التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1802 حديث تاسع لأبي النضر

مالك ، عن أبي النضر ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يعوده ، قال : فوجد عنده سهل بن حنيف ، قال : فدعا أبو طلحة إنسانا فنزع نمطا كان تحته ، فقال له سهل : لم نزعته ، قال : لأن فيه تصاوير ، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها ما قد علمت ، قال سهل : أو لم يقل : إلا ما كان رقما في ثوب ؟ قال : بلى ، ولكنه أطيب لنفسي .


[ ص: 192 ] لم يختلف الرواة عن مالك في إسناد هذا الحديث , ومتنه في الموطأ ، وفيه عن عبيد الله أنه دخل على أبي طلحة ، فأنكر ذلك بعض أهل العلم ، وقال : لم يلق عبيد الله أبا طلحة ، وما أدري كيف قال ذلك ، وهو يروي حديث مالك هذا ؟ وأظن ذلك - والله أعلم - من أجل أن بعض أهل السير ، قال : توفي أبو طلحة سنة أربع وثلاثين في خلافة عثمان - رضي الله عنه - وعبيد الله لم يكن في ذلك الوقت ممن يصح له سماع .

قال أبو عمر :

اختلف في وفاة أبي طلحة ، وأصح شيء في ذلك : ما رواه أبو زرعة ، قال : سمعت أبا نعيم ، يحدث عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : سرد أبو طلحة الصوم بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعين سنة ، فكيف يجوز أن يقال إنه مات سنة أربع وثلاثين ، وهو قد صام بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين سنة ؟ وإذا كان ذلك ، كما ذكرنا صح أن وفاته لم تكن إلا بعد خمسين سنة من الهجرة ، والله أعلم .

وأما سهل بن حنيف ، فلا يشك عالم بأن عبيد الله بن عبد الله لم يره ، ولا لقيه ، ولا سمع منه ، وذكره في هذا الحديث خطأ ، لا شك فيه ; لأن سهل بن حنيف توفي سنة ثمان وثلاثين ، وصلى عليه علي - رضي الله عنه - ولا يذكره في الأغلب عبيد الله بن عبد الله لصغر سنه يومئذ ، والصواب في ذلك ، والله أعلم : عثمان بن حنيف ، وكذلك رواه محمد بن إسحاق ، عن أبي النضر سالم ، عن عبيد الله بن عبد الله ، قال : انصرفت مع عثمان بن حنيف إلى دار [ ص: 193 ] أبي طلحة نعوده ، فوجدنا تحته نمطا ، وساق الحديث ، بمعنى حديث مالك ، عن أبي النضر .

واختلف في وفاة عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، فقال ابن بكير ، عن يعقوب بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، قال : مات عبيد الله بن عبد الله قبل علي بن حسين .

قال أبو عمر :

مات علي بن حسين - رحمه الله - سنة أربعة وتسعين ، وفيها مات عروة ، وأبو سلمة ، وجماعة من الفقهاء ، وقال الواقدي : توفي عبيد الله بن عبد الله سنة ثمان وتسعين ، وقال يحيى بن معين : مات عبيد الله بن عبد الله سنة اثنتين ومائة ، قال : ويقال : سنة تسع وتسعين .

قال أبو عمر :

قول محمد بن عمر الواقدي ، أصح ما في ذلك عندنا ، وهو أعلم بهذا الشأن .

قال أبو عمر :

قد يكون إنكار من أنكر هذا الحديث في دخول عبيد الله على أبي طلحة وسهل بن حنيف من أجل رواية ابن شهاب لهذا الحديث على ما رواه ابن أبي ذئب ، فصح بهذا وهم مالك في سهل بن حنيف ، وكذلك وهم أبو النضر في روايته له عن عبيد الله بن عبد الله ، عن أبي طلحة ، ولم يدخل بينهما ابن عباس ، فالصحيح في هذا الحديث رواية الزهري له عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن أبي طلحة ، كذا قال علي بن المديني وغيره وهو عندي كما قالوه ، والله أعلم .

فأما رواية ابن شهاب له ، فحدثنا خلف بن القاسم ، قال : حدثنا ابن أبي الخصيب ، قال : حدثنا عبد الله بن الحسن بن أبي شعيب ، قال : حدثنا يحيى بن [ ص: 194 ] عبد الله ، قال : حدثنا أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب العامري المدني ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن عبد الله بن عباس ، عن أبي طلحة صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تدخل الملائكة بيتا فيه تصاوير .

