صفحة جزء
3818 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي ، قال يوم الفتح : " لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا " . متفق عليه .


3818 - ( وعن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم الفتح ) : أي : فتح مكة لا هجرة بعد الفتح ) : يعني الهجرة المفروضة ; أي : بعد فتح مكة ، كما في رواية البخاري : عن مجاشع بن مسعود ; أي : من مكة إلى المدينة ، وبقيت المندوبة وهي الهجرة من أرض يهجر فيه المعروف ويشيع به المنكر ، أو من أرض أصاب فيها الذنب وارتكب الأمر الفظيع . قال الخطابي : كانت الهجرة على معنيين : أحدهما : الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ، فأمر من أسلم منهم بالهجرة عنهم ليسلم دينهم وليزول أذى المشركين بهم ، ولئلا يفتتنوا ، والمعنى الثاني الهجرة من مكة إلى المدينة ، فإن أهل الدين بالمدينة كانوا قليلين ضعيفين يومئذ ، فوجبت الهجرة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - على كل من أسلم يومئذ في أي موضع كان ليستعين النبي - صلى الله عليه وسلم - بهم إن حدث حادث ، وليتفقهوا في الدين فيعلموا أقوامهم أمر الدين وأحكامه ، فلما فتحت مكة وأسلموا استغنى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عن ذلك ، إذ كان معظم خوف المؤمنين من أهل مكة ، فلما أسلموا أمكن للمسلمين أن يقروا في قعر دارهم ، فقيل لهم : أقيموا في أوطانكم وقروا على نية الجهاد ، وهذا معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ولكن جهاد ونية ) : أي : قصد جهاد ، أو إخلاص عمل ( وإذا استنفرتم ) : بصيغة المجهول ( فانفروا ) : بكسر الفاء ; أي : إذا استخرجتم بالنفير العام فاخرجوا ، فالأمر على فرض العين ، أو إذا دعيتم إلى قتال العدو فانطلقوا ، فالأمر على فرض الكفاية ، وحاصله أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت إلا أن المفارقة بسبب الجهاد ، أو بسبب نية صالحة كالفرار من ديار الكفر ، أو البدعة ، أو الجهل ، أو من الفتن ، أو لطلب العلم باقية غير منسوخة .

قال الطيبي : لكن يقتضي مخالفة ما بعدها لما قبلها ، فالمعنى أم مفارقة الأوطان إلى الله ورسوله التي هي الهجرة المعتبرة الفاضلة المميزة لأهلها من سائر الناس امتيازا ظاهرا انقطعت ، لكن المفارقة من الأوطان بسبب نية خالصة لله تعالى كطلب العلم والفرار بدينه من دار الكفر ، ومما لا يقام فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزيارة البيت الحرام وحرم رسول الله والمسجد الأقصى وغيرها ، أو بسبب الجهاد في سبيل الله باقية مدى الدهر . وقال النووي : معناه أن تحصيل الخير بسبب الهجرة قد انقطع بفتح مكة ، لكن حصلوه بالجهاد والنية الصالحة ، وفيه حث على نية الخير ، وأنه يثاب عليها ، وإذا استنفرتم معناه إذا طلبكم الإمام للخروج إلى الجهاد فاخرجوا ، وهذا دليل على أن الجهاد ليس بفرض عين ، بل هو فرض كفاية إذا فعله من يحصل بهم الكفاية سقط الحرج عن الباقين ، وإن تركوه كلهم أثموا أجمعين اه .

وفيه أن لا دلالة له على كون الجهاد فرض كفاية ، بل ظاهره يدل على أن الجهاد فرض عين حيث لم يقل فلينفر بعضكم ، مع أنه لو قال كذلك لما دل صريحا على نفي فرض العين إذ كان المراد أن لا يخرجوا كلهم معا ، فيصيع العباد وتخرب البلاد ويفوت علم المعاد ، كما قال تعالى : ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ) الآية . وقد تقدم تحقيق هذا المبحث في كلام المحقق ابن الهمام .

قال الطيبي : وقد خص الاستنفار بالجهاد ، ويمكن أن يحمل على العموم أيضا ; أي إذا استنفرتم إلى الجهاد فانفروا ، وإذا استنفرتم إلى طلب العلم وشبهه فانفروا . قال تعالى : ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ) ; أي : هلا نفروا حين استنفروا . قلت : وإنما خص الاستنفار بالجهاد لقوله : ( انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ) الآيات . وأما استدلاله بالآية المذكورة فغفلة عن صدرها ومعناها ; لأنه قال تعالى : بعد وصف المجاهدين : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) ; أي : جميعا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أرادوا ذلك ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ) ; أي : للغزو ( ليتفقهوا ) ; أي : بقية الفرقة ، أو المراد الحث على خروج طائفة للغزو مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليتفقهوا في الدين : أي : ما يتعلق بالجهاد وغيره ( ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) ( متفق عليه ) .

[ ص: 2474 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية