صفحة جزء
باب ما جاء في كراهية الشرب في آنية الذهب والفضة

1878 حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن الحكم قال سمعت ابن أبى ليلى يحدث أن حذيفة استسقى فأتاه إنسان بإناء من فضة فرماه به وقال إني كنت قد نهيته فأبى أن ينتهي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب في آنية الفضة والذهب ولبس الحرير والديباج وقال هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة قال وفي الباب عن أم سلمة والبراء وعائشة قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح
قوله : ( حدثنا بندار ) هو محمد بن بشار ( سمعت ابن أبي ليلى ) هو عبد الرحمن .

قوله : ( أن حذيفة استسقى ) وفي رواية البخاري : كان حذيفة بالمدائن فاستسقى ، والمدائن [ ص: 509 ] اسم بلفظ الجمع وهو بلد عظيم على دجلة بينها وبين بغداد سبعة فراسخ وكان حذيفة رضي الله عنه عاملا عليها في خلافة عمر ثم عثمان إلى أن مات بعد قتل عثمان ( فأتاه إنسان ) في رواية للبخاري : فأتاه دهقان ، وفي رواية أخرى له : فسقاه مجوسي ، قال الحافظ : لم أقف على اسمه بعد البحث ( فرماه به ) وفي رواية : فرمى به في وجهه ( وقال إني كنت قد نهيته فأبى أن ينتهي ) وفي رواية للبخاري : فقال إني لم أرمه إلا أني نهيته فلم ينته ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة ) كذا وقع في معظم الروايات عن حذيفة الاقتصار على الشرب ، ووقع عند أحمد عن طريق مجاهد عن ابن أبي ليلى بلفظ : نهى أن يشرب في آنية الذهب والفضة وأن يؤكل فيها ( ولبس الحرير والديباج ) قال في النهاية : الديباج هو الثياب المتخذة من الإبريسم فارسي معرب وقد تفتح داله ويجمع على ديباج ودبابيج بالياء والباء ; لأن أصله دباج انتهى . قيل الديباج نوع من الحرير مختص بهذا الاسم فتخصيصه لئلا يتوهم عدم دخوله فيه ( وقال ) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم ( هي لهم ) أي للكفار ( في الدنيا ولكم في الآخرة ) ليس المراد بقوله هي لهم في الدنيا إباحة استعمالهم إياها وإنما المعنى هم الذين يستعملونها مخالفة لزي المسلمين ، وكذا قوله : ولكم في الآخرة ، أي تستعملونها مكافأة لكم على تركها في الدنيا ، ويمنع أولئك جزاء لهم على معصيتهم باستعمالها ، قاله الإسماعيلي . قال الحافظ : ويحتمل أن يكون فيه إشارة إلى أن الذي يتعاطى ذلك في الدنيا لا يتعاطاه في الآخرة كما في شرب الخمر انتهى .

قوله : ( وفي الباب عن أم سلمة والبراء وعائشة ) أما حديث أم سلمة فأخرجه الشيخان عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " ، وفي رواية لمسلم : " إن الذي يأكل ويشرب في آنية الفضة والذهب " كذا في المشكاة أما حديث البراء فأخرجه الشيخان أيضا عنه قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع : أمرنا بعيادة المريض الحديث وفيه : ونهانا عن خواتيم الذهب وعن الشرب في الفضة إلخ . وأما حديث عائشة فأخرجه أحمد وابن ماجه بنحو حديث أم سلمة . وفي الباب أيضا عن أبي هريرة وابن عمر ، ذكر حديثيهما المنذري في كتابه الترغيب والترهيب ، أحاديث الباب تدل على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة على كل مكلف رجلا كان أو امرأة ، ولا يلتحق ذلك بالحلي للنساء لأنه ليس من [ ص: 510 ] التزين الذي أبيح لها في شيء . قال القرطبي وغيره : في الحديث تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب ، ويلحق بهما ما في معناهما مثل التطيب والتكحل وسائر وجوه الاستعمالات وبهذا قال الجمهور ، كذا في فتح الباري .

قلت : وقد أجاز الأمير اليماني والقاضي الشوكاني استعمال الأواني من الفضة في غير الأكل والشرب كالتطيب والتكحل وغير ذلك ، قال الأمير في السبل : الحديث دليل على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة وصحافهما سواء أكان الإناء خالصا ذهبا أو مخلوطا بالفضة إذ هو مما يشمله أنه إناء ذهب وفضة ، قال : وهذا في الأكل والشرب فيما ذكر لا خلاف فيه ، وأما غيرهما ففيها الخلاف من سائر الاستعمالات ، قيل لا تحرم لأن النص لم يرد إلا في الأكل والشرب ، وقيل تحرم سائر الاستعمالات إجماعا ، ونازع في الأخير بعض المتأخرين وقال النص في الأكل والشرب لا غير وإلحاق سائر الاستعمالات بهما قياسا لا يتم فيه شرائط القياس ، والحق ما ذهب إليه القائل بعدم تحريم غير الأكل والشرب فيهما إذ هو الثابت بالنص ودعوى الإجماع غير صحيحة انتهى كلام صاحب السبل مختصرا .

قال الشوكاني في النيل : ولا شك أن أحاديث الباب تدل على تحريم الأكل والشرب وأما سائر الاستعمالات فلا والقياس على الأكل والشرب قياس مع الفارق ، فإن علة النهي عن الأكل والشرب هي التشبه بأهل الجنة حيث يطاف عليهم بآنية من فضة ، وذلك مناط معتبر للشارع كما ثبت عنه لما رأى رجلا متختما بخاتم من ذهب فقال مالي أرى عليك حلية أهل الجنة . أخرجه الثلاثة من حديث بريدة ، وكذلك في الحرير وغيره وإلا لزم تحريم التحلي بالحلي والافتراش للحرير لأن ذلك استعمال وقد جوزه البعض من القائلين بتحريم الاستعمال . والحاصل أن الأصل الحل فلا تثبت الحرمة إلا بدليل يسلمه الخصم ، ولا دليل في المقام بهذه الصفة ، فالوقوف على ذلك الأصل المعتضد بالبراءة الأصلية هو وظيفة المنصف الذي لم يخبط بسوط هيبة الجمهور لا سيما وقد أيد هذا الأصل حديث : ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها لعبا ، أخرجه أحمد وأبو داود ، ويشهد له ما سلف : أن أم سلمة جاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر رسول الله فخضخضت الحديث انتهى كلام الشوكاني باختصار .

قلت : أثر أم سلمة في استعمالها الجلجل من الفضة أخرجه البخاري عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال : أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء فجاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث إليها بإناء فخضخضت له فشرب منه ، فاضطلعت في الجلجل فرأيت شعرات حمرا . قال الكرماني : ويحمل على أنه كان [ ص: 511 ] مموها بفضة لا أنه كان كله فضة . قال الحافظ : وهذا ينبئ على أن أم سلمة كانت لا تجيز استعمال آنية الفضة في غير الأكل والشرب ، ومن أين له ذلك ؟ فقد أجاز ذلك جماعة من العلماء قال الشوكاني : والحق والجواز إلا في الأكل والشرب لأن الأدلة لم تدل على غيرها بين الحالتين انتهى .

قلت : وأما قول الشوكاني بأنه قد أيد هذا الأصل حديث : ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها لعبا ، ففيه نظر ظاهر قد بينا ذلك في أواخر أبواب اللباس .

قوله : ( هذا حديث صحيح حسن ) أخرجه الأئمة الستة .

التالي السابق


الخدمات العلمية