وحدثنا خلف بن قاسم ، حدثنا محمد بن أحمد القاضي الذهلي ، قال : حدثنا أبو مسلم الكشي ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن ابن أبي ذئب ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن أبي طلحة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة .

وقد خالف الأوزاعي ابن أبي ذئب في هذا الحديث .

حدثنا قاسم بن محمد ، حدثنا خالد بن سعد ، وحدثنا أحمد بن عمر ، حدثنا عبد الله بن محمد ، قالا : حدثنا محمد بن فطيس ، قال : حدثنا بحر بن نصر ، قال : حدثنا بشر بن بكر ، قال : حدثنا الأوزاعي ، أخبرني الزهري ، قال : حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، قال : حدثني أبو طلحة الأنصاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة .

قال أبو عمر :

هذا عندهم خطأ من الأوزاعي ، وكان في حفظه شيء لم يكن بالحافظ ، وقد تابع ابن أبي ذئب عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ومعمر .

حدثنا خلف بن قاسم ، حدثنا أبو الطاهر محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر بن بجير القاضي الذهلي ، قال : حدثنا أبو مسلم الكشي ، قال : حدثنا عبد الله [ ص: 195 ] بن رجاء ، قال : حدثنا عبد العزيز بن الماجشون ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن أبي طلحة ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة .

وحديث معمر رواه علي بن المديني وغيره ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، قال : أخبرني عبيد الله بن عبد الله ، أنه سمع ابن عباس ، يقول : سمعت أبا طلحة يقول ، فذكره ، وقد يحتمل أن يكون حديث ابن شهاب في هذا الباب غير حديث أبي النضر ; لأن في حديث ابن شهاب عموم الصور ، دون استثناء شيء منها .

وفي حديث أبي النضر استثناء ما كان رقما في ثوب ، وفيه جمع سهل بن حنيف في ذلك مع أبي طلحة ، فهو غير حديث أبي النضر ، والله أعلم .

وقد كان ابن شهاب يذهب في هذا الباب إلى استعمال العموم في كراهة الصور كلها على ما ذكرنا عنه في باب إسحاق من هذا الكتاب ، وحديث نافع ، عن القاسم بن محمد ، بمثل حديث ابن شهاب ، عام أيضا في الثياب وغيرها ، وقد ذكرنا ذلك في باب نافع من كتابنا هذا .

وقد روى عبد العزيز بن عمران ، عن مالك بن أنس ، عن الزهري وأبي النضر جميعا ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن أبي طلحة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التصاوير في البيوت ، وهو غريب لمالك عن الزهري خاصة تفرد به عنه عبد العزيز بن عمران ، رواه عنه يعقوب بن محمد الزهري .

وللعلماء في هذا الباب أقاويل ومذاهب ، منها : أنه لا يجوز أن يمسك الثوب الذي فيه تصاوير وتماثيل سواء كان منصوبا أو مبسوطا ، ولا يجوز [ ص: 196 ] دخول البيت الذي فيه التصاوير والتماثيل في حيطانه ، وذلك مكروه كله ; لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تدخل الملائكة بيتا فيه تصاوير ، فإن فعل ذلك فاعل بعد علمه بالنهي عن ذلك ، كان عاصيا عندهم ، ولم يحرم عليه بذلك مالك الثوب ولا البيت ، ولكنه ينبغي له أن يتنزه عن ذلك كله ويكرهه وينابذه ; لما ورد من النهي فيه .

وحجة من ذهب هذا المذهب في الثياب ، وفي حيطان البيوت ، وغيرها : حديث ابن شهاب ، وغيره ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة قالت : دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا مستترة بقرام فيه صور ، فتلون وجهه ، وتناول الستر فهتكه ، ثم قال : إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله .

وروى نافع هذا الخبر ، عن القاسم بهذا المعنى ، وزاد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن البيت الذي فيه الصور ، لا يدخله الملائكة .

وقد ذكرنا هذا الخبر من طرق في باب نافع من كتابنا هذا ، وذكرنا هناك اختلاف ألفاظ ناقليه ، وأن زيادة من زاد فيه من الثقات الحفاظ إباحة ما يتوسد من ذلك ويرتفق به ويمتهن ، يجب قبولها ، وإن كان ظاهر حديث مالك في ذلك كراهية عموم الصور على كل حال ، وإلى ذلك ذهب ابن شهاب ، وهو راوية الحديث ، والله أعلم لمخرجه .

