صفحة جزء
أبواب الأيمان وكفارتها

باب الرجوع في الأيمان وغيرها من الكلام إلى النية

3798 - ( عن سويد بن حنظلة قال : { خرجنا نريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا وائل بن [ ص: 250 ] حجر ، فأخذه عدو له فتحرج القوم أن يحلفوا ، وحلفت أنه أخي فخلي عنه ، فأتينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ، فقال : أنت كنت أبرهم وأصدقهم صدقت ، المسلم أخو المسلم } رواه أحمد وابن ماجه .

وفي حديث الإسراء المتفق عليه { مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح } ) .

3799 - ( وعن أنس قال : { أقبل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو مردف أبا بكر ، وأبو بكر شيخ يعرف ونبي الله شاب لا يعرف ، قال : فيلقى الرجل أبا بكر فيقول : يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك ؟ فيقول : هذا الرجل يهديني السبيل ، فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق ، وإنما يعني سبيل الخير } رواه أحمد والبخاري ) .

3800 - ( وعن أبي هريرة قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يمينك على ما يصدقك به صاحبك } رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والترمذي .

وفي لفظ { اليمين على نية المستحلف } رواه مسلم وابن ماجه ، وهو محمول على المستحلف المظلوم ) .


حديث سويد بن حنظلة أخرجه أيضا أبو داود وسكت عنه ، ورجاله ثقات وله طرق ، وهو من رواية إبراهيم بن عبد الأعلى عن جدته عن سويد بن حنظلة ، وعزاه المنذري إلى مسلم فينظر في صحة ذلك . قال المنذري أيضا : وسويد بن حنظلة لم ينسب ولا يعرف له غير هذا الحديث انتهى وآخره الذي هو محل الحجة وهو قوله : { المسلم أخو المسلم } هو متفق عليه بلفظ { المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه } وكذلك حديث " انصر أخاك ظالما أو مظلوما " فإنه متفق عليه ، وليس المراد بهذه الأخوة إلا أخوة الإسلام ، فإن كل اتفاق بين شيئين يطلق بينهما اسم الأخوة ، ويشترك في ذلك الحر والعبد ، ويبر الحالف إذا حلف أن هذا المسلم أخوه ، ولا سيما إذا كان في ذلك قربة كما في حديث الباب ، ولهذا استحسن ذلك صلى الله عليه وسلم من الحالف وقال : { أنت كنت أبرهم وأصدقهم } ولهذا قيل : إن في المعاريض لمندوحة .

وقد أخرج ذلك البخاري في الأدب المفرد من طريق قتادة عن مطرف بن عبد الله عن عمران بن حصين . وأخرجه الطبري في التهذيب والطبراني في الكبير ، قال الحافظ : ورجاله ثقات . وأخرجه ابن عدي من وجه آخر عن قتادة مرفوعا ، ووهاه أبو بكر بن كامل في فوائده وأخرجه البيهقي في الشعب من طريقه [ ص: 251 ] كذلك . وأخرجه ابن عدي أيضا من حديث علي قال الحافظ : وسنده واه أيضا .

وأخرج البخاري في الأدب من طريق أبي عثمان النهدي عن عمر قال : أما في المعاريض ما يكفي المسلم من الكذب ، قال الجوهري : المعاريض : هي خلاف التصريح ، وهي التورية بالشيء عن الشيء ، وقال الراغب : التعريض له وجهان في صدق وكذب أو باطن وظاهر . والمندوحة : السعة ، وقد جعل البخاري في صحيحه هذه المقالة ترجمة باب فقال : باب المعاريض مندوحة . قال ابن بطال : ذهب مالك والجمهور إلى أن من أكره على يمين ، إن لم يحلفها قتل أخوه المسلم أنه لا حنث عليه

وقال الكوفيون : يحنث قوله : ( مرحبا بالأخ الصالح ) فيه دليل على صحة إطلاق الأخوة على بعض الأنبياء من بعض منهم والجهة الجامعة هي النبوة قوله : ( ونبي الله شاب ) فيه جواز إطلاق اسم الشاب على من كان في نحو الخمسين السنة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عند مهاجره قد كان مناهزا للخمسين إن لم يكن قد جاوزها ، وفي إثبات الشيخوخة لأبي بكر والشباب للنبي صلى الله عليه وسلم إشكال لأن أبا بكر أصغر من النبي صلى الله عليه وسلم فإنه عاش بعده ومات في السن التي مات فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمكن أن يقال : إن أبا بكر ظهرت عليه هيئة الشيخوخة من الشيب والنحول في ذلك الوقت والنبي صلى الله عليه وسلم لم يظهر عليه ذلك ، ولهذا وقع الخلاف بين الرواة في وجود الشيب فيه عند موته صلى الله عليه وسلم وفي هذا التعريض الواقع من أبي بكر غاية اللطافة قوله : ( على ما يصدقك به صاحبك ) فيه دليل على أن الاعتبار بقصد المحلف من غير فرق بين أن يكون المحلف هو الحاكم أو الغريم ، وبين أن يكون المحلف ظالما أو مظلوما صادقا أو كاذبا ، وقيل هو مقيد بصدق المحلف فيما ادعاه ، أما لو كان كاذبا كان الاعتبار بنية الحالف

وقد ذهبت الشافعية إلى أن تخصيص الحديث بكون المحلف هو الحاكم ، ولفظ صاحبك في الحديث يرد عليهم ، وكذلك ما ثبت في رواية لمسلم بلفظ { اليمين على نية المستحلف } قال النووي : أما إذا حلف بغير استحلاف وورى فتنفعه التورية ولا يحنث سواء حلف ابتداء من غير تحليف أو حلفه غير القاضي أو غير نائبه في ذلك . ولا اعتبار بنية المستحلف بكسر اللام غير القاضي

وحاصله أن اليمين على نية الحالف في كل الأحوال إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى توجهت عليه . قال : والتورية وإن كان لا يحنث بها فلا يجوز فعلها حيث يبطل بها حق المستحلف ، وهذا مجمع عليه انتهى

وقد حكى القاضي عياض الإجماع على أن الحالف من غير استحلاف ومن غير تعلق حق بيمينه له نيته ويقبل قوله ، وأما إذا كان لغيره حق عليه فلا خلاف أنه يحكم عليه بظاهر يمينه سواء حلف متبرعا أو باستحلاف انتهى ملخصا . وإذا صح الإجماع على خلاف ما يقضي به ظاهر الحديث [ ص: 252 ] كان الاعتماد عليه ويمكن التمسك لذلك بحديث سويد بن حنظلة المذكور في الباب ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حكم له بالبر في يمينه مع أنه لا يكون بارا إلا باعتبار نية نفسه لأنه قصد الأخوة المجازية ، والمستحلف له قصد الأخوة الحقيقية ، ولعل هذا هو مستند الإجماع

التالي السابق


الخدمات العلمية