التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
433 [ ص: 327 ] حديث ثان لضمرة بن سعيد

مالك ، عن ضمرة بن سعيد المازني ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي : ما كان يقرأ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الأضحى والفطر ؟ قال : كان يقرأ بـ ( ق والقرآن المجيد ) و ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) .


يحتمل سؤال عمر رحمه الله مع جلالته لأبي واقد عن قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العيدين ; ليعلم إن كان عنده من ذلك علم ، وإلا أنبأه به ، ويحتمل أن يكون على مذهب من قال : إن القراءة في العيدين تكون سرا ، وهو قول شاذ . روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : من السنة أن لا يسمع الإمام قراءته من يليه ، ولا يرفع صوته ، ويحتمل أن يكون عمر نسي ذلك أو أراد عاما بعينه ، والله [ ص: 328 ] أعلم بما كان من ذلك ، وموضع عمر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معروف ، وأنه كان من أولي الأحلام والنهى الذين كانوا يلونه ، والله أعلم .

وهذا الحديث رواه ابن عيينة ، قال : حدثني ضمرة بن سعيد ، عن عبيد الله بن عبد الله ، قال : خرج عمر يوم عيد ، فسأل أبا واقد الليثي : بأي شيء كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في هذا اليوم ؟ فقال : بقاف و اقتربت وقد زعم بعض أهل العلم بالحديث أن هذا الحديث منقطع ; لأن عبد الله لم يلق عمر ، وقال غيره : هو متصل مسند ، ولقاء عبيد الله لأبي واقد الليثي غير مدفوع ، وقد سمع عبيد الله من جماعة من الصحابة ، ولم يذكر أبو داود في باب ما يقرأ به في العيدين إلا هذا الحديث ، وهذا يدل على أنه عنده متصل صحيح .

واختلفت الآثار أيضا في هذا الباب ، وكذلك اختلف الفقهاء أيضا فيه ، فقال مالك : يقرأ في صلاة العيدين بـ ( والشمس وضحاها ) و ( سبح اسم ربك الأعلى ) ونحوها .

وقال الشافعي بحديث أبي واقد الليثي هذا في قاف ( و ) اقتربت الساعة ( .

[ ص: 329 ] وقال أبو حنيفة يقرأ فيهما بـ ) سبح اسم ربك الأعلى ( و ) هل أتاك حديث الغاشية ( وما قرأ من شيء أجزأه ، وقال أبو ثور يقرأ في العيدين بـ ) سبح اسم ربك الأعلى ( و ) هل أتاك حديث الغاشية ( وقد روي عن عمر بن الخطاب مثل ذلك .

وعن ابن مسعود أنه كان يقرأ فيهما بأم القرآن ، وسورة من المفصل ، وكان أبان بن عثمان يقرأ فيهما بـ ) سبح اسم ربك الأعلى ( و ) اقرأ باسم ربك الذي خلق ( وليس في هذا الباب أثر مرفوع إلا حديث أبي واقد الليثي المذكور في هذا الباب ، وحديث سمرة بن جندب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في العيدين بـ ) سبح اسم ربك الأعلى ( و ) هل أتاك حديث الغاشية ( وحديث حبيب بن سالم ، عن النعمان بن بشير ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله ، وقد ذكرناهما جميعا في الباب الذي قبل هذا .

وقد حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرة ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا هشام ، عن ابن جريج ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في العيد بـ ) سبح اسم ربك الأعلى ( [ ص: 330 ] وفي الثانية بـ ) هل أتاك حديث الغاشية ( وهذا أولى ما قيل به في هذا الباب من طريق الاستحباب ، وفي اختلاف الآثار في هذا الباب دليل على أن لا توقيت فيه ، والله أعلم .

وما قرأ به الإمام في صلاة العيدين أجزأه ، إذا قرأ فاتحة الكتاب .

التالي السابق


الخدمات العلمية