صفحة جزء
باب ما جاء في الرخصة في ذلك

65 حدثنا قتيبة حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنة فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ منه فقالت يا رسول الله إني كنت جنبا فقال إن الماء لا يجنب قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح وهو قول سفيان الثوري ومالك والشافعي
قوله : ( نا أبو الأحوص ) اسمه سلام بن سليم الكوفي الحافظ ، قال ابن معين ثقة [ ص: 167 ] متقن .

( عن عكرمة ) هو عكرمة بن عبد الله مولى ابن عباس أصله بربري ثقة ثبت عالم بالتفسير لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر ولا يثبت عنه بدعة كذا في التقريب .

قوله : ( بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ) هي ميمونة رضي الله عنها لما أخرجه الدارقطني من حديث ابن عباس عن ميمونة قالت : أجنبت فاغتسلت من جفنة ففضلت فيها فضلة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل منه فقلت له ، فقال : الماء ليس عليه جنابة ، واغتسل منه .

( في جفنة ) بفتح الجيم وسكون الفاء أي قصعة كبيرة وجمعه جفان .

( إني كنت جنبا ) بضم الجيم والنون ، والجنابة معروفة يقال منها أجنب بالألف وجنب على وزن قرب فهو جنب ويطلق على الذكر والأنثى والمفرد والتثنية والجمع ( إن الماء لا يجنب ) بضم الياء وكسر النون ويجوز فتح الياء وضم النون . قال الزعفراني أي لا يصير جنبا كذا في المرقاة ، وحديث ابن عباس هذا يدل على جواز التطهر بفضل المرأة ، وحديث الحكم بن عمرو الغفاري الذي تقدم في الباب المتقدم يدل على النهي عن ذلك ، وقد جمع بينهما بأن النهي محمول على ما تساقط من الأعضاء لكونه قد صار مستعملا والجواز على ما بقي من الماء وبذلك جمع الخطابي ، وبأن النهي محمول على التنزيه بقرينة أحاديث الجواز ، قيل : إن قول بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم : إني كنت جنبا عند إرادته صلى الله عليه وسلم التوضأ بفضلها يدل على أن النهي كان متقدما فحديث الجواز ناسخ لحديث النهي والله تعالى أعلم .

قوله : ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي ، وقال الحافظ في البلوغ : وصححه ابن خزيمة ، وقال في الفتح : وقد أعله قوم بسماك بن حرب راويه عن عكرمة لأنه كان يقبل التلقين لكن قد رواه عنه شعبة وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم . انتهى .

وأخرج أحمد ومسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة ، وأخرج أحمد وابن ماجه عن ابن عباس عن ميمونة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ بفضل غسلها من الجنابة .

قوله : ( وهو قول سفيان الثوري ومالك والشافعي ) قال النووي في شرح مسلم : وأما تطهير الرجل بفضلها فهو جائز عندنا وعند مالك وأبي حنيفة وجماهير العلماء سواء خلت به أو لم تخل ، قال بعض أصحابنا ولا كراهة في ذلك للأحاديث الصحيحة الواردة به ، وذهب أحمد بن حنبل وداود [ ص: 168 ] إلى أنها إذا خلت بالماء واستعملته لا يجوز للرجل استعمال فضلها ، وروي عن أحمد كمذهبنا ، وروي عن الحسن وسعيد بن المسيب كراهة فضلها مطلقا ، والمختار ما قاله الجماهير لهذه الأحاديث الصحيحة في تطهيره صلى الله عليه وسلم مع أزواجه وكل واحد منهما يستعمل فضل صاحبه ، ولا تأثير للخلوة . انتهى .

قلت : هذا الاختلاف في تطهير الرجل بفضل المرأة وأما تطهير المرأة بفضل الرجل فقال النووي : جائز بالإجماع ، وتعقبه الحافظ بأن الطحاوي قد أثبت فيه الخلاف ، واعلم أن الإمام أحمد ومن تبعه حملوا حديث ميمونة على أنها لم تخل به ، قال ابن تيمية في المنتقى : أكثر أهل العلم على الرخصة للرجل من فضل طهور المرأة والأخبار بذلك أصح ، وكرهه أحمد وإسحاق إذا خلت به وهو قول عبد الله بن سرجس ، وحملوا حديث ميمونة على أنها لم تخل به جمعا بينه وبين حديث الحكم . انتهى .

قلت : في هذا الحمل نظر فإن الخلوة عند الإمام أحمد كما في المغني لابن قدامة استعمالها للماء من غير مشاركة الرجل في استعماله لأن أحمد قال إذا خلت به فلا يعجبني أن يغتسل به وإذا شرعا فيه جميعا فلا بأس به ، وظاهر أن ميمونة رضي الله عنها خلت به ، كيف هو وقد قالت : أجنبت فاغتسلت من جفنة ففضلت فيها فضلة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلخ كما في رواية الدارقطني ، فكيف يصح حمل حديث ميمونة على أنها لم تخل به ، وأما ما نقل الميموني عن أحمد من أنه قال : الأحاديث من الطرفين مضطربة ، فأجاب عنه الحافظ بأنه إنما يصار إليه عند تعذر الجمع ، وهو ممكن بأن يحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء والجواز على ما بقي من الماء ، أو يحمل النهي على التنزيه جمعا بين الأدلة . انتهى .

قلت : حمل النهي على التنزيه هو أولى والله تعالى أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية