صفحة جزء
باب النهي عن الطلاق في الحيض وفي الطهر بعد أن يجامعها ما لم يبن حملها 2847 - ( وعن ابن عمر : { أنه طلق امرأته وهي حائض ، فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : مره فليراجعها ، أو ليطلقها طاهرا أو حاملا } رواه الجماعة إلا البخاري .

وفي رواية عنه : { أنه طلق امرأة له وهي حائض ، فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم ، فتغيظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر ، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها ، فتلك العدة كما أمر الله تعالى } .

وفي لفظ : { فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء } رواه الجماعة إلا الترمذي ، فإن له منه إلى الأمر بالرجعة . ولمسلم والنسائي نحوه وفي آخره قال ابن عمرو : { قرأ النبي صلى الله عليه وسلم : { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن } في قبل عدتهن } وفي رواية متفق عليها : وكان عبد الله طلق تطليقة فحسبت من طلاقها .

وفي رواية : { كان ابن عمر إذا سئل عن ذلك قال لأحدهم : أما إن طلقت امرأتك مرة أو مرتين فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بهذا ، وإن كنت طلقت ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك وعصيت الله عز وجل فيما أمرك به من طلاق امرأتك } . رواه أحمد ومسلم والنسائي .

وفي رواية : { أنه طلق امرأته وهي حائض تطليقة ، فانطلق عمر فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : مر عبد الله فليراجعها ، فإذا اغتسلت فليتركها حتى تحيض ، فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسها حتى يطلقها ، وإن شاء أن يمسكها فليمسكها ، فإنها العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء } رواه الدارقطني )


( وفيه تنبيه على تحريم الوطء والطلاق قبل الغسل ) .

2848 - ( وعن عكرمة قال : ، قال ابن عباس : الطلاق على أربعة أوجه : وجهان [ ص: 264 ] حلال ، ووجهان حرام . فأما اللذان هما حلال فأن يطلق الرجل امرأته طاهرا من غير جماع ، أو يطلقها حاملا مستبينا حملها . وأما اللذان هما حرام فأن يطلقها حائضا ، أو يطلقها عند الجماع لا يدري اشتمل الرحم على ولد أم لا . رواه الدارقطني ) .

قوله : ( طلق امرأته ) اسمها آمنة بنت غفار ، كما حكاه جماعة منهم النووي وابن باطش : وغفار بكسر الغين المعجمة وتخفيف الفاء .

وفي مسند أحمد أن اسمها النوار

قوله : ( وهي حائض ) في رواية { وهي في دمها حائض } وفي أخرى للبيهقي { أنه طلقها في حيضها } . قوله : ( فذكر ذلك عمر ) قال ابن العربي : سؤال عمر محتمل لأن يكون ذلك لكونهم لم يروا قبلها مثلها فسأله ليعلم . ويحتمل أن يكون لما رأى في القرآن { فطلقوهن لعدتهن } ويحتمل أن يكون سمع من النبي صلى الله عليه وسلم النهي فجاء ليسأل عن الحكم بعد ذلك قوله : { مره فليراجعها } قال ابن دقيق العيد : يتعلق بذلك مسألة أصولية وهي أن الأمر بالأمر بالشيء هل هو أمر بذلك الشيء أو لا ؟ فإنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر : مره ، والمسألة معروفة في كتب الأصول والخلاف فيها مشهور . وقد ذكر الحافظ في الفتح أن من مثل بهذا الحديث لهذه المسألة فهو غالط فإن القرينة واضحة في أن عمر في هذه الكائنة كان مأمورا بالتبليغ ، ولهذا وقع في رواية أيوب عن نافع { فأمره أن يراجعها } إلى آخر كلام صاحب الفتح . وظاهر الأمر الوجوب فتكون مراجعة من طلقها زوجها على تلك الصفة واجبة . وقد ذهب إلى ذلك مالك وأحمد في رواية ، والمشهور عنه وهو قول الجمهور : الاستحباب فقط . قال في الفتح : واحتجوا بأن ابتداء النكاح لا يجب ، فاستدامته كذلك ، لكن صحح صاحب الهداية من الحنفية أنها واجبة . والحجة لمن قال بالوجوب ورود الأمر بها ولأن الطلاق لما كان محرما في الحيض كانت استدامة النكاح فيه واجبة .

واتفقوا على أنه لو طلق قبل الدخول وهي حائض لم يؤمر بالمراجعة إلا ما نقل عن زفر . وحكى ابن بطال وغيره الاتفاق إذا انقضت العدة أنه لا رجعة ، والاتفاق أيضا على أنه إذا طلقها في طهر قد مسها فيه لم يؤمر بالمراجعة . وتعقب الحافظ ذلك بثبوت الخلاف فيه كما حكاه الحناطي من الشافعية وجها .

قوله : ( ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا ) ظاهره جواز الطلاق حال الطهر ولو كان هو الذي يلي الحيضة التي طلقها فيها ، وبه قال أبو حنيفة ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد ، وأحد الوجهين عن الشافعية . وذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه والشافعية في الوجه الآخر وأبو يوسف ومحمد إلى المنع . وحكاه صاحب البحر عن القاسمية وأبي حنيفة وأصحابه وفيه نظر ، فإن الذي في كتب الحنفية هو ما ذكرناه من الجواز عن أبي حنيفة ، والمنع عن أبي يوسف ومحمد

واستدل القائلون بالجواز بظاهر الحديث وبأن المنع إنما كان لأجل الحيض ، فإذا طهرت زال موجب التحريم فجاز الطلاق [ ص: 265 ] في ذلك الطهر كما يجوز في غيره من الأطهار . واستدل المانعون بما في الرواية الثانية من حديث الباب المذكور بلفظ : { ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر . . . } إلخ وكذلك قوله في الرواية الأخرى : { مر عبد الله فليراجعها فإذا اغتسلت } . . . إلخ قوله : ( فتغيظ ) قال ابن دقيق العيد : تغيظ النبي صلى الله عليه وسلم إما لأن المعنى الذي يقتضي المنع كان ظاهرا فكان مقتضى الحال التثبت في ذلك ، أو لأنه كان مقتضى الحال مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك إذا عزم عليه . قوله : ( ثم يمسكها ) أي يستمر بها في عصمته حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ، وفي رواية للبخاري { ثم ليدعها حتى تطهر ثم تحيض حيضة أخرى ، فإذا طهرت فليطلقها } قال الشافعي : غير نافع إنما روى { حتى تطهر من الحيضة التي طلقها فيها ، ثم إن شاء أمسكها وإن شاء طلق } رواه يونس بن جبير وابن سيرين وسالم قال الحافظ : وهو كما قال : لكن رواية الزهري عن سالم موافقة لرواية نافع . وقد نبه على ذلك أبو داود ، والزيادة من الثقة مقبولة ولا سيما إذا كان حافظا .

وقد اختلف في الحكمة في الأمر بالإمساك كذلك ، فقال الشافعي : يحتمل أن يكون أراد بذلك : أي بما في رواية نافع أن يستبرئها بعد الحيضة التي طلقها فيها بطهر تام ثم حيض تام ليكون تطليقها وهي تعلم عدتها إما بحمل أو بحيض ، أو ليكون تطليقها بعد علمه بالحمل وهو غير جاهل بما صنع أو ليرغب في الحمل إذا انكشفت حاملا فيمسكها لأجله . وقيل : الحكمة في ذلك أن لا تصير الرجعة لغرض الطلاق ، فإذا أمسكها زمانا يحل له فيه طلاقها ظهرت فائدة الرجعة لأنه قد يطول مقامه معها فيجامعها فيذهب ما في نفسه فيمسكها .

قوله : ( قبل أن يمسها ) استدل بذلك على أن الطلاق في طهر جامع فيه حرام ، وبه صرح الجمهور ، وهل يجبر على الرجعة إذا طلقها في طهر وطئها فيه كما يجبر إذا طلقها حائضا ، قال بذلك بعض المالكية . والمشهور عندهم الإجبار إذا طلق في الحيض لا إذا طلق في طهر وطئ فيه . وقال داود : يجبر إذا طلقها حائضا لا إذا طلقها نفساء . قال في الفتح : واختلف الفقهاء في المراد بقوله : " طاهرا " هل المراد انقطاع دم . أو التطهر بالغسل ؟ على قولين وهما روايتان عن أحمد . والراجح الثاني لما أخرجه النسائي بلفظ : { مر عبد الله فليراجعها ، فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسها حتى يطلقها ، وإن شاء أن يمسكها فليمسكها } وهذا مفسر لقوله : " فإذا طهرت " فليحمل عليه ، وقد تمسك بقوله : { أو حاملا } من قال بأن طلاق الحامل سني وهم الجمهور .

وروي عن أحمد أنه ليس بسني .

قوله : ( فحسبت من طلاقها ) بضم الحاء المهملة من الحسبان . وفي لفظ للبخاري : { حسبت علي بتطليقة } . وأخرجه أبو نعيم كذلك ، وزاد : يعني حين طلق امرأته فسأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم وقد تمسك بذلك من قال بأن [ ص: 266 ] الطلاق البدعي يقع ، وهم الجمهور . وذهب الباقر والصادق وابن حزم ، وحكاه الخطابي عن الخوارج والروافض إلى أنه لا يقع . وحكاه ابن العربي وغيره عن ابن علية يعني إبراهيم بن إسماعيل بن علية وهو من فقهاء المعتزلة . قال ابن عبد البر : لا يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال . قال : وروي مثله عن بعض التابعين وهو شذوذ . وقد أجاب ابن حزم عن قول ابن عمر المذكور : بأنه لم يصرح بمن حسبها عليه ، ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم

وتعقب بأنه مثل قول الصحابة : أمرنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا ، فإنه في حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم . قال الحافظ : وعندي أنه لا ينبغي أن يجيء فيه الخلاف الذي في قول الصحابي : أمرنا بكذا ، فإن ذلك محله حيث يكون اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ليس تصريحا ، وليس كذلك في قصة ابن عمر هذه ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو الآمر بالمراجعة ، وهو المرشد لابن عمر فيما يفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك ، وإذا أخبر ابن عمر أن الذي وقع منه حسب عليه بتطليقة كان احتمال أن يكون الذي حسبها عليه غير النبي صلى الله عليه وسلم بعيدا جدا مع احتفاف القرائن في هذه القصة بذلك ، وكيف يتخيل أن ابن عمر يفعل في القصة شيئا برأيه وهو ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم تغيظ من صنعه حيث لم يشاوره فيما يفعل في القصة المذكورة . واستدل الجمهور أيضا بما أخرجه الدارقطني { عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : هي واحدة } قال في الفتح : وهذا نص في محل النزاع يجب المصير إليه ، وقد أورده بعض العلماء على ابن حزم فأجابه بأن قوله : " هي واحدة " لعله ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، فألزمه بأنه نقض أصله لأن الأصل لا يدفع بالاحتمال

