صفحة جزء
باب اجلس حيث انتهى بك المجلس

2724 حدثنا الأنصاري حدثنا معن حدثنا مالك عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب عن أبي واقد الليثي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد فلما وقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلما فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها وأما الآخر فجلس خلفهم وأما الآخر فأدبر ذاهبا فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ألا أخبركم عن النفر الثلاثة أما أحدهم فأوى إلى الله فأواه الله وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح وأبو واقد الليثي اسمه الحارث بن عوف وأبو مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب واسمه يزيد ويقال مولى عقيل بن أبي طالب
قوله : ( حدثنا الأنصاري ) هو إسحاق بن موسى الأنصاري ( عن أبي مرة ) اسمه يزيد مولى عقيل بن أبي طالب ويقال مولى أخته أم هانئ مدني مشهور بكنيته ثقة من الثالثة .

قوله : ( إذ أقبل ثلاثة نفر ) النفر بالتحريك للرجال من ثلاثة إلى عشرة والمعنى ثلاثة هم نفر والنفر اسم جمع ولهذا وقع مميزا للجمع كقوله تعالى : وتسعة رهط ( فأقبل اثنان ) بعد قوله أقبل ثلاثة هما إقبالان كأنهم أقبلوا أولا من الطريق فدخلوا المسجد مارين كما في حديث أنس : فإذا ثلاثة نفر يمرون فلما رأوا مجلس النبي -صلى الله عليه وسلم- أقبل إليه اثنان منهم واستمر الثالث ذاهبا .

كذا [ ص: 423 ] في الفتح ( فلما وقفا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم ) أي على مجلس رسول -صلى الله عليه وسلم- أو " على " بمعنى " عند " ( فرأى فرجة ) بضم الفاء وفتحها لغتان وهي الخلل بين الشيئين ويقال لها أيضا فرج ومنه قوله تعالى : وما لها من فروج جمع فرج ، وأما الفرجة بمعنى الراحة من الغم فذكر الأزهري فيها فتح الفاء وضمها وكسرها ، وقد فرج له في الحلقة والصف ونحوهما بتخفيف الراء يفرج بضمها ( في الحلقة ) بإسكان اللام على المشهور كل شيء مستدير خالي الوسط والجمع حلق بفتحتين ، وحكي فتح اللام في الواحد وهو نادر ( أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله ) قال النووي : لفظه أوى بالقصر وآواه بالمد هكذا الرواية وهذه هي اللغة الفصيحة وبها جاء القرآن أنه إذا كان لازما كان مقصورا وإن كان متعديا كان ممدودا ، قال الله تعالى : أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة وقال تعالى : إذ أوى الفتية إلى الكهف وقال في التعدي : وآويناهما إلى ربوة وقال تعالى : ألم يجدك يتيما فآوى .

قال القاضي : وحكى بعض أهل اللغة فيهما جميعا لغتين القصر والمد ، فيقال أويت إلى الرجل بالقصر والمد وآويته وأويته بالمد والقصر والمشهور الفرق كما سبق . قال العلماء : معنى أوى إلى الله أي لجأ إليه . قال القاضي : وعندي أن معناه هنا دخل مجلس ذكر الله تعالى ، أو دخل مجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومجمع أوليائه وانضم إليه ، ومعنى آواه الله أي قبله وقربه ، وقيل : معناه رحمه أو آواه إلى جنته أو كتبها له ( وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه ) قال النووي : أي ترك المزاحمة والتخطي حياء من الله تعالى ومن النبي -صلى الله عليه وسلم- والحاضرين أو استحياء منهم أن يعرض ذاهبا كما فعل الثالث فاستحيا الله منه أي رحمه ولم يعذبه بل غفر ذنوبه ، وقيل جازاه بالثواب ، قالوا : ولم يلحقه بدرجة صاحبه الأول في الفضيلة الذي آواه وبسط له اللطف وقربه ، قال وهذا دليل اللغة الفصيحة أنه يجوز في الجماعة أن يقال في غير الأخير منهم الآخر ، فيقال : حضرني ثلاثة أما أحدهم فقرشي وأما الآخر فأنصاري وأما الآخر فتيمي . وقد زعم بعضهم أنه لا يستعمل الآخر إلا في الأخير خاصة وهذا الحديث صريح في الرد عليه ، انتهى ( وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه ) أي لم يرحمه ، وقيل : سخط عليه ، وهذا محمول على إنه ذهب معرضا لا لعذر وضرورة قاله النووي ، وقال الحافظ : أي سخط عليه وهو محمول على من ذهب معرضا لا لعذر هذا إن كان مسلما ، ويحتمل أن يكون منافقا واطلع النبي -صلى الله عليه وسلم- على أمره كما [ ص: 424 ] يحتمل أن يكون قوله -صلى الله عليه وسلم- فأعرض الله عنه إخبارا أو دعاء ، ووقع في حديث أنس : فاستغنى فاستغنى الله عنه . وهذا يرشح كونه خبرا ، وإطلاق الإعراض وغيره في حق الله تعالى على سبيل المقابلة والمشاكلة ، فيحمل كل لفظ منها على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى ، وفائدة إطلاق ذلك بيان الشيء بطريق واضح ، انتهى .

وفي الحديث استحباب جلوس العالم لأصحابه وغيرهم في موضع بارز ظاهر للناس والمسجد أفضل فيذاكرهم العلم والخير . وفيه جواز حلق العلم والذكر في المسجد واستحباب دخولها ومجالسة أهلها وكراهة الانصراف عنها من غير عذر واستحباب القرب من كبير الحلقة ليسمع كلامه سماعا بينا ويتأدب بأدبه ، وأن قاصد الحلقة إن رأى قوة دخل فيها وإلا جلس وراءهم ، وفيه الثناء على من فعل جميلا فإنه -صلى الله عليه وسلم- أثنى على الاثنين في هذا الحديث وأن الإنسان إذا فعل قبيحا ومذموما وباح به جاز أن ينسب إليه .

قوله : ( هذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه البخاري في العلم وفي الصلاة ، وأخرجه مسلم في كتاب السلام ، وأخرجه النسائي في العلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية