صفحة جزء
باب حجة من لم يكفر تارك الصلاة ولم يقطع عليه بخلود في النار ورجا له ما يرجى لأهل الكبائر

404 - ( عن ابن محيريز أن رجلا من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلا بالشام يدعى أبا محمد يقول : إن الوتر واجب ، قال المخدجي فرحت إلى عبادة بن الصامت فأخبرته ، فقال عبادة : كذب أبو محمد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { خمس صلوات كتبهن الله على العباد ، من أتى بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد ، إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له } رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه ، وقال فيه : " ومن جاء بهن قد انتقص منهن شيئا استخفافا بحقهن " ) .


الحديث أخرجه أيضا مالك في الموطأ وابن حبان وابن السكن . قال ابن عبد البر : هو صحيح ثابت لم يختلف عن مالك فيه ، ثم قال : والمخدجي مجهول لا يعرف إلا بهذا الحديث . قال الشيخ تقي الدين القشيري : انظر إلى تصحيحه لحديثه مع حكمه بأنه مجهول ، قد ذكره ابن حبان في الثقات ، ولحديثه شاهد من حديث أبي قتادة عند ابن [ ص: 365 ] ماجه ، ومن حديث كعب بن عجرة عند أحمد . ورواه أبو داود أيضا عن الصنابحي قال : ( زعم أبو محمد أن الوتر واجب ، فقال عبادة بن الصامت ) وساق الحديث . والمخدجي المذكور في هذا الإسناد هو بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة ثم جيم بعدها ياء النسب ، قيل : اسمه رفيع . وأبو محمد المذكور هو مسعود بن أوس بن زيد بن أصرم بن زيد بن ثعلبة بن عثمان بن مالك بن النجار . وقيل : مسعود بن زيد بن سبيع يعد في الشاميين ، وقد عده الواقدي وطائفة من البدريين ، ولم يذكره ابن إسحاق فيهم ، وذكره جماعة في الصحابة .

وقول عبادة : ( كذب أبو محمد ) أي أخطأ ، ولا يجوز أن يراد به حقيقة الكذب ; لأنه في الفتوى ، ولا يقال لمن أخطأ في فتواه كذب . وأيضا قد ورد في الحديث ما يشهد لما قاله كحديث : { الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا } عند أبي داود من حديث بريدة وغيره من الأحاديث ، وسيأتي بسط الكلام على ذلك في باب أن الوتر سنة مؤكدة إن شاء الله تعالى .

والحديث ساقه المصنف للاستدلال به على عدم كفر من ترك الصلاة وعدم استحقاقه للخلود في النار لقوله : ( إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له ) وقد عرفناك في الباب الأول أن الكفر أنواع : منها ما لا ينافي المغفرة ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التي سماها الشارع كفرا ، وهو يدل على عدم استحقاق كل تارك للصلاة للتخليد في النار قوله : ( استخفافا بحقهن ) هو قيد للمنفي لا للنفي قوله : ( كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ) فيه متمسك للمرجئة القائلين بأن الذنوب لا تضر من حافظ على الصلوات المكتوبة ، وهو مقيد بعدم المانع كأحاديث من قال لا إله إلا الله ونحوها لورود النصوص الصريحة كتابا وسنة بذكر ذنوب موجبة للعذاب كدم المسلم وماله وعرضه وغيره ذلك مما يكثر تعداده .

405 - ( وعن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة ، فإن أتمها وإلا قيل : انظروا هل له من تطوع ؟ فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه ، ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك } رواه الخمسة ) . الحديث أخرجه أبو داود من ثلاث طرق : طريقتين متصلتين بأبي هريرة والطريق الثالثة بتميم الداري ، وكلها لا مطعن فيها ، ولم يتكلم عليه هو ولا المنذري بما يوجب ضعفه . وأخرجه النسائي من طريق إسنادها جيد ، ورجالها رجال الصحيح كما قال العراقي وصححها [ ص: 366 ] ابن القطان . وأخرج الحديث الحاكم في المستدرك وقال : هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه .

وفي الباب عن تميم الداري عند أبي داود وابن ماجه بنحو حديث أبي هريرة ، قال العراقي وإسناده صحيح ، وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال : إسناده صحيح على شرط مسلم وعن أنس عند الطبراني في الأوسط . وعن أبي سعيد قال العراقي : رويناه في الطبوريات في انتخاب السلفي منها ، وفي إسناده حصين بن مخارق ، نسبه الدارقطني إلى الوضع وعن صحابي لم يسم عند أحمد في المسند . والحديث يدل على أن ما لحق الفرائض من النقص كملته النوافل . وأورده المصنف في حجج من قال بعدم الكفر ; لأن نقصان الفرائض أعم من أن يكون نقصا في الذات وهو ترك بعضها ، أو في الصفة وهو عدم استيفاء أذكارها أو أركانها وجبرانها بالنوافل ، مشعر بأنها مقبولة مثاب عليها والكفر ينافي ذلك . وقد عرفت الكلام على ذلك فيما سلف ، ثم أورد من الأدلة ما يعتضد به قول من لم يكفر تارك الصلاة وعقبه بتأويل لفظ الكفر الواقع في الأحاديث فقال :

406 - ( ويعضد هذا المذهب عمومات . منها ما روي عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، والجنة والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل } متفق عليه ) .

407 - ( وعن أنس بن مالك { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ومعاذ رديفه على الرحل : يا معاذ ، قال : لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثا ، ثم قال : ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، إلا حرمه الله على النار ، قال : يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا ؟ قال : إذن يتكلوا ; فأخبر بها معاذ عند موته تأثما : أي خوفا من الإثم بترك الخبر به } متفق عليه ) .