وقد أجاب ابن القيم عن هذا الحديث بأنه لا يدري أقاله ، يعني قوله : " هي واحدة " ابن وهب ، من عنده أم ابن أبي ذئب أم نافع ؟ فلا يجوز أن يضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يتيقن أنه من كلامه . ولا يخفى أن هذا التجويز لا يدفع الظاهر المتبادل من الرفع ، ولو فتحنا باب دفع الأدلة بمثل هذا ما سلم لنا حديث ، فالأولى في الجواب المعارضة لذلك بما سيأتي . ومن حجج الجمهور ما أخرجه الدارقطني أيضا { أن عمر قال : يا رسول الله أفنحتسب بتلك التطليقة ؟ قال : نعم } ورجاله إلى شعبة ثقات كما قال الحافظ ، وشعبة رواه عن أنس بن سيرين عن ابن عمر . واحتج الجمهور أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم : " راجعها " فإن الرجعة لا تكون إلا بعد طلاق . وأجاب ابن القيم عن ذلك بأن الرجعة قد وقعت في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاثة معان : أحدها بمعنى النكاح ، قال الله تعالى : { فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا } ولا خلاف بين أحد من أهل العلم أن المطلق ههنا هو الزوج الثاني ، وأن التراجع بينها وبين الزوج الأول وذلك كابتداء النكاح

وثانيها : الرد الحسن إلى الحالة الأولى التي كانت عليها أولا كقوله صلى الله عليه وسلم لأبي النعمان بن بشير لما أنحل ابنه غلاما خصه [ ص: 267 ] به دون ولده : " أرجعه " أي رده ، فهذا رد ما لم تصح فيه الهبة الجائزة . والثالث الرجعة التي تكون بعد الطلاق . ولا يخفى أن الاحتمال يوجب سقوط الاستدلال ، ولكنه يؤيد حمل الرجعة هنا على الرجعة بعد الطلاق ما أخرجه الدارقطني عن ابن عمر " أن رجلا قال : إني طلقت امرأتي ألبتة وهي حائض ، فقال : عصيت ربك وفارقت امرأتك ، قال : { فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ابن عمر أن يراجع امرأته ، قال : إنه أمر ابن عمر أن يراجعها بطلاق بقي له ، وأنت لم تبق ما ترتجع به امرأتك }

قال الحافظ : وفي هذا السياق رد على من حمل الرجعة في قصة ابن عمر على المعنى اللغوي ، ولكنه لا يخفى أن هذا على فرض دلالته على ذلك لا يصلح للاحتجاج به لأن مجرد فهم ابن عمر لا يكون حجة . وقد تقرر أن معنى الرجعة لغة أعم من المعنى الاصطلاحي ، ولم يثبت أنه ثبت فيها حقيقة شرعية يتعين المصير إليها . ومن حجج القائلين بعدم الوقوع أثر ابن عباس المذكور في الباب . ولا حجة لهم في ذلك لأنه قول صحابي ليس بمرفوع . ومن جملة ما احتج به القائلون بعدم وقوع الطلاق البدعي ما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي عن ابن عمر بلفظ : { طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض ، قال عبد الله : فردها علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرها شيئا } .

قال الحافظ : وإسناد هذه الزيادة على شرط الصحيح وقد صرح ابن القيم وغيره بأن هذا الحديث صحيح لأنه رواه أبو داود عن أحمد بن صالح عن عبد الرزاق عن ابن جريج قال : أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عزة يسأل ابن عمر : كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضا ؟ فقال ابن عمر : { طلق ابن عمر امرأته حائضا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأل عمر عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن عبد الله طلق امرأته وهي حائض ، قال عبد الله : فردها علي ولم يرها شيئا } الحديث ، فهؤلاء رجال ثقات أئمة حفاظ ، وقد أخرجه أحمد عن روح بن عبادة عن ابن جريج فلم يتفرد به عبد الرزاق عن ابن جريج ، ولكنه قد أعل هذا الحديث بمخالفة أبي الزبير لسائر الحفاظ . قال أبو داود : روى هذا الحديث عن ابن عمر جماعة وأحاديثهم على خلاف ما قال أبو الزبير وقال ابن عبد البر : قوله : { ولم يرها شيئا } منكر ، لم يقله غير أبي الزبير وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله ، فكيف إذا خالفه من هو أوثق منه ؟ ولو صح فمعناه عندي والله أعلم : ولم يرها شيئا مستقيما لكونها لم تكن على السنة . وقال الخطابي : قال أهل الحديث : لم يرو أبو الزبير حديثا أنكر من هذا .

