نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

صفحة جزء
باب الخلع

( وإذا تشاق الزوجان وخافا أن لا يقيما حدود الله فلا بأس بأن تفتدي نفسها منه بمال يخلعها به ) لقوله تعالى: { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } [ ص: 494 ] ( فإذا فعلا ذلك وقع بالخلع تطليقة بائنة ولزمها المال ) لقوله عليه الصلاة والسلام : { الخلع تطليقة بائنة }ولأنه يحتمل الطلاق حتى صار من الكنايات والواقع بالكنايات بائن ، إلا أن ذكر المال أغنى عن النية هنا ، ولأنها لا تسلم المال إلا لتسلم لها نفسها وذلك بالبينونة ( وإن كان النشوز من قبله يكره له أن [ ص: 495 ] يأخذ منها عوضا ) لقوله تعالى: { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج }إلى أن قال : { فلا تأخذوا منه شيئا }ولأنه أوحشها بالاستبدال فلا يزيد في وحشتها بأخذ المال .

( وإن كان النشوز منها كرهنا له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها ) . وفي رواية الجامع الصغير : طاب الفضل أيضا لإطلاق ما تلونا بدءا ، ووجه الأخرى { قوله عليه الصلاة والسلام في امرأة ثابت بن قيس بن شماس : أما الزيادة فلا وقد كان النشوز منها }( ولو أخذ الزيادة جاز في القضاء ) [ ص: 496 ] وكذلك إذا أخذ والنشوز منه ; لأن مقتضى ما تلوناه شيئان : الجواز حكما والإباحة ، وقد ترك العمل في حق الإباحة لمعارض فبقي معمولا في الباقي .


باب الخلع

الحديث الأول : قال عليه السلام : { الخلع تطليقة بائنة }; قلت : روى الدارقطني ، ثم البيهقي في " سننيهما " من حديث عباد بن كثير عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس [ ص: 494 ] { أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الخلع تطليقة بائنة }انتهى .

ورواه ابن عدي في " الكامل " ، وأعله بعباد بن كثير الثقفي ، وأسند عن البخاري ، قال : تركوه .

وعن النسائي ، قال : متروك الحديث ، وعن شعبة قال : احذروا حديثه ، وسكت عنه الدارقطني ، إلا أنه أخرج عن ابن عباس خلافه من رواية طاوس عنه ، قال : الخلع فرقة ، وليس بطلاق ، وهذا رواه عبد الرزاق في " مصنفه " ، وقال : لو طلق رجل امرأته تطليقتين ، ثم اختلعت منه ، حل له أن ينكحها ، ذكر الله الطلاق في أول الأمر ، وفي آخره ، والخلع بينهما انتهى .

{ حديث آخر } مرسل : رواه عبد الرزاق في " مصنفه " حدثنا ابن جريج عن داود بن أبي عاصم عن سعيد بن المسيب { أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الخلع تطليقة }انتهى . وكذلك رواه ابن أبي شيبة .

أثر : رواه مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن جمهان مولى الأسلميين عن أم بكر الأسلمية أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن خالد بن أسيد ، فأتيا عثمان بن عفان في ذلك . فقال : هي تطليقة ، إلا أن تكون سميت شيئا ، فهو ما سميت انتهى .

ومن طريق مالك رواه البيهقي ، ونقل عن أبي داود السجستاني أنه سأل أحمد بن حنبل عن جمهان هذا . فقال : لا أعرفه ، وضعف الحديث من أجله ; واستدل ابن الجوزي في " التحقيق " لمذهبنا بحديث أخرجه أبو داود ، والترمذي عن هشام بن يوسف ثنا معمر [ ص: 495 ] عن عمرو بن مسلم عن عكرمة عن ابن عباس { أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه ، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة }انتهى .

ورواه الحاكم في " المستدرك " ، وصححه ، قال : إلا أن عبد الرزاق أرسل عن معمر . انتهى .

وتعقبه صاحب " التنقيح " ، وقال : الحديث حجة لمن قال : الخلع ليس بطلاق ، إذ لو كان طلاقا لم تعتد فيه بحيضة . قال : وعمرو بن مسلم ، هذا هو الجندي اليماني ، روى له مسلم ، ووثقه ابن حبان ، وقال ابن حزم : ليس بشيء ، ورد الحديث من أجله انتهى .

