إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وإذا عرفت طريق الفكر في نفسك فتفكر في الأرض التي هي مقرك ; ثم في أنهارها ، وجبالها ومعادنها ، ثم ارتفع منها إلى ملكوت السماوات . أما الأرض فمن آياته أن خلق الأرض فراشا ومهادا وسلك فيها سبلا فجاجا وجعلها ذلولا لتمشوا في مناكبها وجعلها قارة لا تتحرك وأرسى فيها الجبال أوتادا لها تمنعها من أن تميد ثم وسع أكنافها حتى عجز الآدميون عن بلوغ جميع جوانبها وإن طالت إعمارهم ، وكثر تطوافهم ، فقال تعالى : والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون والأرض فرشناها فنعم الماهدون ، وقال تعالى : هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها ، وقال تعالى الذي : جعل لكم الأرض فراشا وقد أكثر في كتابه العزيز من ذكر الأرض ليتفكر في عجائبها ; فظهرها مقر للأحياء وبطنها مرقد للأموات ، قال تعالى : ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا .

فانظر إلى الأرض وهي ميتة ، فإذا أنزل عليها الماء اهتزت ، وربت ، واخضرت ، وأنبتت عجائب النبات وخرجت منها أصناف الحيوانات . ثم انظر كيف أحكم جوانب الأرض بالجبال الراسيات ، الشوامخ ، الصم ، الصلاب وكيف أودع المياه تحتها ففجر العيون وأسال الأنهار تجري على وجهها وأخرج من الحجارة اليابسة ، ومن التراب الكدر ماء رقيقا عذبا ، صافيا ، زلالا وجعل به كل شيء حي فأخرج به فنون الأشجار والنبات ، من حب ، وعنب ، وقضب ، وزيتون ، ونخل ، ورمان ، وفواكه كثيرة لا تحصى ، مختلفة الأشكال ، والألوان ، والطعوم ، والصفات والأراييح ، يفضل بعضها على بعض في الأكل تسقى بماء واحد ، وتخرج من أرض واحدة .

فإن قلت إن اختلافها باختلاف بذورها وأصولها فمتى كان في النواة نخلة مطوقة بعناقيد الرطب ومتى ؟! كان في حبة واحدة سبع سنابل في كل سنبلة مائة ؟! ثم انظر إلى أرض البوادي ، وفتش ظاهرها وباطنها ، فتراها ترابا متشابها فإذا أنزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ألوانا مختلفة ، ونباتا متشابها وغير متشابه لكل واحد طعم وريح ولون وشكل يخالف الآخر فانظر إلى كثرتها واختلاف أصنافها ، وكثرة أشكالها ثم اختلاف طبائع النبات ، وكثرة منافعه وكيف . أودع الله تعالى العقاقير المنافع الغريبة ، فهذا النبات يغذي وهذا يقوي وهذا يحيي وهذا يقتل وهذا يبرد ، وهذا يسخن ، وهذا إذا حصل في المعدة قمع الصفراء من أعماق العروق وهذا يستحيل إلى الصفراء وهذا يقمع البلغم ، والسوداء ، وهذا يستحيل إليهما ، وهذا يصفى الدم وهذا يستحل دما وهذا يفرح وهذا ينوم وهذا يقوي ، وهذا يضعف . فلم تنبت من الأرض ورقة ، ولا تبنة ، إلا وفيها منافع لا يقوى البشر على الوقوف على كنهها وكل واحد من هذا النبات يحتاج الفلاح في تربيته إلى عمل مخصوص فالنخل تؤبر والكرم يكسح والزرع ينقى عنه الحشيش والدغل وبعض ذلك يستنبت ببث البذر في الأرض وبعضه بغرس الأغصان وبعضه يركب في الشجر . ولو أردنا أن نذكر اختلاف أجناس النبات وأنواعه ، ومنافعه ، وأحواله ، وعجائبه لا نقضت ، الأيام في وصف ذلك ، فيكفيك من كل جنس نبذة يسيرة تدلك على طريق الفكر فهذه عجائب النبات .


(وإذا عرفت طريق الفكر في نفسك فتفكر في الأرض التي هي مقرك; [ ص: 199 ] ثم في أنهارها، وبحارها، وجبالها، ومعادنها، ثم ارتفع منها إلى ملكوت السماء. أما الأرض فمن آياته ) الدالة على عظيم قدرته (أن خلق الأرض فراشا ) أي بساطا، وفرشها أي بسطها، فعال بمعنى مفعول، ككتاب بمعنى مكتوب، (ومهادا ) وهو بمعناه (وسلك فيها سبلا فجاجا ) أي طرقا واضحة واسعة (وجعلها ذلولا ) أي لينة منقادة (لتمشوا في مناكبها ) أي جوانبها (وجعلها قارة ) غير مضطربة (وأرسى فيها الجبال أوتادا تمنعها من أن تميد ) أي تتحرك وتضطرب (ثم وسع أكنافها حتى عجز الآدميون عن بلوغ جميع جوانبها ) على الاستيفاء (وإن طالت أعمارهم، وكثر تطوافهم، فقال تعالى: والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون والأرض فرشناها فنعم الماهدون ، وقال تعالى: هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها ، وقال تعالى: الذي جعل لكم الأرض فراشا ) ، وقال تعالى: وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا .

(وقد أكثر في كتابه العزيز من ذكر الأرض ) في مواضع متعددة (ليتفكر في عجائبها; فظهرها مقر الأحياء ) يستقرون عليه ببناء المساكن فيه (وبطنها مرقد الأموات، قال الله تعالى: ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا ) أي ذات كفت أي ضم وجمع، بضمهم أحياء على ظهورها، وأمواتا في بطونها، وأصل الكفت الضم، والكفات الموضع الذي يكفت فيه كل شيء. (فانظر إلى الأرض وهي ميتة، فإذا أنزل عليها الماء اهتزت، وربت، واخضرت، وأنبتت عجائب النبات ) قال الله تعالى: فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (وخرجت منها أصناف الحيوانات. ثم انظر كيف أحكم جوانب الأرض بالجبال الراسيات، الشوامخ، الصم، الصلاب ) قال الله تعالى: والجبال أرساها ، وقال تعالى: والجبال أوتادا ، (وكيف أودع المياه تحتها ففجر العيون ) قال الله تعالى: وفجرنا الأرض عيونا ، (وأسال الأنهار تجري على وجهها ) يمنة ويسرة (وأخرج من الحجارة اليابسة، ومن التراب الكدر ماء رقيقا، صافيا، زلالا ) عذبا (وجعل به كل شيء حي ) قال الله تعالى: وجعلنا من الماء كل شيء حي ، (فأخرج به فنون الأشجار والنبات، من حب، وعنب، وقضب، وزيتون، ونخل، ورمان، وفواكه كثيرة لا تحصى، مختلفة الأشكال، والألوان، والطعوم، والصفات، والأراييح ) جمع ريح على غير قياس، أو جمع الجمع (يفضل بعضها على بعض في الأكل تسقى بماء واحد، وتخرج من أرض واحدة ) قال الله تعالى: يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل . (فإن قلت إن اختلافها باختلاف بذورها وأصولها فمتى كان في النواة نخلة مطوفة بعناقيد الرطب؟! ) أم (متى كان في حبة واحدة سبع سنابل وفي كل سنبلة مائة حبة؟! ) كما ضرب الله به المثل .

(ثم انظر إلى أرض البوادي، وفتش ظاهرها وباطنها، فتراها ترابا متشابها ) يشبه بعضه بعضا (فإذا أنزل عليها الماء ) من السماء (اهتزت ) أي تحركت بالنبات عند وقوع الماء عليها (وربت ) أي زادت زيادة المربي أي المشرف (وأنبتت من كل زوج بهيج ) أي أنواع الأشجار والنبات (ألوانا مختلفة، ونباتا متشابها وغير متشابه لكل واحد طعم وريح ولون وشكل يخالف الآخر وانظر إلى كثرتها واختلاف أصنافها، وكثرة أشكالها ثم اختلاف طبائع النبات، وكثرة منافعه. و ) انظر (كيف أودع الله تعالى العقاقير المنافع الغريبة، فهذا النبات يغذي ) أي يقوم منزلة الغذاء للبدن (وهذا يقوي ) الأعضاء الرئيسة، والحواس (وهذا يحيي ) العليل، ويبرئه من مرضه (وهذا يقتل ) بسميته (وهذا يبرد، وهذا [ ص: 200 ] يسخن، وهذا إذا حصل في المعدة قمع الصفراء من أعماق العروق ) أي من أصولها (وهذا يستحيل إلى الصفراء ) في الحال (وهذا يقمع البلغم، والسوداء، وهذا يستحيل إليهما، وهذا يصفي الدم ) ويروقه (وهذا يستحيل دما ) خالصا (وهذا يفرح ) وينشط (وهذا ينوم ) ويسكن (وهذا يقوي، وهذا يضعف. فلم تنبت من الأرض ورقة، ولا تبنة، إلا وفيها منافع لا يقوى البشر على الوقوف على كنهها ) .

(وكل واحد من هذا النبات يحتاج الفلاح ) الذي يفلح الأرض ويشقها لاستنباته (في ترتيبه إلى عمل مخصوص ) في زمن مخصوص (فالنخيل تؤبر ) أي تلقح، قال أبو حاتم في كتاب "النخلة": إذا انشق الكافور قيل شقيق النخال، وهو حين يؤبر بالذكر فيؤتي بشماريخه فتنفض فيطير غبارها، وهو طحين شماريخ الفحال إلى شماريخ الأنثى، وذلك هو التلقيح. (والكرم يكسح ) أي يقطع، وينقى، ويقلم (والزرع ينقى عنه الحشيش ) الأجنبي (والدغل ) شبه الحالوم وغيره مما يفسده بقاؤه (وبعض ذلك يستنبت ببث البذر في الأرض ) أي رميه فيها (وبعضه بغرس الأغصان ) في الأرض (وبعضه يركب في الشجر. ولو أردنا أن نذكر اختلاف أجناس النبات، وأنواعه، ومنافعه، وأحواله، وعجائبه، لانقضت الأيام في وصف ذلك، فيكفيك من كل جنس نبذة يسيرة تدلك على طريق الفكر فهذه عجائب النبات ) .

ومن كلام أمير المؤمنين علي- رضي الله عنه- في صفة الأرض ودحوها على الماء: "كبس الأرض على مور أمواج مستفحلة، ولجج بحار زاخرة، تلتطم أواذي أمواجها، وتصطفق متقاذفات أثباجها، وترغو زبدا كالفحول عند هياجها، فخضع جماح الماء المتلاطم لثقل حملها، وسكن هيج ارتمائه إذ وطئته بكلكلها، وذل مستخزيا إذا تمعكت عليه بكواهلها، فأصبح بعد اصطحاب أمواجه ساجيا مقهورا، وفي حكمة الذل منقادا أسيرا، وسكنت الأرض مدحوة في لجة تيار، وردت من نخوة بأوه واعتلائه، وشموخ أنفه، وسمو غلوائه، وكعمته على كظة جريته، فهمد بعد نزقاته، ولبد بعد زيفان وثباته، فلما سكن هيج الماء من تحت أكنافها، وحمل شوامخ الجبال البذخ على أكتافها، فجر ينابيع العيون من عرانين أنوفها، وفرقها في سهوب بيدها وأخاديدها، وعدل حركاتها بالراسيات من جلاميدها، وذوات الشناخيب الشم من صنافيدها، فسكنت من الميدان برسوب الجبال في قطع أديمها، وتغلغلها متسربة في جوبات خياشيمها، وركوبها أعناق سهول الأرضين وجراثيمها، وفسح بين الجو وبينها، وأعد الهواء متنسما لساكنها، وأخرج إليها أهلها على تمام مرافقها، ثم لم يدع جرز الأرض التي تقصر مياه العيون عن روابيها، ولا تجد جوادل الأنهار ذريعة إلى بلوغها، حتى أنشأ لها ناشئة سحاب تحيي مواتها، وتستخرج نباتها، ألف غمامها بعد افتراق لمعه، وتباين فرعه، حتى إذا تمخضت لجة المزن فيه، والتمع برقه في كففه، ولم ينم وميضه في كنهور بابه، وتراكم سحابه، أرسله سحا متداركا، قد أسف هيدبه تمر به الجنوب درر أهاضيبه، ودفع شآبيبه، فلما ألقت السحاب برك بوانيها، وبعاع ما استقلت به من العبء المحمول عليها، أخرج به من هوامد الأرض النبات، ومن زعر الجبال الأعشاب، فهي تبهج بزينة رياضها، وتزدهي بما ألبسته من ريط أزاهيرها، وحلية ما سمطت به من ناضر أنوارها، وجعل ذلك بلاغا للأنام، ورزقا للأنعام، وخرق الفجاج في آفاقها، وأقام المنار للسالكين على جواد طرقها".

ومن كلامه- رضي الله عنه- : "وكان من اقتدار جبروته، وبديع لطائف صنعته، أن جعل من ماء البحر الزاخر المتراكم المتعاصف يبسا جامدا، ثم فطر منه أطباقا، ففتقها سبع سموات بعد ارتقاقها، فاستمسكت بأمره، وقامت على حده، يحملها الأخضر المثعنجر، والقمقام المسنجر، قد ذل لأمره، وأذعن لهيبته، ووقف الجاري منه لخشيته، وجبل جلاميدها ونشوز متونها وأطوارها، فأرساها في مراسيها، وألزمها قرارتها، فمضت رؤوسها في الهواء، ورست أصولها في الماء، فانهد جبالها عن سهولها، وأساخ قواعدها في متون أقطارها، ومواضع أنصابها، فأشهق قلالها، وأطال أنشازها، وجعلها للأرض عمادا، وأرزها فيها أوتادا، فسكنت عن حركتها من أن تميد بأهلها، أو تسيخ بحملها، أو تزول عن مواضعها، فسبحان من أمسكها بعد موجان مياهها، وأجمدها بعد رطوبة أكنافها، فجعلها لخلقه مهادا، وبسطها لهم فراشا، فوق بحر لجي راكد لا يجري، وقائم [ ص: 201 ] لا يسري، تكركره الرياح العواصف، وتمخضه الغمام الذوارف; إن في ذلك لعبرة لمن يخشى".

التالي السابق


الخدمات العلمية