صفحة جزء
[ ص: 96 ] كتاب اللباس

باب تحريم لبس الحرير والذهب على الرجال دون النساء

544 - عن عمر قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : { لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة } .

545 - ( عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة } . متفق عليهما ) .


الحديثان يدلان على تحريم لبس الحرير ما في الأول من النهي الذي يقتضي بحقيقته التحريم ، وتعليل ذلك بأن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ، والظاهر أنه كناية عن عدم دخول الجنة ، وقد قال الله تعالى في أهل الجنة : { ولباسهم فيها حرير } فمن لبسه في الدنيا لم يدخل الجنة ، روى ذلك النسائي عن ابن الزبير وأخرج النسائي عن ابن عمر أنه قال : " والله لا يدخل الجنة " وذكر الآية وأخرج النسائي والحاكم عن أبي سعيد أنه قال : " وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه " . ويدل على ذلك أيضا حديث ابن عمر عند الشيخين بلفظ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة } والخلاق كما في كتب اللغة وشروح الحديث : النصيب أي من لا نصيب له في الآخرة ، وهكذا إذا فسر بمن لا حرمة له ، أو من لا دين له كما قيل . وهكذا حديث ابن عمر عند الستة إلا الترمذي بلفظ : أنه { رأى عمر حلة من إستبرق تباع فأتى بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ابتع هذه فتجمل بها للعيد والوفود ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما هذه لباس من لا خلاق له ، ثم لبث عمر ما شاء الله أن يلبث ، فأرسل إليه صلى الله عليه وسلم بجبة ديباج ، فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله قلت : إنما هذه لباس من لا خلاق له ثم أرسلت إلي بهذه فقال صلى الله عليه وسلم : إني لم أرسلها إليك لتلبسها ولكن لتبيعها وتصيب بها حاجتك } . ومن أدلة التحريم حديث عقبة بن عامر السابق في الباب الذي قبل هذا الكتاب فإن قوله : { لا ينبغي هذا للمتقين } إرشاد إلى أن لابس الحرير ليس من زمرة المتقين . وقد علم وجوب الكون منهم . ومن ذلك ما عند البخاري بلفظ : { الذهب والفضة والحرير والديباج لهم في الدنيا ولكم في الآخرة } . ومن ذلك حديث أبي موسى وعلي وحذيفة وعمر وأبي عامر وسيأتي وإذا لم تفد هذه الأدلة التحريم فما في الدنيا محرم . وأما معارضتها بما سيأتي فستعرف ما عليه . وقد أجمع المسلمون على التحريم ذكر [ ص: 97 ] ذلك المهدي في البحر ، وقد نسب فيه الخلاف في التحريم إلى ابن علية وقال : إنه انعقد الإجماع بعده على التحريم . وقال القاضي عياض : حكي عن قوم إباحته ، وقال أبو داود : إنه لبس الحرير عشرون نفسا من الصحابة أو أكثرهم ، منهم أنس والبراء بن عازب ووقع الإجماع على أن التحريم مختص بالرجال دون النساء ، وخالف في ذلك ابن الزبير مستدلا بعموم الأحاديث ، ولعله لم يبلغه المخصص الذي سيأتي .

وقد استدل من جوز لبس الحرير بأدلة منها حديث عقبة بن عامر المتقدم في الباب الذي قبل الكتاب ، وقد عرفت الجواب عن ذلك فيما سلف . ومنها حديث أسماء بنت أبي بكر في الجبة التي كان يلبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيأتي في باب إباحة اليسير من الحرير وسنذكر الجواب عنه هنالك . ومنها حديث المسور بن مخرمة عند الشيخين { أنها قدمت للنبي صلى الله عليه وسلم أقبية فذهب هو وأبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لشيء منها فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وعليه قبا من ديباج مزرور ، فقال : يا مخرمة خبأنا لك هذا وجعل يريه محاسنه ، وقال : أرضي مخرمة } . والجواب أن هذا فعل لا ظاهر له ، والأقوال صريحة في التحريم ، على أنه لا نزاع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس الحرير ، ثم كان التحريم آخر الأمرين كما يشعر بذلك حديث جابر المتقدم . ومنها حديث عبد الله بن سعد عن أبيه وسيأتي في باب ما جاء في لبس الحرير ، وسنذكر الجواب عنه هنالك .

ومنها ما تقدم من لبس جماعة من الصحابة له ، وسيأتي الجواب عليه في باب ما جاء في لبس الخز . ومنها { أنه صلى الله عليه وسلم لبس مستقة من سندس أهداها له ملك الروم ثم بعث بها إلى جعفر فلبسها ثم جاءه فقال : إني لم أعطكها لتلبسها ، قال : فما أصنع ؟ قال : أرسل بها إلى أخيك النجاشي } أخرجه أبو داود . والجواب عن الاحتجاج بلبسه صلى الله عليه وسلم مثل ما تقدم في الجواب عن حديث مخرمة . وأما عن الاحتجاج بأمره صلى الله عليه وسلم لجعفر أن يبعث بها للنجاشي فالجواب عنه كالجواب الذي سيأتي في شرح حديث لبسه صلى الله عليه وسلم للخز ، على أن الحديث غير صالح للاحتجاج ، لأن في إسناده علي بن زيد بن جدعان ولا يحتج بحديثه ، ويمكن أن يقال : إن لبسه صلى الله عليه وسلم لقباء الديباج وتقسيمه للأقبية بين أصحابه ليس فيه ما يدل على أنه متقدم على أحاديث النهي ، كما أنه ليس فيها ما يدل على أنها متأخرة عنه ، فيكون قرينة صارفة للنهي إلى الكراهة ، ويكون ذلك جمعا بين الأدلة ، ومن مقويات هذا ما تقدم أنه لبسه عشرون صحابيا ، ويبعد كل البعد أن يقدموا على ما هو محرم في الشريعة ، ويبعد أيضا أن يسكت عنهم سائر الصحابة وهم يعلمون تحريمه فقد كانوا ينكرون على بعضهم بعضا ما هو أخف من هذا .

وقد اختلفوا في الصغار أيضا هل يحرم إلباسهم الحرير أم لا ؟ فذهب الأكثر إلى التحريم ، قالوا : لأن قوله " على ذكور أمتي " كما في الحديث الآتي يعمهم . ولحديث [ ص: 98 ] ثوبان عند أبي داود { أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم من غزاة ، وكان لا يقدم إلا بدأ حين يقدم ببيت فاطمة ، فوجدها قد علقت سترا على بابها وحلت الحسنين بقلبين من فضة فتقدم فلم يدخل عليها فظنت أنه إنما منعه أن يدخل ما رأى فهتكت الستر وفكت القلبين عن الصبيين فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكيان فأخذه منهما وقال : يا ثوبان اذهب بهذا إلى آل فلان } الحديث . وهذا وإن كان واردا في الحلية ولكنه مشعر بأن حكمهم حكم المكلفين فيها فيكون حكمهم في لبس الحرير كذلك .

ويمكن أن يجاب عن هذا بأن في آخر الحديث ما يشعر بعدم التحريم فإنه قال : { نحن أهل بيت لا نستغرق طيباتنا في حياتنا الدنيا } أو كما قال . وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : { عليكم بالفضة فالعبوا بها كيف شئتم } والصغار غير مكلفين إنما التكليف على الكبار ، وقد روي أن إسماعيل بن عبد الرحمن دخل على عمر وعليه قميص من حرير وسواران من ذهب فشق القميص وفك السوارين ، وقال : اذهب إلى أمك . وقال محمد بن الحسن : إنه يجوز إلباسهم الحرير ، وقال أصحاب الشافعي : يجوز في يوم العيد ; لأنه لا تكليف عليهم وفي جواز إلباسهم ذلك في باقي السنة ثلاثة أوجه : أصحها جوازه ، والثاني تحريمه ، والثالث يحرم بعد سن التمييز . واختلفوا في المقدار الذي يستثنى من الحرير للرجال وسيأتي الكلام عليه .

546 - ( وعن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي وحرم على ذكورها } . رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه ) . الحديث أيضا أخرجه أبو داود والحاكم وصححه والطبراني ، وفي إسناده سعيد بن أبي هند عن أبي موسى ، قال أبو حاتم : إنه لم يلقه ، وقال الدارقطني في العلل : لم يسمع سعيد بن أبي هند من أبي موسى .

وقال ابن حبان في صحيحه : حديث سعيد بن أبي هند عن أبي موسى معلول لا يصح ، والحديث قد صححه الترمذي ، كما ذكره المصنف ، وصححه أيضا ابن حزم كما ذكر الحافظ . وقد روي من طريق يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ، ذكر ذلك الدارقطني في العلل ، قال : والصحيح عن نافع عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى . وقد اختلف فيه على نافع فرواه أيوب وعبيد الله بن عمر عن نافع عن سعيد مثله ، ورواه عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن سعيد عن رجل عن أبي موسى .

وفي الباب عن علي بن أبي طالب عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان بلفظ { أخذ النبي صلى الله عليه وسلم حريرا فجعله في يمينه وأخذ ذهبا فجعله في شماله ثم قال : إن هذين حرام على ذكور أمتي } زاد ابن ماجه " حل لإناثهم " وبين [ ص: 99 ] النسائي الاختلاف فيه على يزيد بن أبي حبيب . قال الحافظ : وهو اختلاف لا يضر ، ونقل عبد الحق عن علي بن المديني أنه قال : حديث حسن ، ورجاله معروفون ، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه على زيد بن أبي حبيب ، ورجح النسائي رواية ابن المبارك عن الليث عن يزيد عن ابن أبي الصعبة عن رجل من همدان يقال له أفلح عن عبد الله بن زرير عن علي عليه السلام قال الحافظ : الصواب أبو أفلح .

وقد أعله ابن القطان بجهالة حال رواته ما بين يزيد بن أبي حبيب وعلي فأما عبد الله بن زرير فقد وثقه العجلي وابن سعد ، وأما أبو أفلح فقال الحافظ : ينظر فيه ، وأما ابن أبي الصعبة فقد ذكره ابن حبان في الثقات واسمه عبد العزيز .

وفي الباب أيضا عن عقبة بن عامر عند البيهقي بإسناد حسن . وعن عمر عند البزار والطبراني وفيه عمر بن جرير البجلي ، قال البزار : لين الحديث . وعن عبد الله بن عمرو نحو حديث أبي موسى عند ابن ماجه والبزار وأبي يعلى والطبراني وفي إسناده الإفريقي وهو ضعيف . وعن زيد بن أرقم عند الطبراني والعقيلي وابن حبان في الضعفاء ، وفيه ثابت بن زيد قال أحمد : له مناكير .

وعن واثلة بن الأسقع عند الدارقطني وإسناده مقارب . وعن ابن عباس عند الدارقطني والبزار بإسناد واه ، وهذه الطرق متعاضدة بكثرتها ينجبر الضعيف الذي لم تخل منه واحدة منها . والحديث دليل للجماهير القائلين بتحريم الحرير والذهب على الرجال وتحليلهما للنساء ، وقد تقدم الخلاف في ذلك .

547 - ( وعن علي عليه السلام قال : { أهديت إلى النبي صلى الله عليه وسلم حلة سيراء فبعث بها إلي فلبستها فعرفت الغضب في وجهه ، فقال : إني لم أبعث بها إليك لتلبسها إنما بعثت بها إليك لتشققها خمرا بين النساء . } متفق عليه ) .

قوله : ( أهديت إلى النبي ) أهداها له ملك أيلة وهو مشرك .

قوله : ( حلة ) الحلة على ما في القاموس وغيره من كتب اللغة : إزار ورداء ، ولا تكون حلة إلا من ثوبين أو ثوب له بطانة ، وهي بضم الحاء .

قوله : ( سيراء ) بكسر السين المهملة بعدها مثناة تحتية ثم راء مهملة ثم ألف ممدودة قال في القاموس : كعنباء ، نوع من البرود فيه خطوط صفر أو يخالطه حرير والذهب الخالص ا هـ .

قال الخطابي : هي برود مضلعة بالقز ، وكذا قال الخليل والأصمعي وأبو داود . وقال آخرون : إنها شبهت خطوطها بالسيور . وقيل : هي مختلفة الألوان قاله الأزهري ، وقيل : هي وشي من حرير قاله مالك ، وقيل : هي حرير محض . وقال ابن سيده : إنها ضرب من البرود . وقال الجوهري : إنها ما كان فيه خطوط صفر ، وقيل : ما يعمل من القز . وقيل : ما يعمل من ثياب اليمن ، وقد روي تنوين [ ص: 100 ] الحلة وإضافتها والمحققون على الإضافة . قال القرطبي : كذا قيد عمن يوثق بعلمه . فهو على هذا من باب إضافة الشيء إلى صفته ، على أن سيبويه قال : لم يأت فعلاء صفة .

قوله : ( خمرا ) جمع خمار . وقوله : ( بين النساء ) زاد في رواية " فشققته بين نسائي " وفي رواية " بين الفواطم " وهن ثلاث : فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفاطمة بنت أسد أم علي ، وفاطمة بنت حمزة ، وذكر عبد الغني وابن عبد البر أن الفواطم أربع ، والرابعة فاطمة بنت شيبة بن ربيعة ، كذا قاله عياض وابن رسلان . والحديث يدل على المنع من لبس الثوب المشوب بالحرير إن كانت السيراء تطلق على المخلوط بالحرير ، وإن لم يكن خالصا كما هو المشهور عند أئمة اللغة ، وإن كانت الحرير الخالص كما قاله البعض فلا إشكال . وقد رجح بعضهم أنه الخالص لحديث ابن عباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن الثوب المصمت } وسيأتي وستعرف ما هو الحق في المقدار الذي يحل من المشوب . ويدل الحديث أيضا على حل الحرير للنساء وقد تقدم الكلام على ذلك .

548 - ( وعن أنس بن مالك أنه رأى على أم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم برد حلة سيراء . رواه البخاري والنسائي وأبو داود ) .

قوله : ( أم كلثوم ) هي بنت خديجة بنت خويلد تزوجها عثمان بعد رقية .

قوله : ( برد حلة ) الإضافة في رواية البخاري . وفي رواية أبي داود برد سيراء بالتنوين . والحديث من أدلة جواز الحرير للنساء إن فرض إطلاع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وتقريره ، وقد تقدم مخالفة ابن الزبير في ذلك . .

التالي السابق


الخدمات العلمية