وقد يحتمل أن يكون معناه : ولم يرها شيئا تحرم معه المراجعة ، أو لم يرها شيئا جائزا في السنة ماضيا في الاختيار . وقد حكى البيهقي عن الشافعي نحو ذلك . ويجاب بأن أبا الزبير غير مدفوع في الحفظ والعدالة وإنما يخشى من تدليسه ، فإذا قال : سمعت أو حدثني زال ذلك ، وقد [ ص: 268 ] صرح هنا بالسماع وليس في الأحاديث الصحيحة ما يخالف حديث أبي الزبير حتى يصار إلى الترجيح ، ويقال : قد خالفه الأكثر ، بل غاية ما هناك الأمر بالمراجعة على فرض استلزامه لوقوع الطلاق وقد عرف اندفاع ذلك على أنه لو سلم ذلك الاستلزام لم يصلح لمعارضة النص الصريح ، أعني " ولم يرها شيئا " على أنه يؤيد رواية أبي الزبير ما أخرجه سعيد بن منصور من طريق عبد الله بن مالك عن { ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس ذلك بشيء } .

وقد روى ابن حزم في المحلى بسنده المتصل إلى ابن عمر من طريق عبد الوهاب الثقفي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر " أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض : لا يعتد بذلك " وهذا إسناد صحيح . وروى ابن عبد البر عن الشعبي أنه قال : " إذا طلق امرأته وهي حائض لم يعتد بها " في قول ابن عمر وقد روى زيادة أبي الزبير الحميدي في الجمع بين الصحيحين ، وقد التزم ألا يذكر فيه إلا ما كان صحيحا على شرطهما وقال ابن عبد البر في التمهيد : إنه تابع أبا الزبير على ذلك أربعة : عبد الله بن عمر ومحمد بن عبد العزيز بن أبي رواد ويحيى بن سليم وإبراهيم بن أبي حسنة ، ولا شك أن رواية عدم الاعتداد بتلك الطلقة أرجح من رواية الاعتداد المتقدمة ، فإذا صرنا إلى الترجيح بناء على تعذر الجمع فرواية عدم الاعتداد أرجح لما سلف .

ويمكن أن يجمع بما ذكره ابن عبد البر ومن معه كما تقدم . قال في الفتح : وهو متعين ، وهذا أولى من تغليط بعض الثقات ، وقد رجح ما ذهب إليه من قال بعدم الوقوع بمرجحات منها قوله تعالى: { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } والمطلق في حال الحيض أو الطهر الذي وطئ فيه لم يطلق لتلك العدة التي أمر الله بتطليق النساء لها كما صرح بذلك الحديث المذكور في الباب . وقد تقرر في الأصول أن الأمر بالشيء نهي عن ضده ، والمنهي عنه نهيا لذاته أو لجزئه أو لوصفه اللازم يقتضي الفساد ، والفاسد لا يثبت حكمه . ومنها قول الله تعالى : { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } ولا أقبح من التسريح الذي حرمه الله

ومنها قوله تعالى: { الطلاق مرتان } ولم يرد إلا المأذون ، فدل على أن ما عداه ليس بطلاق لما في هذا التركيب من الصيغة الصالحة للحصر ، أعني تعريف المسند إليه باللام الجنسية .

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : { من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد } وهو حديث صحيح شامل لكل مسألة مخالفة لما عليه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومسألة النزاع من هذا القبيل ، فإن الله لم يشرع هذا الطلاق ولا أذن فيه فليس من شرعه وأمره . وممن ذهب إلى هذا المذهب ، أعني عدم وقوع البدعي ، شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، وأطال الكلام عليها في الهدي ، والحافظ محمد بن إبراهيم الوزير وألف فيها رسالة طويلة في مقدار كراستين في [ ص: 269 ] القطع الكامل ، وقد جمعت فيها رسالة مختصرة مشتملة على الفوائد المذكورة في غيرها .

التالي السابق


الخدمات العلمية