الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الأثار

الحازمي - أبو بكر محمد بن موسى الحازمي الهمذاني

صفحة جزء
[ ص: 518 ] ومن كتاب الأشربة

أخبرني عبد الرزاق بن إسماعيل وجماعة ، قالوا : أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد ، أخبرنا أحمد بن الحسين القاضي ، أخبرنا أحمد بن محمد الحافظ ، أخبرنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا يوسف بن حماد المعني البصري ، حدثني عبد الوارث ، عن أبي التياح قال حفص الليثي : أشهد على عمران أنه حدثنا ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لبس الحرير ، وعن التختم بالذهب ، وعن الشرب في الحناتم .

قرئ على أبي طاهر روح بن بدر وأنا أسمع ، أخبرك محمود بن إسماعيل ، أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين ، أخبرنا سليمان بن أحمد ، أخبرنا أحمد بن محمد السوطي ، حدثنا عفان ، حدثنا شعبة ، عن أبي التياح ، عن حفص الليثي ، عن عمران بن حصين قال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الحنتم . قلت : الحنتم : الجر الأخضر .

أخبرني أبو الفضل الأديب ، أخبرنا سعد بن علي ، أخبرنا القاضي أبو الطيب ، أخبرنا علي بن عمر ، حدثنا الحسين بن إسماعيل ، حدثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام ، حدثنا نوح بن قيس ، عن ابن عون ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لوفد عبد القيس : لا تشربوا في نقير ، ولا مقير ، ولا دباء ، ولا حنتم ، ولا مزادة .

قلت : النقير أصل النخلة ؛ ينقر ويتخذ منه ظرف ، والدباء القرع ، والحنتم ذكرناه .

[ ص: 519 ] وإنما نهى عن هذه الأوعية لأن لها ضراوة يشتد فيها النبيذ ، ولا يشعر بذلك صاحبها ، فيكون على غرر من شربها .

وقد اختلف الناس في هذا الباب :

فذهب بعضهم إلى أن الخطر باق ، وكرهوا أن ينبذ في هذه الأوعية ، وإليه ذهب مالك وأحمد وإسحاق ، قال الخطابي : قد يروى ذلك عن ابن عمر ، وابن عباس .

وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الحظر كان في مبدأ الأمر ، ثم رفع الحظر ، وصار منسوخا ، وتمسكوا في ذلك بأحاديث ثابتة صحيحة تصرح بالنسخ ، وأكثرها نصوص .

أخبرني محمد بن إبراهيم بن علي ، أخبرنا يحيى بن عبد الوهاب ، أخبرنا محمد بن أحمد ، حدثنا عبد الله بن جعفر الحافظ ، حدثنا إسحاق بن أحمد ، حدثنا محمد بن علي بن حمزة ، حدثنا أبو عاصم ، حدثنا سفيان الثوري ، عن علقمة بن مرثد ، عن سلمان بن بريدة ، عن أبيه قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور ، فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها ؛ فإنها تذكر الآخرة ، وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث ليتسع ذوو الطول على من لا طول له ، فكلوا ما بدا لكم ، وأطعموا وادخروا ، ونهيتكم عن الظروف ، وإن الظروف لا تحرم شيئا ولا تحله ، وكل مسكر حرام .

قرأت على محمد بن ذاكر بن محمد المستملي ، أخبرك الحسن بن أحمد ، أخبرنا محمد بن أحمد الكاتب ، أخبرنا علي بن عمر ، حدثنا علي بن أحمد [ ص: 520 ] بن الهيثم ، حدثنا أحمد بن إبراهيم ، حدثنا يحيى بن يحيى ، حدثنا محمد بن جابر ، عن سماك ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كنا نهيناكم عن الشرب في الأوعية ، فاشربوا في أي سقاء شئتم ، ولا تشربوا مسكرا .

جود يحيى بن يحيى إسناد هذا الحديث ، وهو إمام ، وقال أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن القزويني ، حدثنا محمد بن الفضل الطبري ، حدثنا أحمد بن عبدة الضبي ، حدثنا ابن أبان أبو خالد ، عن عمرو بن دينار مولى الزبير ، عن سالم ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ألا إني كنت نهيتكم عن نبيذ الجر ، وإن الأوعية لا تحل شيئا ولا تحرم ، فاشربوا ولا تشربوا مسكرا .

وأنكر من نصر القول الأول ؛ ورود النسخ على الظروف كلها ، وقال : كان النهي ورد عن الظروف كلها ثم نسخ ، منها ظروف الأدم ، وما عداها من المزفت والحناتم وغيرها باق على أصل الحظر ، وتمسكوا في ذلك بما أخبرنا عبد الله بن حبيب بن أبي القاسم القزويني ، أخبرنا محمد بن الفضل بن أحمد الفقيه ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد التاجر ، أخبرنا محمد بن عيسى ، حدثنا إبراهيم بن محمد ، حدثنا مسلم ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وابن أبي عمر ، واللفظ لابن أبي عمر ، حدثنا سفيان ، عن سليمان الأحول ، عن مجاهد ، عن أبي عياض ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : لما نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن النبيذ في الأوعية قالوا : ليس كل الناس يجد . فأرخص لهم في الجر غير المزفت .

[ ص: 521 ] قالوا : وهذا حديث صحيح يدل على صحة ما ذكرناه ، ويدل عليه أيضا ما رواه شعبة ، عن عقبة بن حريث : سمعت ابن عمر يقول : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الجر ، والدباء ، والمزفت ، وقال : انتبذوا في الأسقية .

وهذا حديث صحيح ؛ ألا ترى أن النهي في حديث عبد الله بن عمرو عم الأوعية كلها ؛ فتناول الأسقية وغيرها من الظروف ، ثم بين في حديث ابن عمرو وفصل بين ما هو باق على أصل الحظر ، وما هو منسوخ ؟ !

وقال من نصر القول الثاني : لا يمكن الاستدلال بحديث ابن عمر ؛ لأنه قصر في الحديث ، ورواه مختصرا على ما سمعه ، وغيره رواه أحسن سياقا منه ، وأتم من حديثه ، وقد أجمعنا على قبول الزيادة من الثقات ، وتمسكوا بأحاديث :

منها ما قرئ على إبراهيم بن علي الفقيه وأنا أسمع ، أخبرك أبو عبد الله محمد بن الفضل ، أخبرنا أبو الحسين التاجر ، أخبرنا محمد بن عيسى ، أخبرنا إبراهيم بن محمد الفقيه ، أخبرنا مسلم ، أخبرنا محمد بن عبد الله بن نمير ، حدثنا محمد بن فضيل ، حدثنا ضرار بن مرة ، حدثنا سنان ، عن محارب بن دثار ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء ؛ فاشربوا في الأسقية كلها ، ولا تشربوا مسكرا ويحتمل معنى آخر : وهو أنا نقول : دلت الأحاديث الثابتة على أن النهي كان مطلقا على الظروف كلها ، ودل بعضها أيضا على السبب الذي لأجله رخص فيها ، وهو أنهم شكوا إليه الحاجة إليها ، فرخص لهم في ظروف الأدم لا غير ، ثم إنهم شكوا إليه أن ليس كل أحد يجد سقاء ، فرخص لهم في الظروف كلها ؛ ليكون جمعا بين الأحاديث كلها ، سيما بين حديث بريدة من الوجه الذي سقناه ، وبين حديث عبد الله بن عمر ، والله أعلم بالصواب .

التالي السابق


الخدمات العلمية