1. الرئيسية
  2. تفسير المنار
  3. سورة آل عمران
  4. تفسير قوله تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين
صفحة جزء
ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون الخطاب لجماعة المسلمين الذين شهدوا وقعة أحد ، وقد ذكرنا في تلخيص القصة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرى ألا يخرج للمشركين بل يستعد لمدافعتهم في المدينة ، وكان على هذا الرأي جماعة من كبراء الصحابة ، وبه صرح عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين وأن أكثر الصحابة أشاروا بالخروج إلى أحد حيث عسكر المشركون ومناجزتهم هناك ، وأن الشبان ومن لم يشهد بدرا كانوا يلحون في الخروج ; لهذا قال مجاهد : إن هذه الآية عتاب لرجال غابوا عن بدر فكانوا يتمنون مثل يوم بدر أن يلقوه فيصيبوا من الخير والأجر مثل ما أصاب أهل بدر ، فلما كان يوم أحد ولى منهم من ولى فعاتبهم الله ، وروي نحو ذلك عن غيره منهم الربيع والسدي . وروي عن الحسن أنه قال : بلغني أن رجالا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يقولون : لئن لقينا العدو مع النبي - صلى الله عليه وسلم - لنفعلن ولنفعلن ، فابتلوا بذلك فلا والله ما كلهم صدق ، فأنزل الله - عز وجل - : ولقد كنتم تمنون الموت فأطلق الحسن ولم يخص من لم يشهد بدرا وهو الصواب ، فإن الذين كانوا يتمنون القتال كثيرون .

قلنا : إن هذه الآية أظهرت للمؤمنين تأويل قوله - تعالى - في إيمانهم وجهادهم وصبرهم ، وعلمتهم كيف يحاسبون أنفسهم ويمتحنون قلوبهم ; وبيان ذلك أنهم تمنوا القتال أو الموت في القتال لينالوا مرتبة الشهادة ، وقد أثبت الله لهم هذا التمني وأكده بقوله : ولقد فلم [ ص: 130 ] يكن ذلك منهم دعوى قولية ولا صورة في الذهن خيالية بل كان حقيقة واقعة في النفس ولكنها زالت عند مجيء دور الفعل ، وهذه مرتبة من مراتب النفس في شعورها وعرفانها هي دون مرتبة الكمال الذي يصدقه العمل ، وفوق مرتبة التصور والتخيل مع الانصراف عن تمني العمل بمقتضاه أو مع كراهته والهرب منه - كما يتوهم بعض الناس أنه يحب ملته ووطنه ولكنه يهرب من كل طريق يخشى أن يطالب فيه بعمل يأتيه لأجلهما أو مال يعاون به العاملين لهما ، أو يكون خالي الذهن من الفكر في العمل أو البذل لإعلاء شأن هذا المحبوب أو كف العدوان أو الشر عنه . فهاتان مرتبتان دون مرتبة من يتصور أنه يحب ملته ووطنه ويفكر في خدمتهما ويتمنى لو يتاح له ذلك ، حتى إذا احتيج إلى خدمته التي كان يفكر فيها ويتمناها وجد من نفسه الضعف فأعرض عن العمل قبل الشروع أو بعد أن ذاق مرارته وكابد مشقته ، وإنما المطلوب في الإيمان ما هو أعلى من هذه المرتبة ، المطلوب فيه مرتبة اليقين والإذعان النفسي التي من مقتضاها العمل مهما كان شاقا ، والجهاد مهما كان عسرا ، والصبر على المكاره وإيثار الحق على الباطل ، وقد تقدم في تفسير : وليعلم الله وتفسير : وليمحص الله من الآيتين السابقتين أمثلة تزيد المبحث وضوحا .

وقد كان في مجموع المخاطبين بالآية عند نزولها من هم في المرتبة العليا ، وأولئك هم المجاهدون الصابرون الذين ثبتوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبات الجبال لا ثبات الأبطال ، وهم نحو ثلاثين رجلا ، وقد ذكرنا أسماء بعضهم في تلخيص القصة ، وإنما جعل الخطاب عاما ليكون تربية عامة ; فإن أصحاب المراتب العلية يتهمون أنفسهم بالتقصير فيزدادون كمالا .

فهذه الآية تنبه كل مؤمن إلى الغرور بحديث النفس والتمني والتشهي ، وتهديه إلى امتحان نفسه بالعمل الشاق ، وعدم الثقة بما دون الجهاد والصبر على المكاره في سبيل الحق ، حتى يأمن الدعوى الخادعة ، بله الدعوى الباطلة ، وإنما الخادعة أن تدعي ما تتوهم أنك صادق فيه مع الغفلة أو الجهل بعجزك عنه ، والباطلة لا تخفى عليك ، وإنما تظن أنها تخفى على سواك .