أثر آخر : رواه مالك في " الموطأ " عن نافع أن ربيع بنت معوذ جاءت هي وعمتها إلى عبد الله بن عمر ، فأخبرته أنها اختلعت من زوجها في زمان عثمان بن عفان ، فبلغ ذلك عثمان ، فلم ينكره ، فقال ابن عمر : عدتها عدة المطلقة ، قال مالك : إنه بلغه أن سعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، وابن شهاب ، كانوا يقولون : عدة المختلعة ثلاثة قروء انتهى .

الحديث الثاني : { قال عليه السلام في امرأة ثابت بن قيس بن شماس : أما الزيادة فلا ، وقد كان النشوز من جهتها }; قلت : روي مرسلا عن عطاء ، وعن أبي الزبير .

فحديث عطاء : رواه أبو داود في " مراسيله " عنه ، قال : { جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو زوجها ، فقال : أتردين عليه حديقته التي أصدقك ؟ قالت : نعم ، وزيادة ، [ ص: 496 ] قال : أما الزيادة فلا }انتهى .

ورواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا حفص عن ابن جريج عن عطاء ، فذكره ; ورواه عبد الرزاق في " مصنفه " أخبرنا ابن جريج عن عطاء به ، ورواه الدارقطني في " سننه " عن غندر عن ابن جريج به . قال الدارقطني : هذا [ ص: 497 ] مرسل ; وقد أسنده الوليد عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ، والمرسل أصح انتهى . [ ص: 498 - 500 ]

وحديث أبي الزبير : أخرجه الدارقطني في " سننه " عن حجاج عن ابن جريج ، قال : أخبرني أبو الزبير { أن ثابت بن قيس بن شماس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبي ابن سلول ، وكان أصدقها حديقة ، فكرهته ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أتردين عليه حديقته التي أعطاك ؟ قالت : نعم ، وزيادة ; فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما الزيادة فلا ، ولكن حديقته ، قالت : نعم ، فأخذها وخلى سبيلها }انتهى . قال : سمعه أبو الزبير من غير واحد ، ثم أخرج عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا يأخذ الرجل من المختلعة أكثر مما أعطاها } ، انتهى .

أحاديث الباب : روى ابن ماجه في " سننه " حدثنا أزهر بن مروان ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ، { أن جميلة بنت سلول أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : والله ما أعتب على ثابت في دين ، ولا خلق ، ولكني [ ص: 501 ] أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضا ، فقال عليه السلام : أتردين عليه حديقته ؟ قالت : نعم ، فأمره عليه السلام أن يأخذ منها حديقته ، ولا يزداد }انتهى .

ورواه الطبراني في " معجمه " عن عبيد الله بن عمر القواريري ثنا عبد الأعلى به ، والحديث في " صحيح البخاري " ليس فيه ذكر الزيادة ، أخرجه عن عكرمة عن ابن عباس { أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : ما أعتب عليه في خلق ، ولا دين ، ولكني أكره }; وفي رواية منقطعة : { ولكني لا أطيق الكفر في الإسلام ، فقال عليه السلام : أتردين عليه حديقته ؟ قالت : نعم ، فقال عليه السلام : اقبل الحديقة وطلقها تطليقة }انتهى .

وفي لفظ : { وأمره ففارقها }; وأخرجه ابن ماجه عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، قال : { كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس ، وكان رجلا دميما ، فقالت : يا رسول الله والله لولا مخافة الله لبصقت في وجهه إذا دخل علي ، فقال عليه السلام : أتردين عليه حديقته ؟ قالت : نعم ، فردتها عليه ، وفرق بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم }; ورواه أحمد في " مسنده " من حديث سهل بن أبي حثمة بلفظ ابن ماجه هذا ، وسماها حبيبة بنت سهل الأنصارية ، وزاد فيه : { وكان ذلك أول خلع في الإسلام } ، وتقدم عند ابن ماجه أيضا : جميلة ، وتقدم اسمها عند الدارقطني ; زينب ، فالله أعلم ; ورواه أبو داود من حديث عمرة عن عائشة أن حبيبة بنت سهل ، فذكره بنحوه ; وفي البخاري سماها : جميلة ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية