فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي

السخاوي - شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي

صفحة جزء
من ذكر بنعوت متعددة


858 - واعن بأن تعرف ما يلتبس من خلة يعنى بها المدلس      859 - من نعت راو بنعوت نحو ما
فعل في الكلبي حتى أبهما      860 - محمد بن السائب العلامه
سماه حمادا أبو أسامه      861 - وبأبي النضر ابن إسحاق ذكر
وبأبي سعيد العوفي شهر

( من ذكر ) من الرواة ( بنعوت متعددة ) ، وهو نوع مهم وفن ـ كما قال ابن الصلاح - عويص ، بمهملتين أوله وآخره ، كرغيف ; أي : صعب الاستخراج ، والحاجة إليه حاقة ، وفائدة ضبطه الأمن من توهم الواحد اثنين فأكثر . واشتباه الضعيف بالثقة وعكسه ، ( واعن ) ; أي : اجعل أيها الطالب من عنايتك الاهتمام ( بأن تعرف ما يلتبس ) الأمر فيه كثيرا ، لا سيما على غير الماهر اليقظ ، ( من خلة ) بفتح المعجمة وتشديد اللام ; أي : خصلة ، ( يعنى ) بضم أوله وقد يفتح ; أي : يهتم ويشتغل ( بها المدلس ) من الرواة ; أي : كثيرا ، وإلا فقد فعله الخطيب بل والبخاري وغيرهما ممن لم يوصف بتدليس ، ويشير إليه قول ابن الصلاح : فإن أكثر ذلك إنما نشأ من تدليسهم ، وكذا قال ابن كثير : وأكثر ما يقع ذلك من المدلسين ، ( من نعت راو ) [ ص: 202 ] واحد ( بنعوت ) متعددة من الأسماء أو الكنى أو الألقاب أو الأنساب ونحو ذلك ، حيث يكون ذاك الراوي ضعيفا أو صغير السن ، أو الفاعل له مقلا من الشيوخ ، أو قصدا لتمرن الطالب بالنظر في الرواة وتمييزهم إن كان مكثرا ، وأشباه ذلك مما تقدم في قسم تدليس الشيوخ من التدليس .

ثم إنه تارة يكون من راو واحد بأن تتعدد الروايات منه عن ذاك الراوي بأنحاء مختلفة أو من جماعة يعرف كل واحد منهم الراوي بغير ما عرفه الآخر به ، ولعبد الغني بن سعيد الأزدي المصري الحافظ في ذلك ( إيضاح الإشكال ) ، وكذا للخطيب فيه ( الموضح لأوهام الجمع والتفريق ) ، بدأ فيه بما وقع لأستاذ الصنعة البخاري من الوهم في ذلك ، وصنف فيه الصوري أيضا ، وأمثلته كثيرة ، ففي الضعفاء ( نحو ما فعل ) من غير واحد ( في الكلبي ) المنسوب لكلب بن وبرة ، ( حتى أبهما ) الأمر فيه على كثيرين من عدولهم في الكلبي ، ( محمد بن السائب ) بن بشر الكوفي ( العلامه ) ; كما قال ابن سعد في أنساب العرب وأحاديثهم والتفسير والذي اتفق أهل النقل على ضعفه ، واتهمه غير واحد بالكذب والوضع ; حيث سماه ( حمادا ) بدل محمد ( أبو أسامه ) حماد بن أسامة ; إذ روى عنه عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث ، عن ابن عباس رفعه : ( زكاة كل مسك دباغه ) . ولم يتنبه حمزة بن محمد أبو القاسم الكناني الحافظ له ; فإنه وثق حماد بن السائب ، وذلك لا يكون إلا عن غفلة عن أنه محمد بن السائب ; لاشتهاره بالضعف ، ودونه ما وقع [ ص: 203 ] للنسائي في الكنى في الحديث المذكور أسقط " عن " بين أبي أسامة وحماد ; فصار حماد اسم أبي أسامة ، كما نبه على ذلك الحافظ عبد الغني المذكور ، وقال : إنه سأل شيخه الدارقطني عن حماد الواقع في هذا الحديث ، فقال : إنه الكلبي ، إلا أن أبا أسامة كان يسميه حمادا . قال عبد الغني : ويدل لشيخنا أن عيسى بن يونس - يعني السبيعي الكوفي - روى الحديث المشار إليه عن الكلبي مصرحا به عن غير تغطية . انتهى .