قد أشرنا إلى أن الظاهر من تمني الموت هو تمني الشهادة في سبيل الله ، وقول بعضهم : إن المراد بالموت الحرب لأنها سببه ، وعد بعضهم تمني الشهادة المأثور عن كثير من الصحابة مشكلا ; لأنه يستلزم انتصار الكفار على المشركين ، ولا إشكال إلا في مخ من اخترع هذه العبارة ، فإن الذي يتمنى الشهادة في سبيل الله لا يلقي بنفسه إلى التهلكة ولا يقصر في الدفاع والصدام حتى يقال إنه مكن الأعداء منه ومهد لهم سبيل الظفر بالمؤمنين ، وإنما يكون أقوى جهادا وأشد جلادا وأجدر بأن ينصر قومه ويخذل من يحاربهم ، ثم إنه [ ص: 131 ] لا يقصد لازم الموت والشهادة من نقص عدد المسلمين أو ضعفهم ; على أن هذا اللازم إنما يتبع استشهاد الكثير أو الأكثر منهم ، ومن يتمنى الشهادة فإنما يتمناها لنفسه دون العدد الكثير من قومه .

وقال الأستاذ الإمام : إن تمني الشهادة الذي وقع ليس تمنيا مطلقا وإنما هو تمني من يقاتل لنصرة الحق أن تذهب نفسه دونه ، فإذا هو وصل إلى ما يبغي من نصرة الحق وإعزازه بانهزام أهل الباطل وخذلانهم فبها ونعمت ، وإلا فضل الموت في سبيل إعزاز الحق ورآه خيرا من البقاء مع إذلاله وغلبة الباطل عليه ، وقال : إن الخطاب لمن يسبق لهم تمني الموت بعد أن فاتهم حضور وقعة بدر أو الشهادة فيها لبعض من حضرها ، ثم جاءت وقعة أحد فكان منهم من انكسرت نفسه في أثناء الوقعة ووهن عزمه ، ومنهم من وهن وضعف بعدها عندما ندبهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اتباع المشركين معه في حمراء الأسد . كأنه يقول : يا سبحان الله لقد كنتم تتمنون الموت قبل أن تلاقوا القوم في الحرب ، فها أنتم أولاء قد رأيتم ما كنتم تتمنونه وأنتم تنظرون إليه لا تغفلون عنه فما بالكم دهشتم عندما وقع الموت فيكم ؟ وما بالكم تحزنون وتضعفون عند لقاء ما كنتم تحبون وتتمنون ؟ ومن تمنى الشيء وسعى إليه لا ينبغي أن يحزنه لقاؤه ويسوءه فقوله : وأنتم تنظرون للتأكيد لأن الإنسان يرى الشيء أحيانا ولكنه لانشغاله عنه ربما لا يتبينه ، فأراد أن يقول : إنكم قد رأيتموه رؤية كان لها الأثر الثابت في نفوسكم لا رؤية من قبيل لمح الشيء مع الغفلة عنه وعدم المبالاة به ، قال : وقال بعض المفسرين: إن الجملة مستأنفة ، أي أبصرتموه وأنتم الآن تنظرون وتتأملون فيما رأيتموه وتفكرون في علاقته بشئونكم ، والذي يظهر هو صحة التأويل الأول يعني أنها مؤكدة .

أقول : وقد جرى صاحب الكشاف والبيضاوي وأبو السعود على أنها حالية ، وأن معناه : رأيتم الموت ناظرين إلى وقوعه بكم ، واغتياله لإخوانكم متوقعين أن يحل بكم ما حل بهم ، قال جماعة وهو توبيخ لهم على تمنيهم الموت وإلحاحهم على النبي - صلى الله عليه وسلم - بالخروج إلى الحرب ، ونقول : إنه تذكير لمن انهزم وعصى منهم بأن ما سبق من تمنيهم الموت لم يكن عن رسوخ ويقين وتفضيل للشهادة ولقاء الله على الحياة ، وإنما كان فيه شائبة من الغرور والزهو ، وإرشاد توبيخي لهم ولأمثالهم إلى أن يحاسبوا أنفسهم ويطالبوها بالكمال الذي تأتي فيه الأعمال مصدقة لخواطر النفس وتمنياتها كما تقدم شرحه .

بعد هذا بين الله - تعالى - حكمة أخرى من أعظم الحكم المتعلقة بغزوة أحد وهي إشاعة قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - وما كان من تأثيرها في المسلمين وما كان يجب أن يكون ، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في القصة قبل الشروع في تفسير الآيات التي نزلت فيها فقال :

التالي السابق


الخدمات العلمية