غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

صفحة جزء
مطلب : الذل في نيل النفوس ما تشتهيه .

( وفي نيلها ) أي النفوس ( ما ) أي الذي ( تشتهي ) أي تشتهيه وتطلبه وتهواه من المحرمات ونحوها ( ذل سرمد ) أي طويل مستمر . قال في القاموس : السرمد الدائم والطويل من الليالي ، وذلك لأنه يدعو لما فيه غضب الله ورسوله ورضا الشيطان وجنوده ، فقد أغلق على نفسه باتباع هواه أبواب التوفيق وفتح عليه أبواب الخذلان .

قال الفضيل بن عياض رحمه الله ورضي عنه : من استحوذ عليه الهوى واتباع الشهوات انقطعت عنه مواد التوفيق .

وقال بعض العلماء : الكفر في أربعة أشياء : في الغضب ، والشهوة ، والرغبة ، والرهبة ، ثم قال : رأيت منهن اثنتين رجلا غضب فقتل أمه ، ورجلا عشق فتنصر .

وكان بعض السلف يطوف بالبيت فنظر إلى امرأة جميلة فمشى إلى جانبها ثم قال :

أهوى هوى الدين واللذات تعجبني فكيف لي بهوى اللذات والدين

؟ فقالت له المرأة : دع أحدهما تنل الآخر .

وفي روضة المحبين للإمام ابن القيم : لكل عبد بداية ونهاية ، فمن كانت بدايته اتباع الهوى كانت نهايته الذل والصغار والحرمان والبلاء المتبوع [ ص: 459 ] بحسب ما اتبع من هواه ، بل يصير له ذلك في نهايته عذابا يعذب به في قلبه كما قيل :

مآرب كانت في الشباب لأهلها     عذابا فصارت في المشيب عذابا

فلو تأملت حال كل ذي حال شينة زرية لرأيت بدايته الذهاب مع هواه وإيثاره على عقله . ومن كانت بدايته مخالفة هواه وطاعة داعي رشده كانت نهايته العز والشرف والغنى والجاه عند الله وعند الناس .

وقال أبو علي الدقاق : من ملك شهوته في حال شبيبته أعزه الله في حال كهوليته . وقيل للمهلب بن أبي صفرة : بم نلت ما نلت ؟ قال : بطاعة الحزم وعصيان الهوى . فهذا في بداية الدنيا ونهايتها ، وأما الآخرة فقد جعل الله سبحانه وتعالى الجنة نهاية من نهى نفسه عن هواه ، والنار نهاية من اتبع هواه .

وقال عبد الرحمن بن مهدي : رأيت سفيان الثوري في المنام فقلت ما فعل الله بك ؟ قال لم يكن إلا أن وضعت في لحدي حتى وقفت بين يدي الله تعالى فحاسبني حسابا يسيرا ثم أمر بي إلى الجنة ، فبينما أنا أدور بين أشجارها وأنهارها لا أسمع حسا ولا حركة إذ سمعت قائلا يقول سفيان بن سعيد ، فقال : تحفظ أنك آثرت الله على هواك يوما ؟ قلت : إي والله ، فأخذني النثار من كل جانب .

وعلى كل حال مخالفة الهوى توجب شرف الدين وشرف الآخرة وعز الظاهر وعز الباطن ، ومتابعته تضع العبد في الدنيا والآخرة ، وتذله في الباطن والظاهر .

وذكر شيخ مشايخنا بسنده عن محمد بن حماد عن الزبير :

إذا المرء أعطى نفسه كلما اشتهت     ولم ينهها تاقت إلى كل باطل
وساقت إليه الإثم والعار للذي     دعته إليه من حلاوة عاجل

ولأبي إسحاق الشيرازي في مثل ذلك : [ ص: 460 ]

إذا حدثتك النفس يوما بشهوة     وكان عليها للخلاف طريق
فخالف هواها ما استطعت فإنما     هواها عدو والخلاف صديق

{ وإذا جمع الله الناس في صعيد واحد نادى مناد ليعلمن أهل الجمع من أهل الكرم اليوم ألا ليقم المتقون ، فيقومون إلى محل الكرامة وأما المتبعون لهواهم ناكسو رءوسهم في الموقف في حر الهوى وعرقه وألمه وحرقه ، وأولئك في ظل عرش الرحمن لا حر ولا ذل ولا هوان } . فإذا علمت هذا .

التالي السابق


الخدمات العلمية