صفحة جزء
كتاب الرجعة والإباحة للزوج الأول [ ص: 298 ] عن ابن عباس في قوله تعالى { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } الآية ، وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها ، وإن طلقها ثلاثا فنسخ ذلك { الطلاق مرتان } الآية رواه أبو داود والنسائي ) .

2884 - ( وعن عروة عن عائشة قالت : { كان الناس والرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة وإن طلقها مائة مرة أو أكثر حتى قال رجل لامرأته : والله لا أطلقك فتبيني مني ، ولا آويك أبدا ، قالت : وكيف ذلك ؟ قال : أطلقك ، فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك ، فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها فسكتت عائشة حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل القرآن { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } قالت عائشة : فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا من كان طلق ومن لم يكن طلق } . رواه الترمذي ، ورواه أيضا عن عروة مرسلا وذكر أنه أصح ) .


حديث ابن عباس في إسناده علي بن الحسين بن واقد وفيه مقال .

وحديث عائشة المرفوع من طريق قتيبة عن يعلى بن شعيب عن هشام بن عروة عن أبيه عنها ، والموقوف من طريق أبي كريب عن عبد الله بن إدريس عن هشام بن عروة عن أبيه ، ولم يذكر فيه عائشة . قال الترمذي : وهذا ، أصح من حديث يعلى بن شبيب . قوله تعالى { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } فسره مجاهد بالحيض والحمل . وأخرج الطبري عن طائفة أن المراد به : الحيض ، وعن ابن جرير : الحمل . والمقصود من الآية أن أمر العدة لما دار على الحيض والطهر والاطلاع على ذلك يقع من جهة النساء غالبا جعلت المرأة مؤتمنة على ذلك

وقال إسماعيل القاضي : دلت الآية أن المرأة المعتدة مؤتمنة على رحمها من الحمل والمحيض إلا أن تأتي من ذلك بما يعرف به كذبها فيه ، والمنسوخ من هذه الآية هو قوله تعالى { وبعولتهن أحق بردهن } فإن ظاهره أن للرجل مراجعة [ ص: 299 ] المرأة مطلقا سواء طلقها ثلاثا أو أكثر أو أقل ، فنسخ من ذلك مراجعة من طلقها زوجها ثلاثا فأكثر فإنه لا يحل له مراجعتها بعد ذلك . وأما إذا طلقها واحدة رجعية أو اثنتين كذلك فهو أحق برجعتها . قال في الفتح : وقد أجمعوا على أن الحر إذا طلق الحرة بعد الدخول بها تطليقة أو تطليقتين فهو أحق برجعتها ولو كرهت المرأة ذلك ، فإن لم يراجع حتى انقضت العدة فتصير أجنبية فلا تحل له إلا بنكاح مستأنف

واختلف السلف فيما يكون به الرجل مراجعا ، فقال الأوزاعي : إذا جامعها فقد راجعها . ومثله أيضا روي عن بعض التابعين ، وبه قال مالك وإسحاق : بشرط أن ينوي به الرجعة . وقال الكوفيون كالأوزاعي وزادوا : ولو لمسها لشهوة ، أو نظر إلى فرجها لشهوة . وقال الشافعي : لا تكون الرجعة إلا بالكلام . وحجة الشافعي أن الطلاق يزيل النكاح ، وإلى ذلك ذهب الإمام يحيى ، والظاهر ما ذهب إليه الأولون ، لأن العدة مدة خيار ، والاختيار يصح بالقول والفعل . وأيضا ظاهر قوله تعالى { وبعولتهن أحق بردهن } وقوله صلى الله عليه وسلم : { مره فليراجعها } أنها تجوز المراجعة بالفعل لأنه لم يخص قولا من فعل ، ومن ادعى الاختصاص فعليه الدليل . وقد حكى في البحر عن العترة ومالك أن الرجعة بالوطء ومقدماته محظورة وإن صحت ، ثم قال : قلت : إن لم ينو به الرجعة فنعم لعزمه على قبيح ، وإلا فلا لما مر . وقال أحمد بن حنبل : بل مباح لقوله تعالى: { إلا على أزواجهم } والرجعية زوجة بدليل صحة الإيلاء ، انتهى . وحديث عائشة فيه دليل على تحريم الضرار في الرجعة لأنه منهي عنه بعموم قوله تعالى { ولا تضاروهن } والمنهي عنه فاسد فسادا يرادف البطلان ، ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى { إن أرادوا إصلاحا } فكل رجعة لا يراد بها الإصلاح ليست برجعة شرعية . وقد دل الحديثان المذكوران في الباب على أن الرجل كان يملك من الطلاق لزوجته في صدر الإسلام الثلاث وما فوقها إلى ما لا نهاية له ثم نسخ الله الزيادة على الثلاث بالآية المذكورة . قوله : ( من كان طلق ) أي لم يعتد من ذلك الوقت بما قد وقع منه من الطلاق ، بل حكمه حكم من لم يطلق أصلا فيملك ثلاثا كما يملكها من لم يقع منه شيء من الطلاق

التالي السابق


الخدمات العلمية