408 - ( وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لكل نبي دعوة مستجابة ، فتعجل كل نبي دعوته ، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا } رواه مسلم ) . [ ص: 367 ]

409 - ( وعنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه } رواه البخاري ، وقد حملوا أحاديث التكفير على كفر النعمة أو على معنى قد قارب الكفر ، وقد جاءت أحاديث في غير الصلاة أريد بها ذلك ) .

410 - ( فروى ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر } متفق عليه ) . .

411 - ( وعن أبي ذر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر ، ومن ادعى ما ليس له فليس منا ، وليتبوأ مقعده من النار } متفق عليه ) .

412 - ( وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { اثنتان في الناس هما بهم كفر : الطعن في النسب ، والنياحة على الميت } رواه أحمد ومسلم ) .

413 - ( وعن ابن عمر قال { كان عمر يحلف وأبي ، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال : من حلف بشيء دون الله فقد أشرك } رواه أحمد ) .

414 - ( وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { مدمن الخمر إن مات لقي الله كعابد وثن } رواه أحمد ) انتهى كلام المصنف . وأقول : قد أطبق أئمة المسلمين من السلف والخلف والأشعرية والمعتزلة وغيرهم أن الأحاديث الواردة بأن من قال ( لا إله إلا الله دخل الجنة ) مقيدة بعدم الإخلال بما أوجب الله من سائر الفرائض وعدم فعل كبيرة من الكبائر التي لم يتب فاعلها عنها ، وأن مجرد الشهادة لا يكون موجبا لدخول الجنة فلا يكون حجة على المطلوب ، ولكنهم اختلفوا في خلود من أخل بشيء من الواجبات أو قارف شيئا من المحرمات في النار مع تكلمه بكلمة الشهادة وعدم التوبة عن ذلك ، فالمعتزلة جزموا بالخلود ، والأشعرية قالوا : يعذب في النار ثم ينقل إلى الجنة .

وكذلك اختلفوا في دخوله تحت المشيئة ، فالأشعرية وغيرهم [ ص: 368 ] قالوا بدخوله تحتها ، والمعتزلة منعت من ذلك وقالوا : لا يجوز على الله المغفرة لفاعل الكبيرة مع عدم التوبة عنها . وهذه المسائل محلها علم الكلام ، وإنما ذكرنا هذا للتعريف بإجماع المسلمين على أن هذه الأحاديث مقيدة بعدم المانع ، ولهذا أولها السلف فحكي عن جماعة منهم ابن المسيب أن هذا كان قبل نزول الفرائض والأمر والنهي ، ورد بأن راوي بعض هذه الأحاديث أبو هريرة وهو متأخر الإسلام أسلم عام خيبر سنة سبع بالاتفاق وكانت إذ ذاك أحكام الشريعة مستقرة من الصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها .

وحكى النووي عن بعضهم أنه قال : هي مجملة تحتاج إلى شرح ومعناه : من قال الكلمة وأدى حقها وفريضتها ، قال : وهذا قول الحسن البصري . وقال البخاري : إن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك ، ذكره في كتاب اللباس . وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح أنه يجوز أن يكون ذلك : أعني الاختصار على كلمة الشهادة في سببية دخول الجنة اقتصار من بعض الرواة لا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل مجيئه تاما في رواية غيره ، ويجوز أن يكون اختصارا من الرسول صلى الله عليه وسلم فيما خاطب به الكفار عبدة الأوثان الذين كان توحيدهم بالله تعالى مصحوبا بسائر ما يتوقف عليه الإسلام ومستلزما له ، والكافر إذا كان لا يقر بالوحدانية كالوثني والثنوي وقال لا إله إلا الله وحاله الحال التي حكيناها حكم بإسلامه . قال النووي : ويمكن الجمع بين الأدلة بأن يقال المراد باستحقاقه الجنة أنه لا بد من دخولها لكل موحد إما معجلا معافى وإما مؤخرا بعد عقابه ، والمراد بتحريم النار تحريم الخلود . وحكي ذلك عن القاضي عياض وقال : إنه في نهاية الحسن ، ولا بد من المصير إلى التأويل لما ورد في نصوص الكتاب والسنة بذكر كثير من الواجبات الشرعية ، والتصريح بأن تركها موجب للنار . وكذلك ورود النصوص بذكر كثير من المحرمات وتوعد فاعلها بالنار . وأما الأحاديث التي أوردها المصنف في تأييد ما ذكره من التأويل فالنزاع كالنزاع في إطلاق الكفر على تارك الصلاة ، وقد عرفناك أن سبب الوقوع في مضيق التأويل توهم الملازمة بين الكفر وعدم المغفرة ، وليس بكلية كما عرفت ، وانتفاء كليتها يريحك من تأويل ما ورد في كثير من الأحاديث

منها ما ذكره المصنف ، ومنها ما ثبت في الصحيح بلفظ : { لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض } وحديث : { أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم } وحديث { أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب ، وأما من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب } وحديث { من قال لأخيه : يا كافر فقد باء بها } وكل هذه الأحاديث في الصحيح .

وقد ورد من هذا الجنس أشياء كثيرة ، ونقول : من سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم كافرا سميناه كافرا [ ص: 369 ] ولا نزيد على هذا المقدار ولا نتأول بشيء منها لعدم الملجئ إلى ذلك .

التالي السابق


الخدمات العلمية