والظاهر أنه لقب له اختص بلديه أبو أسامة بمعرفته ; لأنه مع جلالته لا يظن به ابتكار ذلك ، وإن وصف بالتدليس فقد كان يبين تدليسه .

( وبأبي النضر ) بنون وضاد معجمة ، ( ابن إسحاق ) محمد ، صاحب ( المغازي ) ( ذكر ) الكلبي في روايته عنه ، ولكنها كنية شهيرة لابن السائب مع كون ابن إسحاق روى عنه مرة أخرى فسماه ; ولذا قال الخطيب : وهذا القول - يعني في كنيته أبا النضر - صحيح ، ثم أورد الحديث المروي كذلك ، وهو من رواية ابن إسحاق ، عن أبي النضر ، عن باذان ، عن ابن عباس ، عن تميم الداري في هذه الآية : ( ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ) ، وقصة جام الفضة .

( وبأبي سعيد ) عطية بن سعد بن جنادة ( العوفي ) ، نسبة لعوف بن سعد بن ذبيان ( شهر ) الكلبي بما أخذه عنه من التفسير ، مع أنها ليست كنية له ، حتى إن الخطيب روى من طريق الثوري أنه سمع الكلبي نفسه يقول : كناني عطية أبا سعيد . وكذا قال أبو خالد الأحمر قال لي الكلبي : قال لي عطية : كنيتك بأبي سعيد ، فأنا أقول : ثنا أبو سعيد . قال الخطيب : وإنما فعل ذلك ليوهم الناس أنه أبو سعيد الخدري . ونحوه قول ابن حبان : سمع عطية من أبي سعيد الخدري أحاديث ، فلما مات جعل يجالس الكلبي ويحضر قصصه ، وكناه أبا سعيد ، فإذا قال الكلبي : قال رسول الله كذا . يحفظه ويرويه عنه ، فإذا قيل له : من حدثك بهذا ؟ يقول : أبو سعيد . فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري ، وإنما أراد الكلبي ; ولذا قال أحمد : كان هشيم [ ص: 204 ] يضعف عطية ، بل وضعفه غيره . وكنى الكلبي القاسم بن الوليد الهمداني بابن له اسمه هشام ، فقال فيما رواه الخطيب بسنده إلى القاسم ، عن أبي هشام ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس قال : لما نزلت : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا ) الحديث . ثم نقل الخطيب عن ابن أبي حاتم أنه سأل أباه عن هذا الحديث ، فقال : أبو هشام هو محمد بن السائب الكلبي ، وإنما كانت كنيته أبا النضر ، ولكن كان له ابن يقال له : هشام . صاحب نحو وعربية ، فكناه القاسم به . قال الخطيب : وهو محمد بن السائب بن بشر الذي روى عنه ابن إسحاق . يعني كما تقدم ، وإن فرق البخاري بينه وبين الكلبي ; فإنه واحد ، بين نسبه ابن سعد وخليفة بن خياط .

وأشد من هذا الصنيع : أن محمد بن سعيد بن حسان بن قيس الأسدي المصلوب المعروف بالكذب والوضع أيضا يقول فيه يحيى بن سعيد الأموي : محمد بن سعيد بن حسان ، ومروان بن معاوية : مرة محمد بن حسان ، ومرة محمد بن أبي قيس ، ومرة محمد ابن أبي زينب ، ومرة محمد بن زكريا ، ومرة محمد بن أبي الحسن ، ونسبه المحاربي إلى ولاء بني هاشم ، وقال فيه سعيد بن أبي هلال : محمد بن سعيد الأسدي ، ويقولون فيه أيضا : محمد بن حسان الطبري وأبو عبد الرحمن الشامي وأبو قيس الملائي وأبو قيس الدمشقي وأبو عبد الله الشامي . وربما قالوا : عبد الله وعبد الرحمن وعبد الكريم ، ونحوها على معنى التعبيد لله ، وينسبونه أيضا محمد بن سعيد بن عبد العزيز ، ومحمد بن أبي عتبة ، ومحمد بن أبي حسان ، ومحمد بن أبي سهل ، ومحمد بن عبد الرحمن ، ومحمد [ ص: 205 ] الطبري ومحمد الأردني ومحمد المرتضى : ويقال : إنه عبد الرحمن بن أبي شميلة . ولا يثبت ، بل قال ابن عقدة : سمعت أبا طالب عبد الله بن أحمد بن سوادة يقول : قلب أهل الشام اسمه على مائة اسم ، كذا وكذا ، وقد جمعتها في كتاب . ونحوه قول العقيلي : وبلغني عن بعض أصحاب الحديث أنه قال : يقلب اسمه على نحو مائة اسم . قال : وما أبعد أن يكون كما قال . وكذا قال عبد الغني : ومن أمثلته إبراهيم بن أبي يحيى شيخ الشافعي ، هو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى ، واسمه سمعان الأسلمي مولاهم ، قال فيه ابن جريج : أنا إبراهيم بن أبي يحيى فنسبه لجده . وهو مشهور بذلك ، وكذلك قال فيه جمع ، منهم يحيى بن آدم ممن روى عنه ، وقال ابن جريج مرة : أنا إبراهيم بن محمد بن أبي عطاء ، وقال مرة : إبراهيم بن محمد بن أبي عاصم . وقال مرة : أنا أبو الذيب ، وسماه مروان بن معاوية الفزاري عبد الوهاب ، وقال عبد الرزاق : أنا أبو إسحاق السلمي . وقال سعيد بن سليمان : أنا أبو إسحاق بن سمعان مولى أسلم . وقال الواقدي : أنا أبو إسحاق بن أبي عبد الملك . وقال مرة : أبو إسحاق بن محمد ، ومرة : إسحاق بن إدريس ، وهذا الأخير فيه نظر .

ومنها أبو اليقظان شيخ المدائني ، قال الزبير بن بكار : حدثني رجل ثقة قال : قال لي أبو الحسن المدائني : أبو اليقظان هو سحيم بن حفص ، وسحيم لقبه ، واسمه عامر ، وكان لحفص ابن اسمه محمد ، ولم يكن يكنى به ، وكان أسود شديد السواد ، قال : قال لي أبو اليقظان : سميت مدة عبيد الله . قال المدائني : فإذا [ ص: 206 ] قلت : ثنا أبو اليقظان فهو هو ، وهو سحيم بن حفص ، وهو عامر بن أبي محمد وعامر بن الأسود وسحيم بن الأسود وعامر بن حفص وعبيد الله بن فائد وأبو إسحاق المالكي .

وفي الثقات سالم بن عبد الله أبو عبد الله النصري المدني أحد التابعين هو سالم مولى شداد بن الهاد ، وهو سالم مولى النصريين ، وهو سالم سبلان ، وهو سالم مولى مالك بن أوس بن الحدثان ، وهو سالم مولى دوس ، وهو سالم أبو عبد الله الدوسي ، وهو سالم مولى المهري ، وهو أبو عبد الله مولى شداد ، وهو أبو سالم ، إلى غير ذلك مما اشتبه على العجلي الأمر فيه ; حتى أفرد لكل واحد من ثلاثة منه ترجمة .

وفعل ابن حبان ذلك في اثنين ، وكذا مسلم والحسين القباني ; لظنهم التعدد والافتراق ، والصواب عدمه .

وقريب من هذا أن النجم ابن الرفعة الفقيه وجد في موضع خلافا للزهري ، وفي آخر خلافا لابن شهاب ، فجمع بينهما لظن التعدد فقال : خلافا لابن شهاب والزهري ، وما قيل من تجويز كون العطف تفسيريا ، وتقديره خلافا لابن شهاب وهو الزهري ، الظاهر خلافه ، نعم عندي أن الواو سبق قلم ; لوضوح الأمر في هذا .

التالي السابق


الخدمات العلمية