صفحة جزء
( ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ) .

[ ص: 370 ] بعد أن بين الله تعالى لرسوله حال أوليائه وصفتهم وما بشرهم به في الحياة الدنيا وفي الآخرة وكونه لا تبديل لكلماته فيما بشرهم ووعدهم ، كما أنه لا تبديل لها فيما أوعد به أعداءه المشركين وكان هذا يتضمن الوعد بنصره ونصر من آمن له وهم أولياء الله وأنصار دينه على ضعفهم وفقرهم ، وكانت العزة أي القوة والغلبة في مكة لا تزال للمشركين بكثرتهم التي يعبرون عنها بقولهم : وإنما العزة للكاثر ، وكانوا لغرورهم بكثرتهم وثروتهم يكذبون بوعد الله وكان ذلك يحزنه - صلى الله عليه وسلم - بالطبع كما قال : ( قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ) ( 6 : 33 ) الآية . قال تعالى مسليا له ومؤكدا وعده له ولأوليائه ، ووعيده لأعدائهم وأعدائه .

ولا يحزنك قولهم نهاه عن الحزن والغم من قولهم الذي يقولونه في تكذيبه الذي تقدم مفصلا في هذه السورة ، فحذف مقول القول للعلم به وبين له سبب هذا النهي بقوله : ( إن العزة لله جميعا ) أي إن الغلبة والقوة والمنعة لله جميعها لا يملك أحد من دونه شيئا منها ، فهو يهبها لمن يشاء ويحرمها من يشاء ، وليست للكثرة دائما كما يدعون ، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ، وقد وعد بها رسله والذين آمنوا بهم واتبعوهم من أوليائه ، كما قال : ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ) ( 58 : 21 ) و ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) ( 40 : 51 ) و ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) ( 63 : 8 ) فعزته تعالى ذاتية له ، وعزة رسوله والمؤمنين به ومنه عز وجل ، كما قال : ( وتعز من تشاء وتذل من تشاء ) ( 3 : 26 ) وقرأ نافع ( يحزنك ) بضم الياء من أحزنه وهي لغة ، وقرئ ( أن العزة ) بفتح الهمزة أن لحذف لامها ، وهي للتعليل الذي تدل عليه قراءة الجمهور بالكسر على الاستئناف البياني ( هو السميع ) لما يقولون من تكذيب بالحق وادعاء للشرك ( العليم ) بما يفعلونه من إيذاء وكيد ومكر ، فهو يذلهم ويحبط أعمالهم ، وهذا استئناف آخر في تقرير مضمون الأول وهو تسليته - صلى الله عليه وسلم - وتأكيد وعده بالعزة ووعيد تكذيبه ، ثم استدل على كون العزة له جميعا والجزاء بيده بقوله مستأنفا أيضا ومفتتحا بأداة التنبه :

( ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض ) من عابد ومعبود فهو ربهم ومالكهم وهم عبيده المربوبون المملوكون له ( وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ) له في ربوبيته وملكه ، أي إن هؤلاء المشركين الذين يعبدون غير الله بدعائهم في الشدائد ، واستغاثتهم في النوازل ، والتقرب إليهم بالنذور والقرابين والوسائل لا يتبعون شركاء له في تدبير أمور عباده ينفعونهم أو يكشفون الضر عنهم ، إذ لا شركاء له ( إن يتبعون إلا الظن ) أي ما يتبعون في الحقيقة إلا ظنهم أن هؤلاء الذين يدعونهم أولياء لله وشفعاء عنده ، فهم يتوسلون بهم وبتماثيلهم إليه ، لأنهم يقيسونه على ملوكهم الظالمين المتكبرين ، الذين لا يصل إليهم أحد [ ص: 371 ] من رعاياهم إلا بوسائل حجابه ووسائطه ووزرائه ( وإن هم إلا يخرصون ) أي وما هم في اتباع هذا الظن الذي لا يغني من الحق شيئا ، إلا يخرصون خرصا ، أي يحزرون حزرا ، أو يكذبون كذبا ، أصل الخرص : الحزر والتقدير للشيء الذي لا يجري على قياس من وزن أو كيل أو ذراع ، بل هو كخرص الثمر على الشجر والحب في الزرع ، ولكثرة الخطأ فيه أطلق على لازمه الغالب وهو الكذب ، فالظن الذي يبنى عليه يكون من أضعف الظن وأبعده عن الحق ، مثاله ما ذكرناه آنفا من قياس الرب في تدبير أمور عباده على الملوك ، وهذا قياس شيطاني سمعته من جميع طبقات الجاهلين لعقائد الإسلام ، وتوحيد الرحمن ، حتى من يلقبون بالعلماء والباشوات ، ومثله قولهم في وسائلهم الذين يسمونهم الأولياء : إن الله يحبهم ، وكل من يحب أحدا فإنه يقبل وساطته وشفاعته ، فيقيسون تأثير عباد الله الصالحين عنده تعالى ، على تأثير أصدقاء الملوك والوجهاء ومعشوقيهم في قبولهم منهم جميع ما يطلبونه ، ويجهلون أن أفعال الله تعالى إنما تجري بمقتضى مشيئته الأزلية على وفق علمه الذاتي المحيط وحكمته البالغة العادلة ، وأن صفاته تعالى كاملة أزلية لا تؤثر فيها الحوادث وأن جميع أوليائه وأنبيائه وملائكته عبيد مملوكون له : ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ) ( 17 : 57 ) أي إن أقرب أولئك الذين يدعونهم ويتوسلون إليه تعالى بهم كالمسيح والملائكة ومن دونهم هم يتوسلون إليه راجين خائفين ، لا كأعوان الملوك الذين لا يقوم أمر ملكهم بدونهم ، ومعشوقيهم الذين لا يتم تمتعهم الشهواني إلا بهم .

( هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا ) هذا استدلال على مضمون ما قبله من نفي وجود شركاء له في الخلق والتقدير ، ولا بالشفاعة عنده في التصرف والتدبير ؛ أي هو الذي جعل لكم الوقت قسمين بمقتضى علمه ومشيئته بدون مساعد ولا شفيع ، بل بمحض الحكمة البالغة والرحمة الشاملة : أحدهما الليل جعله مظلما لأجل أن تسكنوا فيه بعد طول الحركة والتقلب في الأرض ، تستريحون من التعب في طلب الرزق ، وثانيهما النهار جعله مضيئا ذا إبصار لتنتشروا في الأرض ، وتقوموا بجميع أعمال العمران والكسب ، والشكر للرب ، فالمبصر هنا معطى الإبصار سببه حسيا كان أو معنويا ، فالأول قوله تعالى ( وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ) ( 17 : 12 ) الآية . والثاني قوله في هذه السورة أيضا : ( وآتينا ثمود الناقة مبصرة ) ( 17 : 59 ) أي آية مفيدة للبصيرة والحجة على صدق رسولهم ، ومثله قوله في سورة النمل : ( فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين ) ( 27 : 13 ) .

وقال قطرب : تقول العرب : أظلم الليل وأبصر النهار وأضاء بمعنى صار ذا ظلمة وذا إبصار [ ص: 372 ] وذا ضياء ا ه . وقد تكرر التذكير في التنزيل بآيات الله في الليل والنهار من خلقهما وتقديرهما ومنافع الناس فيهما ، وفي هذه الآية احتباك وهو أنه حذف من كل من آيتي الليل والنهار ما أثبت مقابله في الأخرى والعكس ، وفي قوله تعالى : ( إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ) مثله ، أي إن فيما ذكر لدلائل بينات ، وآيات أي آيات ، على وحدانيته في الذات والصفات لقوم يسمعون ما يتلى عليهم من التذكير بحكمه تعالى ونعمه فيها سماع فقه وتدبر ، ويبصرون ما في الكائنات من السنن الحكيمة إبصار تأمل ، ذكر الآيات السمعية المناسبة لليل الذي قدم ذكره ، وهي تدل على الآيات البصرية المناسبة للنهار وتذكير بها ، وهو أبلغ الإيجاز ، وقد جمع بينهما في مقام الإطناب من سورة القصص بقوله : ( قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ) ( 28 : 71 - 73 ) وأحسن بذلك الإطناب تفسيرا لما هنا من الإيجاز ، ولكل منهما موقعه من بلاغة الإعجاز .

التالي السابق


الخدمات العلمية