، والآجري في الشريعة، وابن مردويه أيضا بلفظ: بينا أهل الجنة في نعيم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة. وذلك قول الله تعالى: سلام قولا من رب رحيم فينظر إليهم وينظرون إليه حتى يحتجب عليهم ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم (فسؤالهم الرضا بعد النظر) إليه (نهاية التفضيل) ومن ذلك ما روي في حديث أبي سعيد الخدري، أن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة. فيقولون: لبيك ربنا وسعديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟! فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا. رواه أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن حبان.

(وأما رضا العبد) بالله وعن الله وفي الله (فسنذكر حقيقته) فيما بعد (وأما رضوان الله تعالى عن العبد فهو بمعنى آخر يقرب مما ذكرناه في حب الله تعالى للعبد، ولا يجوز أن يكشف عن حقيقته؛ إذ تقصر أفهام الخلق عن دركه) ، وغاية ما يقال: إن العصمة ظاهر الرحمة، والرحمة أول الرضا من الله، فالعصمة من الله تعالى لعبده دليل الرحمة منه، ثم تدخله الرحمة في مقام المحبة، وهذه رحمة المحبوبين، ثم ترفعه المحبة إلى مقام الرضا، فتكون المحبة مقامة عن شهادة محبوب، ويكون الرضا حاله في جميع تصريف البنية والمطلوب (ومن يقوى عليه فيستقل بإدراكه من نفسه، وعلى الجملة فلا رتبة فوق النظر إليه، فإنما سألوا الرضا؛ لأنه سبب دوام النظر، فكأنهم رأوا غاية الغايات وأقصى الأماني لما ظفروا بنعيم النظر، فلما أمروا بالسؤال لم يسألوا إلا دوامه، وعلموا أن الرضا هو سبب دوام رفع الحجاب) ، أي: بالرضا دام لهم النظر، فلما كان الرضا موجب النظر سألوا دوام الرضا ليدوم القرب والنظر، فسألوا تمام النعمة من حيث بدايتها، قال صاحب القوت: ولا يصلح أن يظهر معنى قولهم رضاك أكثر من هذا، ولا يرسم في كتاب حقيقة الأمر عن كشف وصف من صفاته الذاتية موجبة على العبد هيبة الربوبية، وخوف هذا عن القلوب محجوب في كمه من سائر الغيوب، وهو في الدنيا ثواب لأهل الخشية عن معرفة خاصة، قال الله تعالى: ذلك لمن خشي ربه (وقال تعالى: ولدينا مزيد قال بعض المفسرين فيه: يأتي أهل الجنة في وقت المزيد ثلاث تحف من عند رب العالمين؛ إحداها: هدية من عند الله تعالى ليس عندهم في الجنان مثلها، فذلك قوله تعالى: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين والثانية: السلام عليهم من ربهم، فيزيد ذلك على الهدية، وهو قوله تعالى: سلام قولا من رب رحيم والثالثة: يقول الله تعالى: إني عنكم راض، فيكون ذلك أفضل من الهدية، فذلك قوله تعالى: ورضوان من الله أكبر ، أي من النعيم الذي هم فيه) نقله صاحب القوت (فهذا فضل رضا الله تعالى) عن العبد (وهو ثمرة رضا العبد) عن الله تعالى، وقد قيل في قوله تعالى: ورضوان من الله أكبر إن الرضوان جزاء أهل الذكر الأكبر، وهو أحد المعاني في قوله -صلى الله عليه وسلم-: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين في الرضا عنه؛ لأن السائلين سألوه لهم فأعطاهم العفو، والذاكرين ذكروه له فأعطاهم الرضا منه، ويكون أيضا معناه النظر إلي؛ لأن الذكر يخرج إلى النظر، فقابل النظر إليه اليوم بالنظر إليه غدا، كما واجه الوصف بالوصف في قوله وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة وفي حديث أبي موسى: إن الله -عز وجل- يتجلى لنا ضاحكا. والرضا هو حال الموقن، واليقين هو حقيقة الإيمان (وأما الأخبار فقد روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سأل طائفة من أصحابه: ما أنتم؟ فقالوا: مؤمنون. فقال: ما علامة إيمانكم؟ قالوا: نصبر على البلاء، ونشكر عند الرخاء، ونرضى بمواقع القضاء. فقال: مؤمنون ورب الكعبة) تقدم في كتاب العلم (وفي خبر آخر أنه قال: حكماء علماء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء) تقدم أيضا في كتاب العلم فيما شهد لهم بالإيمان إلا بعد [ ص: 650 ] وصف الرضا، وكذلك جعل لقمان الحكيم الرضا من شرط الإيمان لا يصلح إلا به، فقال في وصيته: للإيمان أربعة أركان لا يصلح إلا بهن، كما لا يصلح الجسد إلا باليدين والرجلين، ذكر منها الرضا بقدر الله تعالى، (وفي الخبر: طوبى لمن هدي للإسلام، وكان رزقه كفافا ورضي به) رواه مسلم من حديث فضالة بن عبيد بلفظ: وقنع به، وقد تقدم (وقال -صلى الله عليه وسلم-: من رضي من الله تعالى بالقليل من الرزق رضي الله تعالى منه بالقليل من العمل) قال العراقي: رويناه في أمالي المحاملي بإسناد ضعيف من حديث علي، ومن طريق المحاملي. رواه الديلمي في مسند الفردوس اهـ. قلت: هذا اللفظ ساقه البيهقي في الشعب من حديث علي، وفي لفظ له: من رضي بالله باليسير من الرزق ... إلخ، وقد رواه المحاملي من طريق علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، ولفظه: انتظار الفرج من الله عبادة، ومن رضي بالقليل من الرزق رضي الله عنه بالقليل من العمل. ورواه كذلك ابن أبي الدنيا في الفرج، وابن عساكر (وقال) -صلى الله عليه وسلم- (أيضا: إذا أحب الله عبدا ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن رضي اصطفاه) قال صاحب القوت: رويناه من طريق أهل البيت، وقد تقدم قريبا نحوه من حديث أبي عتبة الخولاني: إن الله -عز وجل- إذا أراد بعبد خيرا ابتلاه، فإذا ابتلاه اقتناه ... الحديث .