ذكر ابن أبي شيبة ، عن عبد الأعلى ، عن معمر ، عن الزهري ، أنه كان يكره التصاوير ، ما نصب منها وما بسط ، وكان مالك لا يرى بذلك بأسا في البسط والوسائد والثياب ، على حديث سهل بن حنيف هذا : إلا ما كان رقما في ثوب ، وقد ذكرنا مذهب مالك في الصور والتماثيل على كل حال ، ومذهب سائر [ ص: 197 ] فقهاء الأمصار فيها في باب إسحاق بن أبي طلحة من هذا الكتاب ، فلا وجه لإعادة ذلك هاهنا ، ونذكر هاهنا ما جاء ، عن السلف من الصحابة والتابعين في ذلك مما بلغنا عنهم لتتم فائدة الكتاب ، إن شاء الله .

حدثنا سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا جعفر بن محمد الصائغ ، حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : كان على بابي درنوك فيه الخيل ذوات الأجنحة ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ألقوا هذا .

وقال آخرون : إنما يكره من الصور ما كان في الحيطان وصور في البيوت ، وأما ما كان رقما في ثوب فلا .

واحتجوا بحديث سهل بن حنيف وأبي طلحة وهو حديث أبي النضر المذكور في هذا الباب فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا ما كان رقما في ثوب ، فكل صورة مرقومة في ثوب ، فلا بأس بها على كل حال ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استثنى الرقم في الثوب ، ولم يخص من ذلك شيئا ولا نوعا ، وذكروا عن القاسم ، وهو راوية حديث عائشة ما رواه ابن أبي شيبة ، عن أزهر ، عن ابن عون ، قال : دخلت على القاسم ، وهو بأعلى مكة في بيته ، فرأيت في بيته حجلة فيه تصاوير السندس والعنقاء .

وقال آخرون : لا يجوز استعمال شيء من الصور رقما كان في ثوب أو غير ذلك ، إلا أن يكون [ ص: 198 ] الثوب يوطأ ويمتهن ، فأما أن ينصب كالستر ونحوه فلا ، قالوا : وفي حديث عائشة من رواية ابن شهاب ما يخص الثياب ويعينها ، وهو يعارض حديث سهل بن حنيف وأبي طلحة ، إلا أنا قد روينا عن عائشة أن ذلك من الثياب فيما ينصب دون ما يبسط ، فبان بذلك وجه الحديثين ، وأنهما غير متعارضين ، وعائشة قد علمت مخرج حديثها ، ووقفت عليه .

وذكروا من الأثر ما رواه وكيع وغيره ، عن أسامة بن زيد ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : سترت سهوة لي بستر فيه تصاوير ، فلما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - هتكه ، فجعلت منه منبذتين ، فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - متكئا على إحداهما . قالوا ألا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كره من ذلك ما كان سترا منصوبا ، ولم يكره ما اتكأ عليه من ذلك وامتهنه .

قال أبو عمر :

وقد يحتمل أن يكون الستر لما هتكه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تغيرت صورته وتهتكت ، فلما صنع منه ما يتكأ عليه ، لم تظهر فيه صورة بتمامها ، وإذا احتمل هذا لم يكن في حديث عائشة هذا حجة على ابن شهاب ، ومن ذهب مذهبه ، إلا أن من سلف من العلماء جماعة ذهبوا إلى ما كان من رقم الصور فيما يوطأ ويمتهن ويتكأ عليه من الثياب ، لا بأس به .

ذكر ابن أبي شيبة ، عن حفص بن غياث ، عن الجعد ، رجل من أهل المدينة ، قال : حدثتني ابنة سعد أن أباها جاء من فارس بوسائد فيها تماثيل ، فكنا نبسطها .

وعن ابن فضيل ، عن ليث ، قال : رأيت سالم بن عبد الله متكئا على وسادة حمراء فيها تماثيل ، فقلت له في ذلك ، فقال : إنما يكره هذا لمن ينصبه ويصنعه [ ص: 199 ] وعن ابن المبارك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه أنه كان يتكئ على المرافق فيها التماثيل : الطير والرجال .

وعن ابن علية ، عن سلمة بن علقمة ، عن محمد بن سيرين ، قال : كانوا لا يرون ما وطئ وبسط من التصاوير مثل الذي نصب .

وعن إسماعيل بن علية أيضا ، عن أيوب ، عن عكرمة ، أنه كان يقول في التصاوير في الوسائد والبسط التي توطأ : هو أذل لها .

وعن أبي معاوية ، عن عاصم ، عن عكرمة ، قال : كانوا يكرهون ما نصب من التماثيل نصبا ، ولا يرون بأسا بما وطئته الأقدام .

وعن ابن إدريس ، عن هشام بن حسان ، عن ابن سيرين ، أنه كان لا يرى بأسا بما وطئ من التصاوير .

وعن ابن يمان ، عن عثمان بن الأسود ، عن عكرمة بن خالد ، قال : لا بأس بالصورة ، إذا كانت توطأ .

وعن ابن يمان ، عن الربيع بن المنذر ، عن سعيد بن جبير ، قال : لا بأس بالصورة إذا كانت توطأ .

وعن عبد الرحيم بن سليمان ، عن عبد الملك ، عن عطاء في التماثيل ما كان مبسوطا يوطأ أو يبسط ، فلا بأس به ، وما كان منه ينصب فإني أكرهها .

وعن الحسن بن موسى الأشهب ، عن حماد بن سلمة ، عن عمرو بن دينار ، عن سالم بن عبد الله ، قال : كانوا لا يرون بما يوطأ من التصاوير بأسا .

قال أبو عمر :

هذا أعدل المذاهب وأوسطها في هذا الباب ، وعليه أكثر العلماء ، ومن حمل عليه الآثار لم تتعارض على هذا التأويل ، وهو أولى ما اعتقد فيه ، والله الموفق للصواب ، وقد ذهب قوم إلى أن ما قطع رأسه فليس بصورة .

[ ص: 200 ] روى أبو داود الطيالسي ، قال : حدثنا ابن أبي ذئب ، عن شعبة مولى ابن عباس ، قال : دخل المسور بن مخرمة على ابن عباس ، وهو مريض ، وعليه ثوب إستبرق ، وبين يديه ثوب عليه تصاوير ، فقال : المسور : ما هذا يا ابن عباس ، فقال ابن عباس : ما علمت به ، وما أرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن هذا إلا للكبر والتجبر ، ولسنا - بحمد الله - كذلك ، فلما خرج المسور أمر ابن عباس بالثوب فنزع عنه ، وقال : اقطعوا رءوس هذه التصاوير .

وروى ابن المبارك ، قال : أخبرنا يونس بن أبي إسحاق ، قال : حدثنا مجاهد ، قال : حدثنا أبو هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن جبريل أتاني البارحة ، فلم يمنعه أن يدخل إلي إلا أنه كان في البيت حجال وستر فيه تماثيل وكلب ، فأمر برأس التمثال أن يقطع ، وبالستر أن يثنى ويجعل منه وسادتان توطآن ، وبالكلب أن يخرج .

وذكر ابن أبي شيبة ، عن ابن علية ، عن أيوب ، عن عكرمة ، قال : إنما الصورة الرأس ، فإذا قطع فلا بأس .

وعن يحيى بن سعيد ، عن سلمة أبي بشر ، عن عكرمة في قوله ( الذين يؤذون الله ورسوله ) ، قال : أصحاب التصاوير .

وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الصورة المكروهة في صنعتها واتخاذها ما كان له روح ، وحجتهم حديث القاسم ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون ، يقال لهم : أحيوا ما [ ص: 201 ] خلقتم . ففي هذا دليل على أن الحياة إنما قصد بذكرها إلى الحيوان ذوات الأرواح .

وقد حدثنا أحمد بن قاسم ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا الحارث بن أبي أسامة ، قال : حدثنا هوذة بن خليفة ، قال : حدثنا عوف ، عن سعيد بن أبي الحسن ، قال كنت عند ابن عباس إذ جاءه رجل ، فقال : إني أردت أن أنمي معيشتي من صنعة يدي ، وإني أصنع هذه التصاوير ، فقال ابن عباس : لا أحدثك إلا ما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : سمعته يقول : من صور صورة ، فإن الله معذبه يوم القيامة ، حتى ينفخ فيها الروح ، وليس بنافخ فيها أبدا ، قال : فكبا لها الرجل كبوة شديدة ، واصفر وجهه ، ثم قال : ويحك إن أبيت إلا أن تصنع ، فعليك بهذه الشجر ، وكل شيء ليس فيه روح ، وقد كان مجاهد يكره صورة الشجر ، وهذا لا أعلم أحدا تابعه على ذلك .

ذكر ابن أبي شيبة ، عن عبد السلام ، عن ليث ، عن مجاهد ، أنه كان يكره أن يصور الشجر المثمر .

ومما يدل على أن الاختلاف في هذا الباب قديم : ما ذكره ابن أبي شيبة ، عن ابن علية ، عن ابن عون ، قال : كان في مجلس محمد بن سيرين وسائد فيها تماثيل عصافير ، فكان أناس يقولون في ذلك ؟ فقال : محمد : إن هؤلاء قد أكثروا علينا ، فلو حولتموها ، وهذا من ورع ابن سيرين ، رحمه الله .

التالي السابق


الخدمات العلمية