صفحة جزء
باب ما جاء في إقطاع المعادن [ ص: 370 ] عن ابن عباس قال : { أقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم بلال بن الحارث المزني معادن القبلية جلسيها وغوريها وحيث يصلح الزرع من قدس ، ولم يعطه حق مسلم } رواه أحمد وأبو داود ، وروياه أيضا من حديث عمرو بن عوف المزني )

2412 - ( وعن أبيض بن حمال : { أنه وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم استقطعه الملح ، فقطع له فلما أن ولى قال رجل من المجلس : أتدري ما أقطعت له ؟ إنما أقطعته الماء العد ، قال : فانتزعه منه قال : وسأله عما يحمى من الأراك ، فقال : ما لم تنله خفاف الإبل } رواه الترمذي وأبو داود وفي رواية له " أخفاف الإبل " قال محمد بن الحسن المخزومي : يعني : أن الإبل تأكل منتهى رءوسها ويحمى ما فوقه ) .

2413 - ( وعن بهيسة قالت : { استأذن أبي النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يدنو منه ويلتزمه ، ثم قال : يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه ؟ قال : الماء ، قال : يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه ؟ قال : الملح ، قال : يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه ؟ قال : أن تفعل الخير خير لك } رواه أحمد وأبو داود )


حديث ابن عباس في إسناده أبو أويس عبد الله بن عبد الله أخرج له مسلم في الشواهد وضعفه غير واحد قال أبو عمر : هو غريب من حديث ابن عباس ليس يرويه عن أبي أويس غير ثور وحديث عمرو بن عوف الذي أشار إليه المصنف في إسناده ابن ابنه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده ، وقد تقدم أنه لا يحتج بحديثه .

وحديث أبيض بن حمال أخرجه أيضا ابن ماجه والنسائي وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان وضعفه ابن القطان ، ولعل وجه التضعيف كونه في إسناده السبائي المازني قال ابن عدي : أحاديثه مظلمة منكرة .

وحديث بهيسة أعله عبد الحق وابن القطان بأنها لا تعرف وتعقب بأنه ذكرها ابن حبان وغيره في الصحابة ، ولحديثها شواهد قد تقدمت في كتاب الوديعة والعارية عند الكلام على حديث ابن مسعود في الماعون قوله : ( القبلية ) منسوبة إلى قبل بفتح القاف والموحدة : وهي ناحية من ساحل البحر بينها وبين المدينة خمسة أيام وفي رواية لأبي داود معادن القبلية وهي من ناحية الفرع ، وقد تقدم مثل [ ص: 371 ] هذا التفسير في باب ما جاء في الزرع والمعدن من كتاب الزكاة ; لأن حديث إقطاع بلال تقدم هنالك بلفظ غير ما هنا وقال في القاموس : والقبل محركة نشر من الأرض يستقبلك ، أو رأس كل أكمة أو جبل أو مجتمع رمل ، والمحجة : الواضحة ا هـ

قوله : ( جلسيها ) بفتح الجيم وسكون اللام وكسر السين المهملة بعدها ياء النسب ، والجلس : كل مرتفع من الأرض ، ويطلق على أرض نجد كما في القاموس قوله : ( وغوريها ) بفتح الغين المعجمة وسكون الواو وكسر الراء نسبة إلى غور قال في القاموس : إن الغور يطلق على ما بين ذات عرق إلى البحر وكل ما انحدر مغربا عن تهامة ، وموضع منخفض بين القدس وحوران مسيرة ثلاثة أيام في عرض فرسخين ، وموضع في ديار بني سليم ، وماء لبني العدوية ا هـ والمراد هاهنا المواضع المرتفعة والمنخفضة من معادن القبلية قوله : ( من قدس ) بضم القاف وسكون الدال المهملة بعدها سين مهملة : وهو جبل عظيم بنجد كما في القاموس

وقيل الموضع المرتفع الذي يصلح للزرع كما في النهاية قوله : ( العد ) بكسر العين المهملة وتشديد الدال المهملة أيضا قال في القاموس : الماء الذي له مادة لا تنقطع كماء العين ا هـ وجمعه أعداد ، وقيل العد : ما يجمع ويعد ، ورده الأزهري ورجح الأول وأحاديث الباب تدل على أنه يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن بعده من الأئمة إقطاع المعادن ، والمراد بالإقطاع : جعل بعض الأراضي الموات مختصة ببعض الأشخاص سواء كان ذلك معدنا أو أرضا لما سيأتي فيصير ذلك البعض أولى به من غيره ، ولكن بشرط أن يكون من الموات التي لا يختص بها أحد ، وهذا أمر متفق عليه

وقال في الفتح : حكى عياض أن الإقطاع تسويغ الإمام من مال الله شيئا لمن يراه أهلا لذلك ، وأكثر ما يستعمل في الأرض ، وهو أن يخرج منها لمن يراه ما يحوزه ، إما بأن يملكه إياه فيعمره ، وإما بأن يجعل له غلته مدة قال السبكي : والثاني هو الذي يسمى في زماننا هذا إقطاعا ، ولم أر أحدا من أصحابنا ذكره ، وتخريجه على طريق فقهي مشكل قال : والذي يظهر أنه يحصل للمقطع بذلك اختصاص كاختصاص المتحجر ولكنه لا يملك الرقبة بذلك ، وبهذا جزم الطبري وادعى الأذرعي نفي الخلاف في جواز تخصيص الإمام بعض الجند بغلة أرضه إذا كان مستحقا لذلك ، هكذا في الفتح

وحكى صاحب الفتح أيضا عن ابن التين أنه إنما يسمى إقطاعا إذا كان من أرض أو عقار ، وإنما يقطع من الفيء ولا يقطع من حق مسلم ولا معاهد قال : وقد يكون الإقطاع تمليكا وغير تمليك ، وعلى الثاني يحمل إقطاعه صلى الله عليه وسلم الدور بالمدينة قال الحافظ : كأنه يشير إلى ما أخرجه الشافعي مرسلا ، ووصله الطبري { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة أقطع الدور } ، يعني : أنزل المهاجرين في دور الأنصار برضاهم قوله : ( قال محمد بن الحسن . . . إلخ ) ذكر الخطابي [ ص: 372 ] فقال : إنما يحمى من الأراك ما بعد عن حضرة العمارة فلا تبلغه الإبل الرائحة إذا أرسلت في الرعي ا هـ

وحديث بهيسة يدل على أنه لا يحل منع الماء والملح ، وقد تقدم الكلام في الماء ، وأما الملح فظاهر الحديث عدم الفرق بين ما كان في معدنه أو قد انفصل عنه ، ولا فرق بين جميع أنواعه الصالحة للانتفاع بها

التالي السابق


الخدمات العلمية