رواه الطبراني وابن عساكر، ولابن أبي الدنيا في المرض والكفارات من حديث أبي سعيد بسند لين: إن الله إذا أحب عبدا ابتلاه، وإذا ابتلاه صبره (وقال) -صلى الله عليه وسلم- (أيضا: إذا كان يوم القيامة أنبت الله لطائفة من أمتي أجنحة فيطيرون من قبورهم إلى الجنان يسرحون فيها ويتنعمون كيف شاءوا، فتقول لهم الملائكة: هل رأيتم الحساب؟ فيقولون: ما رأينا حسابا. فيقولون: هل جزتم الصراط؟ فيقولون: ما رأينا صراطا. فتقول لهم: هل رأيتم جهنم؟ فيقولون: ما رأينا شيئا. فتقول الملائكة: من أمة من أنتم؟ فيقولون: من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- فيقولون: نشدناكم الله حدثونا ما كانت أعمالكم في الدنيا؟ فيقولون: خصلتان كانتا فينا، فبلغنا الله تعالى هذه المنزلة بفضل رحمته. فيقولون: وما هما؟ فيقولون: كنا إذا خلونا نستحي أن نعصيه، ونرضى باليسير مما قسم لنا. فتقول الملائكة: يحق لكم هذا) نقله صاحب القوت فقال: وروينا حديثا حسنا عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إذا كان يوم القيامة، فساقه .

قال العراقي: رواه ابن حبان في الضعفاء، وأبو عبد الرحمن السلمي من حديث أنس مع اختلاف، وفيه حميد بن علي القيسي، ساقط هالك، والحديث منكر مخالف للقرآن والأحاديث الصحيحة في الورود وغيره. اهـ .

قلت: حميد بن علي القيسي لم أجد له ذكرا في ديوان الضعفاء للذهبي، ولا في ذيله، فلينظر. وقال أبو نعيم في الحلية: حدثنا أبو بكر الطلحي، حدثنا عبيد بن غنام، حدثنا جعفر بن أبي الحسن الخوارزمي، حدثنا عبد الله بن عبيد بن إسحاق بن محمد بن عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد الله قال: حدثني أبي، عن الحصين بن حذيفة، عن أبيه، عن أبي صيفي، عن أبيه صهيب قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: المهاجرون هم السابقون الشافعون المدلون على ربهم، والذي نفسي بيده، إنهم ليأتون يوم القيامة وعلى عواتقهم السلاح، فيقرعون باب الجنة، فيقول لهم الخزنة: من أنتم؟ فيقولون: نحن المهاجرون. فيقول لهم الخزنة: هل حوسبتم؟ فيجثون على ركبهم، وينثرون ما في جعابهم، ويرفعون أيديهم فيقولون: ألا يا رب أبهذه نحاسب؟! لقد خرجنا وتركنا المال والأهل والولد، فيجعل الله لهم أجنحة من ذهب مخوصة بالزبرجد والياقوت، فيطيرون حتى يدخلوا الجنة، فذلك قوله: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إلى قوله: لغوب قال صهيب: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فلهم بمنازلهم في الجنة أعرف منكم بمنازلكم في الدنيا.

(وقال صلى الله عليه وسلم: أعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم، وإلا فلا) تقدم في كتاب الفقر والزهد بلفظ: يا معشر الفقراء، أعطوا الله الرضا من قلوبكم ... الحديث، وإنه رواه الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي هريرة، وهو ضعيف فيه أحمد بن الحسن بن أبان، متهم بالكذب (وفي أخبار موسى -عليه السلام- إن بني إسرائيل قالوا له: سل لنا ربك أمرا إذا نحن فعلناه يرضى به عنا. فقال موسى -عليه السلام-: إلهي، قد سمعت ما قالوا. فقال: يا موسى، قل لهم يرضون عني حتى أرضى عنهم) نقله صاحب القوت، قال: (ويشهد لهذا) [ ص: 651 ] الخبر (ما روي عن نبينا -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: من أحب أن يعلم ما له عند الله -عز وجل- فلينظر ما لله -عز وجل- عنده، فإن الله تعالى ينزل العبد من حيث أنزله العبد من نفسه) قال: وحدثنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن همدان بن مالك القطعي .. الحديث، فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

قال العراقي: رواه الحاكم من حديث جابر، وصححه بلفظ: منزلته ومنزلة الله. اهـ .

قلت: ورواه الدارقطني في الأفراد، وابن النجار من حديث أنس بلفظ: من أراد أن يعلم ما له عند الله -عز وجل- فلينظر ما لله -عز وجل- عنده، ورواه كذلك أبو نعيم من حديث أبي هريرة (وفي أخبار داود عليه السلام) : أوحى الله تعالى إلى داود: يا داود، (ما لأوليائي والهم بالدنيا، إن الهم) بالدنيا (يذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم) . نقله صاحب القوت، ورواه البيهقي في الشعب عن بشر بلفظ: يا داود، إنما خلقت الشهوات واللذات لضعفاء عبادي، أما الأبطال فما لهم وللشهوات واللذات؟! يا داود، فلا تعلقن قلبك بشيء منها، فأدنى ما أعاقبك به أن أسلب حلاوة حبي من قلبك، وقد تقدم، وفي لفظ آخر: (يا داود، إن محبتي من أوليائي أن يكونوا روحانيين، ولا يغتمون) إياك والغم، ولا تهتم بالخبز وأنت تريدني، كذا في القوت .

وقال في موضع آخر: وقد روينا في أخبار داود -عليه السلام-: إن الله -عز وجل- أوحى إليه: تزعم أنك منقطع إلي، وتدعي عشقي، وتسيء الظن بي، ألق كنفك بين يدي أكن أختار لك، فإن محبتي من عبادي أن يكونوا روحانيين لا يغتمون، مصابيح القلوب، كن وحدانيا العباد إلي، هنالك أرفع النور لك، شاهد المخلوقين ببدنك وقلبك، فإذا كنت كذلك قضيت ما عليك، وبقي ما علي ... في كلام نحوه قال في آخره: ولا تهتم بالخبز وأنت تريدني، آثر هواي على هواك، اغضب لي أشد مما تغضب لنفسك. وقد تقدم بعضه قريبا .

(وروي أن موسى -عليه السلام- قال: رب دلني على أمر فيه رضاك حتى أعمله. فأوحى الله إليه: إن رضائي في كرهك، وأنت لا تصبر على ما تكره. قال: يا رب دلني عليه. قال: فإن رضائي في رضاك بقضائي) نقله صاحب القوت، وقال القشيري: وقيل: قال موسى -عليه السلام-: إلهي، دلني على عمل إذا عملته رضيت عني. فقال: إنك لا تطيق ذلك. فخر موسى ساجدا متضرعا، فأوحى الله إليه: يا ابن عمران، إن رضائي في رضائك بقضائي. اهـ .

وقال صاحب القوت: وروينا هذا على وجه آخر: إن بني إسرائيل سألوا موسى -عليه السلام- فقالوا: لو علمنا في أي شيء رضا ربنا -عز وجل- لفعلناه. فأوحى الله إليه: قل لهم: رضائي أن ترضوا بقضائي. (وفي مناجاة موسى -عليه السلام-: يا رب، أي خلقك أحب إليك؟ قال: من إذا أخذت منه المحبوب سالمني. قال: فأي خلقك أنت عليه ساخط؟ قال: من يستخيرني في الأمر، فإذا قضيت له سخط قضائي) نقله صاحب القوت .

قال: (وقد روي ما هو أشد من ذلك) كله، (وهو: إن الله تعالى قال: أنا الله لا إله إلا أنا، من لم يصبر على بلائي، ولم يشكر نعمائي، ولم يرض بقضائي، فليتخذ ربا سوائي) . قال العراقي: رواه الطبراني في الكبير وابن حبان في الضعفاء من حديث أبي هند الداري مقتصرا على قوله: من لم يرض بقضائي، ويصبر على بلائي، فليلتمس ربا سوائي، وإسناده ضعيف. اهـ .

قلت: وكذلك رواه أبو نعيم في الصحابة، وابن عساكر، كلهم من طريق سعيد بن زياد بن فائد بن زياد بن أبي هند الداري، عن أبيه زياد كشداد عن أبيه فائد بالفاء عن أبيه زياد عن أبيه أبي هند قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول (يعني عن ربه) .. فساقه. قال الحافظ في الإصابة: فائد وولده ضعيفان، وروى الشيرازي في الألقاب من حديث علي: قال لي جبريل: قال الله -عز وجل-: يا محمد، من آمن بي ولم يؤمن بالقدر خيره وشره فليلتمس ربا غيري. وفيه محمد بن علاشة الكرماني. وروى البيهقي وابن النجار من حديث أنس قال الله -عز وجل-: من لم يرض بقضائي وقدري فليلتمس ربا غيري.

ورواه الخطيب بلفظ: من لم يرض بقضاء الله ويؤمن بقدر الله فليلتمس إلها غير الله -عز وجل- (ومثله في الشدة قوله تعالى فيما أخبر عنه نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال تعالى: قدرت المقادير، ودبرت التدبير، وأكملت الصنع، فمن رضي فله الرضا مني حتى يلقاني، ومن سخط فله السخط مني حتى يلقاني) . نقله صاحب القوت .

وقال العراقي: لم أجده بهذا اللفظ، وللطبراني في الأوسط من حديث أبي أمامة: خلق الله الخلق، وقضى القضية، وأخذ ميثاق النبيين ... الحديث، وإسناده ضعيف. اهـ. قلت: وتمام حديث أبي أمامة: وعرشه على الماء، فأخذ أهل اليمين بيمينه، وأخذ أهل الشمال بيده الأخرى، وكلتا يدي الرحمن يمين. فقال: يا أصحاب اليمين. فاستجابوا لله فقالوا: لبيك ربنا وسعديك. [ ص: 652 ] قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلي. قال: يا أصحاب الشمال. فاستجابوا لله، فقالوا: لبيك ربنا وسعديك. قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلي. فخلط بعضهم ببعض، فقال قائل منهم: رب لم خلطت بيننا؟ قال: لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. ثم ردهم في صلب آدم، فأهل الجنة أهلها، وأهل النار أهلها، قيل: يا رسول الله، فما الأعمال؟ قال: يعمل كل قوم بمنزلتهم. وهكذا رواه عبد بن حميد، والحكيم، والعقيلي، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، وقال صاحب القوت: وفي الخبر: أول ما كتب الله تعالى لموسى -عليه السلام-: إني أنا الله لا إله إلا أنا، من رضي بحكمي، واستسلم لقضائي، وصبر على بلائي، كتبته صديقا، وحشرته مع الصديقين يوم القيامة.

قلت: رواه الديلمي من حديث ابن عباس بلفظ: أول شيء كتبه الله في اللوح المحفوظ: بسم الله الرحمن الرحيم، إنه من استسلم لقضائي، ورضي بحكمي، وصبر على بلائي، بعثته يوم القيامة مع الصديقين. (وفي الخبر المشهور: يقول الله تعالى: خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يديه، وويل لمن خلقته للشر وأجريت الشر على يديه، وويل ثم ويل لمن قال: لم وكيف؟) كذا نقله صاحب القوت .

قال العراقي: رواه شاهين في شرح السنة من حديث أبي أمامة بسند ضعيف. اهـ .

قلت: وروى الطبراني من حديث ابن عباس: إن الله تعالى قال: أنا خلقت الخير والشر، فطوبى لمن قدرت على يديه الخير، وويل لمن قدرت على يديه الشر. (وفي الأخبار السالفة: إن نبيا من الأنبياء شكا إلى الله -عز وجل- الجوع والفقر والقمل عشر سنين، ما أجيب إلى ما أراد، ثم أوحى الله إليه: كم تشكو؟ هكذا كان بدؤك عندي في أم الكتاب قبل أن أخلق السموات والأرض، وهكذا سبق لك مني، وهكذا قضيت عليك قبل أن أخلق الدنيا، أفتريد أن أعيد الدنيا من أجلك؟ أم تريد أن أبدل ما قدرت عليه فيكون ما تحب فوق ما أحب؟ ويكون ما تريد فوق ما أريد؟ وعزتي وجلالي، لئن تلجلج في صدرك هذا مرة أخرى لأمحونك من ديوان النبوة) نقله صاحب القوت .

(وروي) في بعض الأخبار (أن آدم -عليه السلام- كان بعض أولاده الصغار يصعدون على بدنه وينزلون، يجعل أحدهم رجله على أضلاعه كهيئة الدرج فيصعد على رأسه، ثم ينزل على أضلاعه كذلك، وهو مطرق إلى الأرض لا ينطق ولا يرفع رأسه، فقال له بعض ولده: يا أبت، أما ترى ما يصنع هذا بك؟ لو نهيته عن هذا! فقال: يا بني، إني رأيت ما لم تروا، وعلمت ما لم تعلموا، إني تحركت حركة واحدة فأهبطت من دار الكرامة إلى دار الهوان، ومن دار النعيم إلى دار الشقاء، فأخاف أن أتحرك حركة أخرى فيصيبني ما لا أعلم) نقله صاحب القوت. قال: وروينا في بعض الأخبار أنه قال: إن الله تعالى ضمن لي إن حفظت لساني أن يردني إلى الدار التي أخرجني منها. (وقال أنس بن مالك) -رضي الله عنه- (خدمت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين، فما قال لي لشيء فعلته لم فعلته، ولا لشيء لم أفعله لم لا فعلته، ولا قال في شيء كان ليته لم يكن، ولا في شيء لم يكن ليته كان، وكان إذا خاصمني مخاصم من أهله يقول: دعوه، لو قضي شيء لكان) ولفظ القوت: خدمت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين، ليس كل امرئ كما يريد صاحبه، ما قال لي لشيء فعلته لم فعلته ... ثم ساقه، وفي آخره: وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: لو قضي شيء لكان. وفي بعض أخباره: وإن خاصمني مخاصم قال: دعوه، لو قضي شيء كان هذا. لفظ ثلاثة أحاديث، وهذا وصف الراضي الموقن بشهادته، وقد رويت لفظة مجملة في شيئين متضادين: ما بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة قضيت أو لم تقض إلا قال: لو قضي شيء كان. فهذا إذا كان اللفظ راجعا على الوصفين، فالمعنى فيما قضي أيضا، أي: لو قضي أن لا يقضي، فاستوى عنده في القضاء ما قضي؛ لأنه قد قضي أن يقضي، وما لم يقض؛ لأنه لم يسبق فيه القضاء، وقد يصلح في هذا الوجه أن لكل حاجة تقديرا من الوهم، فكأنها وإن قضيت إلا أنها غير ما تصور في وهمه، قال: لو قضي ذلك لكان، فإن كان اللفظ عائدا على ما لم يقض وحده؛ لأن ما قضي فقط ظهر وبان بلا مسألة، فيكون هذا بمعنى قوله في قصة ذي اليدين: كل ذلك لم يكن، وقد كان أحدهما، وهو [ ص: 653 ] النسيان، وهذا أيضا فيه لطيفة يحتملها التأويل، أن يريد كل ذلك بمجموعيهما لم يكن، فهذا يرجع بمعنى قوله فيما قضي لو قضي أن لا يقضى، كما أن ما لم يقض قد قضي أن يقضى، رجع القضاء عليهما، سواء كان -صلى الله عليه وسلم- يرضى بما قضي كيف قضي على ما تصوره الوهم، أو بخلافه ويرضى لما لم يقض؛ لأن القضاء فيهما سواء، فينبغي أن يكون الرضا بهما سواء، فبالنظر في هذه الدقائق والوقوف عندها رفع القدم عند الله تعالى إلى مقام المقربين، وبالتهاون بها والغفلة تعلقت القلوب، ففسدت حين لم يصلح للمحبة والرضا. اهـ .

وقول أنس المذكور: خدمت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ... إلخ، تقدم له في كتاب أخلاق النبوة بلفظ: والذي بعثه الحق، ما قال في شيء قط كرهه لم فعلته، ولا لامني أحد من أهله إلا قال: دعوه، إنما كان هذا بكتاب، قد روى الشيخان من حديث أنس: ما قال لشيء صنعته: لم صنعته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟

وروى أبو الشيخ في كتاب الأخلاق من حديث له فيه: ولا أمرني بأمر فتوانيت فيه فعاتبني عليه، فإن عاتبني أحد من أهله قال: دعوه، فلو قدر شيء كان. وفي رواية له كذا قضي، وروى الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديثه: دعوه، فإنه لو قضي شيء لكان. وعند الدارقطني في الأفراد، وأبي نعيم في الحلية: لو قضي كان، أو قدر كان. (ويروى) في بعض الأخبار (أن الله تعالى أوحى إلى داود -عليه السلام-: يا داود، تريد وأريد، وإنما يكون ما أريد) نقله صاحب القوت .

التالي السابق


الخدمات العلمية