1. الرئيسية
  2. تفسير المنار
  3. سورة الأعراف
  4. تفسير قوله تعالى وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان
صفحة جزء
( وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ) .

[ ص: 466 ] قصة شعيب عليه السلام

هو من أنبياء العرب المرسلين واسمه مرتجل وقيل : مصغر شعب بفتح المعجمة أو كسرها ، وما قيل من حظر تصغير أسماء الأنبياء لا يدخل فيه الوضع الأول ، بل المراد به تصغير الاسم المعروف بما يوهم الاحتقار ، كأن تقول في شعيب " شعيعيب " بناء على أنه غير مصغر في الأصل ، وقصد الاحتقار لا يقع من مؤمن بأنه من رسل الله عليهم السلام .

أخرج ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر قال : أخبرني عبيد الله بن زياد بن سمعان عن بعض من قرأ الكتب قال : إن أهل التوراة يزعمون أن شعيبا اسمه في التوراة ميكائيل واسمه بالسريانية خبري بن يشخر بن لاوى بن يعقوب عليهم السلام وأخرج من طريقه عن الشرقي بن القطامي وكان نسابة عالما بالأنساب قال : هو يتروب بالعبرانية وشعيب بالعربية ابن عيفا بن يوبب بن إبراهيم عليه السلام يوبب بوزن جعفر أوله مثناة تحتية وبعد الواو موحدتان انتهى من الدر المنثور . ولعل يشخر فيه مصحف يشجر .

وأقول : إن اليهود كانوا يغشون المسلمين فيما يروون لهم من كتبهم ، والذي في توراتهم أن حمى موسى كان يدعى رعوئيل كما في سفر الخروج ( 2 : 18 ) وسفر العدد ( 10 : 29 ) وقالوا : إن " رعو " معناه صديق فمعنى رعوئيل ( صديق الله ) أي الصادق في عبادته ، وفي ( 3 : 1 خروج ) أن اسمه يثرون بالمثلثة والنون ، إذ قال : وكان موسى يرعى غنم يثرون حميه كاهن مدين ومثله في ( 4 : 18 منه ) وضبط في ترجمة الأميركان بكسر الياء وسكون الثاء وفي ترجمة الجزويت " يثرو " بفتح الياء وبدون نون ، وفي قاموس الكتاب المقدس للدكتور بوست الأميركاني : يثرون ( فضله ) كاهن أو أمير مديان وهو حمو موسى ( خر 3 : 1 ) ويدعى أيضا رعوئيل ( خر 2 : 18 وعد 1 : 29 ) ويثر ( حاشية خر 4 : 18 ) ويرجح أن يثرون كان لقبا لوظيفته ، وأنه كان من نسل إبراهيم وقطورة ( تك 25 : 2 ) اهـ . وذكر قبل ذلك يثر وفسره بفضل كما فسر يثرون بفضله - أي فضل مضافا إلى ضمير الغائب . ولعل مرجع الضمير إلى الله تعالى كضمير عبده علما في زماننا ويختصرون به عبد الله .

[ ص: 467 ] وفي الفصل الخامس من سفر التكوين أن زوجة إبراهيم قطورة ولدت له ستة أولاد منهم مدان ومدين ، وأهل الكتاب يكسرون ميم مدين ، وبعضهم يقول : مديان ، والمدينيون عرب ، والعرب تفتح ميم الكلمة ، وفي قاموس بوست أن معناها خصام ، ونقل عن بعض المؤرخين أن أرضهم كانت تمتد من خليج العقبة إلى موآب وطور سيناء . وعن آخرين أنها كانت تمتد من شبه جزيرة سيناء إلى الفرات . وقال : إن الإسماعيليين كانوا من سكان مدين ، ثم ذكر أن أهل مدين حسبوا مع العرب والموآبيين .

وأما علماؤنا فقال بعضهم كأبي عبيدة من حملة اللغة والبخارى من المحدثين والمؤرخين : إن مدين بلد ، وإن قوله تعالى : ( وإلى مدين ) فيه حذف المضاف إلى أهل مدين ، وهو غلط . وأما شعيب فقد قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات : هو ابن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم عليه السلام . وقيل : إن جده يشجر بن لاوى بن يعقوب عليهم السلام وقال الحافظ في الفتح : هو شعيب بن ميكيل بن يشجر بن لاوى بن يعقوب . كذا قال ابن إسحاق ولا يثبت ، وقيل : هو شعيب بن صفور بن عنقا بن ثابت بن مدين وكان مدين ممن آمن بإبراهيم لما أحرق . وروى ابن حبان في حديث أبي ذر الطويل " أربعة من العرب هود وصالح وشعيب ومحمد " فعلى هذا هو من العرب الخلص .

وقيل : إنه من بني عنزة بن أسد ففي حديث سلمة بن سعيد العنزي أنه قدم على النبي فانتسب إلى عنزة فقال صلى الله عليه وسلم : " نعم الحي عنزة مبغي عليهم منصورون رهط شعيب وأختان موسى " أخرجه الطبراني وفي إسناده مجاهيل اهـ . وقال الآلوسي : ومدين - وسمع مديان في الأصل - علم لابن إبراهيم الخليل عليه السلام ومنع صرفه للعلمية والعجمة ثم سميت به القبيلة ، وقيل : هو عربي اسم لماء كانوا عليه ، وقيل اسم بلد ومنع من الصرف للعلمية والتأنيث فلابد من تقدير مضاف حينئذ اهـ . ومما تقدم تعلم أن الراجح من هذه الثلاثة الأقوال هو الأول . قال الله تعالى :

( وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم ) قد تقدم مثله من كل وجه في قصة صالح عليه السلام إلا أنه ذكر هنا أنه قد جاءتهم بينة من ربهم ، وذكر هنالك آية ، وقد عين الآية بعد الإعلام بمجيئها وهي الناقة . ولم يذكر هنا ولا في سورة أخرى آية كونية معينة لشعيب عليه السلام ، وقد قال النبي [ ص: 468 ] صلى الله عليه وسلم " ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " رواه الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة ، ومعناه : أن كل نبي مرسل أعطاه الله من الآيات الدالة على صدقه وصحة دعوته ما شأنه أن يؤمن البشر بدلالة مثله . وقد يقال إن إنذار قومه بأن يصيبهم ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح إذا هم أصروا على شقاقه وعناده - هو آية بينة على صدقه ، وقد صدق إنذاره هذا وهو مبين في قصته من سورة هود . ولكن لابد أن يكون له آية أخرى دالة على صدقه تقوم بها الحجة عليهم ، فإن ظهور صدق هذا الإنذار إنما يكون بوقوع العذاب المانع من صحة الإيمان ، فلا فائدة لهم من قيام الحجة به ، على أن البينة على ما يتبين به الحق ، فهي تشمل المعجزات الكونية والبراهين العقلية ، والمعروف من أحوال الأمم القديمة أنها لم تكن تذعن إلا لخوارق العادات ولو لم تكن البينة التي أيد الله تعالى بها شعيبا عليه السلام ملزمة للحجة قاطعة لألسنة العذر ومكابرة الحق لما ترتب عليها قوله :

التالي السابق


الخدمات العلمية