غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

صفحة جزء
مطلب : لزكاة العلم طريقتان .

واعلم أن لزكاة العلم ونحوه طريقين :

أحدهما تعليمه للعالم فإن الله سبحانه وتعالى ينمي علمه بذلك ويزكيه .

والثاني : العمل به ، فإن العمل به أيضا ينميه ويكثره ، ويفتح لصاحبه أبوابه وخباياه .

وذكر الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين النووية في قوله صلى الله عليه وسلم { ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة } قال سلوك الطريق لالتماس العلم يدخل فيه سلوك الطريق الحقيقي وهو المشي بالأقدام إلى مجالس العلماء ، ويدخل فيه سلوك الطريق المعنوية المؤدية إلى حصول العلم ، مثل حفظه ودراسته ومذاكرته ومطالعته وكتابته والتفهم له ، ونحو ذلك من الطريق المعنوية التي يتوصل بها إلى العلم .

وقوله { سهل الله له به طريقا إلى الجنة } قد يراد بذلك أن الله يسهل له العلم الذي طلبه وسلك طريقه وييسره عليه ، فإن العلم طريق موصل إلى الجنة . وهذا كقوله تعالى { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } قاله بعض السلف . فهل من طالب علم فيعان عليه . وقد يراد أيضا أن الله ييسر لطالب العلم إذا قصد بطلبه وجه الله الانتفاع به والعمل بمقتضاه فيكون سببا لهدايته ولدخول الجنة بذلك . وقد ييسر لطالب العلم علوما أخر ينتفع بها وتكون موصلة إلى الجنة كما قيل : من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم .

وكما قيل : ثواب الحسنة الحسنة بعدها . وقد دل على ذلك { ويزيد الله الذين اهتدوا هدى } وقوله تعالى { والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم } .

وقد يدخل في ذلك أيضا تسهيل طريق الجنة الحسي يوم القيامة وهو الصراط وما قبله وما بعده من الأهوال فييسر ذلك على طالب العلم للانتفاع به [ ص: 51 ] فإن العلم يدل على الله من أقرب الطرق إليه ، فمن سلك طريقه ولم يعرج عنه وصل إلى الله وإلى الجنة من أقرب الطرق وأسهلها فسهلت عليه الطرق الموصلة إلى الجنة كلها في الدنيا والآخرة . انتهى .

وقد علمنا من قول الحافظ كما قيل من عمل بما علم إلخ أنه ليس بحديث وقد ذكره بعض العلماء على أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم كما في البيضاوي وغيره . وفي الآداب الكبرى للإمام العلامة ابن مفلح أن الإمام أحمد طيب الله ثراه ذكر عن يزيد بن هارون عن حميد الطويل عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { من عمل بما يعلم ورثه الله تعالى علم ما لم يعلم } قال أبو نعيم عقب ذلك : ذكر أحمد بن حنبل هذا الكلام عن بعض التابعين عن عيسى ابن مريم عليه السلام ، فوهم بعض الرواة أنه ذكره النبي صلى الله عليه وسلم .

وقول الناظم سأبذلها جهدي يحتمل أنه أراد سأبذل الأمانة جهدي كما قدمنا ، وجهدي مفعول مطلق معمول أو عامل محذوف أي بالغا في بذلها جهدي . ويحتمل على بعد أنه أراد سأبذل لها أي للأمانة في الحفظ والصيانة ووضعها في مواضعها جهدي . فعلى الأول يكون الجهد في بذلها ، وعلى الثاني الجهد مفعولا ثانيا ولكنه غير مراد . وبذل لا يتعدى إلى مفعولين بل : الوجه الأول ، والجهد الطاقة ويضم والمشقة ، واجهد جهدك ابلغ غايتك .

وجهد كمنع جد كاجتهد . وأفاد كلامه رحمه الله أن العلم عند العالم وديعة ومثل كلامه ما في ديباجة الإرشاد للإمام ابن أبي موسى . أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه وحفظ شرائعه . وقد علم ضرورة أن الوديعة يجب على المودع حفظها .

التالي السابق


الخدمات العلمية