صفحة جزء
باب ما جاء في كراهية التداوي بالمسكر

2046 حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو داود عن شعبة عن سماك أنه سمع علقمة بن وائل عن أبيه أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم وسأله سويد بن طارق أو طارق بن سويد عن الخمر فنهاه عنه فقال إنا نتداوى بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها ليست بدواء ولكنها داء حدثنا محمود حدثنا النضر بن شميل وشبابة عن شعبة بمثله قال محمود قال النضر طارق بن سويد وقال شبابة سويد بن طارق قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح
قوله : ( أنه شهد ) أي حضر قال في القاموس شهده كسمعه شهودا حضره انتهى ، ( وسأله [ ص: 168 ] سويد بن طارق أو طارق بن سويد ) قال في تهذيب التهذيب : طارق بن سويد ويقال سويد بن طارق الحضرمي ويقال الجعفي له صحبة حديثه عند أهل الكوفة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأشربة ( عن الخمر ) أي عن شربها أو صنعها ( فنهاه ) وفي رواية مسلم فنهاه أو كره أن يصنعها ( فقال إنا لنتداوى بها ) وفي رواية مسلم إنما أصنعها للدواء ( إنها ليست بدواء ولكنها داء ) وفي رواية ابن ماجه : إن ذلك ليس بشفاء ولكنه داء ، قال النووي : فيه التصريح بأنها ليست بدواء فيحرم التداوي بها لأنها ليست بدواء فكأنه يتناولها بلا سبب وهذا هو الصحيح عند أصحابنا : أنه يحرم التداوي بها وكذا يحرم شربها ، وأما إذا غص بلقمة ولم يجد ما يسيغها به إلا خمرا فيلزمه الإساغة بها لأن حصول الشفاء بها حينئذ مقطوع به بخلاف التداوي انتهى ، وقد أباح التداوي بها عند الضرورة بعضهم ، واحتج في ذلك بإباحة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعرينة التداوي بأبوال الإبل وهي محرمة ، إلا أنها لما كانت مما يستشفى بها في بعض العلل رخص لهم في تناولها ، قال الخطابي قد فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الأمرين اللذين جمعهما هذا القائل ، فنص على أحدهما بالحظر وعلى الآخر بالإباحة وهو بول الإبل ، والجمع بين ما فرقه النص غير جائز ، وأيضا فإن الناس كانوا يشربون الخمر قبل تحريمها ويشفون بها ويتبعون لذتها ، فلما حرمت عليهم صعب عليهم تركها والنزوع عنها ، فغلظ الأمر فيها بإيجاب العقوبة على متناوليها ليرتدعوا وليكفوا عن شربها وحسم الباب في تحريمها على الوجوه كلها شربا وتداويا ، لئلا يستبيحوها بعلة التساقم والتمارض ، وهذا المعنى مأمون في أبوال الإبل لانحسام الدواعي ولما على الطباع من المؤنة في تناولها ، ولما في النفوس من استقذارها والنكرة لها ، فقياس أحدهما على الآخر لا يصح ولا يستقيم انتهى ، قال الحافظ ابن القيم في الهدي : المعالجة بالمحرمات قبيحة عقلا وشرعا ، أما الشرع فما ذكرنا من هذه الأحاديث ، يعني حديث الباب وحديث أبي الدرداء عند أبي داود مرفوعا : إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بالمحرم ، وحديث ابن مسعود عند البخاري : إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ، وحديث النهي عن الدواء الخبيث وغير ذلك .

وأما العقل فهو أن الله سبحانه إنما حرمه لخبثه ، فإنه لم يحرم على هذه الأمة طيبا عقوبة لها كما حرمه على بني إسرائيل بقوله : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم [ ص: 169 ] وإنما حرم على هذه الأمة ما حرم لخبثه وتحريمه لهم حمية لهم وصيانة عن تناوله فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل فإنه وإن أثر في إزالتها لكنه يعقب سقما أعظم منه في القلب بقوة الخبث الذي فيه فيكون المداوى به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب ، وقد بسط ابن القيم الكلام هاهنا بسطا حسنا من شاء الوقوف عليه فليراجع الهدي .

تنبيه : قال العيني في العمدة : الاستشفاء بالحرام جائز عند التيقن بحصول الشفاء ، كتناول الميتة في المخمصة ، والخمر عند العطش وإساغة اللقمة ، وإنما لا يباح ما لا يستيقن حصول الشفاء به ، وقال إذا فرضنا أن أحدا عرف مرض شخص بقوة العلم وعرف أنه لا يزيله إلا تناول المحرم يباح له حينئذ أن يتناوله كما يباح شرب الخمر عند العطش الشديد وتناول الميتة عند المخمصة .

قلت : دفع العطش وانحدار اللقمة بشرب الخمر متيقن ، وأما حصول الشفاء بالتداوي ولو بالحلال فليس بمتيقن ، فقياس التداوي بالحرام على شرب الخمر عند العطش الشديد وانحدار اللقمة فاسد الاعتبار ، قال الشيخ ابن العابدين في رد المحتار ما محصله : إن إساغة اللقمة بالخمر ودفع العطش به متحقق النفع ولذلك من لم يسغ اللقمة ولم يدفع العطش عند وجود الخمر ومات يأثم بخلاف التداوي وإن كان بالحلال فإنه ليس بمتحقق النفع بل مظنون النفع ، ولذلك من ترك التداوي ومات لا يأثم انتهى ، وقال ابن العربي في عارضة الأحوذي : فإن قيل التداوي حال ضرورة والضرورة تبيح المحظور فالتداوي بالحرام مباح ، قلنا : التداوي ليس حال ضرورة وإنما الضرورة ما يخاف معه الموت من الجوع ، فأما التطبب في أصله فلا يجب فكيف يباح فيه الحرام انتهى محصلا .

قوله : ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه .

التالي السابق


الخدمات العلمية