نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

صفحة جزء
( وإن أم اثنين تقدم عليهما ) وعن أبي يوسف رحمه الله يتوسطهما ، ونقل ذلك عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه . [ ص: 42 - 43 ] ولنا { أنه عليه الصلاة والسلام تقدم على أنس واليتيم حين صلى بهما } ، فهذا للأفضلية ، والأثر دليل الإباحة .


الحديث السابع والستون : روي عن ابن مسعود أنه أم اثنين ، فتوسطهما ، قلت : أخرجه مسلم في " صحيحه " عن إبراهيم عن علقمة . والأسود أنهما دخلا على عبد الله ، فقال : أصلى من خلفكم ؟ قالا : نعم ، فقام بينهما ، فجعل أحدهما عن يمينه . والآخر عن شماله ، ثم ركعنا ، فوضعنا أيدينا على ركبنا ، ثم طبق بين يديه ، ثم جعلهما بين فخذيه ، فلما صلى ، قال : هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم . انتهى .

ورواه أبو داود في " سننه " ، لم يذكر فيه التطبيق ، ولفظه : قال : استأذن علقمة . والأسود على عبد الله ، فأذن لهما ، ثم قام فصلى بينهما ، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ، قال المنذري في " مختصره " : قال أبو عمر بن عبد البر : هذا الحديث لا يصح رفعه ، والصحيح [ ص: 42 ] عندهم التوقيف على ابن مسعود ، أنه صلى كذلك بعلقمة والأسود ، قال : وهذا الذي أشار إليه أبو عمر قد أخرجه مسلم في " صحيحه " أن ابن مسعود صلى بعلقمة والأسود ، وهو موقوف ، وقال بعضهم : إنه منسوخ ، لأنه إنما تعلم هذه الصلاة من النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة ، وفيها التطبيق ، وأحكام أخرى ، هي الآن متروكة ، وهذا الحكم من جملتها ، ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة تركه . انتهى كلامه .

وقال النووي في " الخلاصة " : الثابت في " صحيح مسلم " أن ابن مسعود فعل ذلك ، ولم يقل : هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ، ورواه أبو داود مرفوعا بسند فيه هارون بن عنترة ، وهو وإن وثقه أحمد . وابن معين ، فقد قال الدارقطني : هو متروك ، كان يكذب ، وهذا جرح مفسر ، فيقدم على التعديل ، ورواه البيهقي من طريق ابن إسحاق عن ابن الأسود به ، وابن إسحاق مشهور بالتدليس ، وقد عنعن ، والمدلس إذا عنعن لا يحتج به بالاتفاق . انتهى كلامه . قلت : كأنهما ذهلا ، فإن مسلما أخرجه من ثلاث طرق ، لم يرفعه في الأوليين ، ورفعه في الثالثة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال فيه : هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم والدليل عليه أن الترمذي ، قال في " جامعه " : وروي عن ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود ، فقام بينهما ، قال : ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم . انتهى .

ورواه البيهقي وأحمد من طريق محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه ، قال : دخلت أنا وعلقمة على ابن مسعود بالهاجرة ، فلما زالت الشمس أقام الصلاة ، فقمت أنا وصاحبي خلفه ، فأخذ بيدي وبيد صاحبي ، فجعلنا عن يمينه ويساره ، وقام بيننا ، وقال : هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ، إذا كانوا ثلاثة انتهى .

وضعف بابن إسحاق ، وقد عنعن ، وهو مدلس .

وأجيب عن حديث ابن مسعود هذا بثلاثة أجوبة : أحدها : أن ابن مسعود لم يبلغه حديث أنس الآتي ذكره عقيب هذا الحديث . الثاني أنه كان لضيق المسجد ، رواه الطحاوي في " شرح الآثار " بسنده عن ابن سيرين أنه قال : لا أرى ابن مسعود فعل ذلك إلا لضيق المسجد ، أو لعذر آخر ، لا على أنه من السنة . انتهى .

والثالث : ذكره البيهقي في " المعرفة " ، قال : وأما ما روي عن ابن مسعود ، فقد قال فيه ابن سيرين : إنه كان لضيق المسجد ، وقد قيل : إنه { رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي . وأبو ذر عن يمينه ، كل واحد يصلي [ ص: 43 ] لنفسه ، فقام ابن مسعود خلفهما ، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم بشماله ، فظن عبد الله أن ذلك سنة الموقف ، ولم يعلم أنه لا يؤمهما ، وعلمه أبو ذر ، حتى قال ، فيما روي عنه : يصلي كل رجل منا لنفسه } ، وذهب الجمهور إلى ترجيح رواية غيره على روايته بكثرة العدد ، والقائلين به ، وبسلامته من الأحكام المنسوخة انتهى .

وقال الحازمي في " كتابه الناسخ والمنسوخ " : وحديث ابن مسعود منسوخ ، لأنه إنما تعلم هذه الصلاة من النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة ، وفيها التطبيق ، وأحكام أخرى هي الآن متروكة ، وهذا الحكم من جملتها ، ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة تركه ، بدليل ما أخرجه مسلم عن عبادة بن الوليد عن جابر ، قال : { سرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ، فقام يصلي . قال : فجئت حتى قمت عن يساره ، فأخذ بيدي ، فأدارني حتى أقامني عن يمينه ، فجاء ابن صخر حتى قام عن يساره ، فأخذنا بيديه جميعا ، فدفعنا حتى أقامنا خلفه }انتهى .

قال : وهذا دال على أن هذا الحكم هو الآخر ; لأن جابر إنما شهد المشاهد التي كانت بعد بدر ، ثم في قيام ابن صخر عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم أيضا دلالة على أن الحكم الأول كان مشروعا ، وأن ابن صخر كان يستعمل الحكم الأول حتى منع منه ، وعرف الحكم الثاني .

الحديث الثامن والستون : روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم تقدم على أنس ، واليتيم حين صلى بهما } ، قلت : أخرجه الجماعة ، إلا ابن ماجه عن مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك ، { أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته ، فأكل منه ، ثم قال : قوموا فلأصل لكم ، قال أنس : فقمت إلى حصير لنا ، قد اسود من طول ما لبث ، فنضحته بماء ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصففت أنا . واليتيم وراءه ، والعجوز من ورائنا ، فصلى لنا ركعتين ، ثم انصرف }. انتهى .

واليتيم ، هو ضميرة بن أبي ضميرة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، له ، ولأبيه صحبة ، قال أبو عمر : قوله : جدته مليكة ، مالك يقوله ، والضمير عائد على إسحاق ، وهي جدة إسحاق أم أبيه عبد الله بن أبي طلحة [ ص: 44 ] وهي أم سليم بنت ملحان زوج أبي طلحة الأنصاري ، وهي أم أنس بن مالك ، وقال غيره : الضمير يعود على أنس ، وهو القائل : إن جدته ، وهي جدة أنس بن مالك أم أمه ، واسمها مليكة بنت مالك بن عدي ، ويؤيد ما قاله أبو عمران في بعض طرق الحديث : إن { أم سليم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيها } ، أخرجه النسائي عن يحيى بن سعيد عن إسحاق بن عبد الله ، فذكره .

وأم سليم هي أم أنس ، جاء ذلك مصرحا في " البخاري " ، وقال النووي في " الخلاصة " : الضمير في جدته لإسحاق على الصحيح ، وهي أم أنس ، وجدة إسحاق ، وقيل . جدة أنس ، وهو باطل ، وهي أم سليم ، صرح به في رواية للبخاري ، واليتيم ، هو : ضميرة بن سعد الحميري انتهى كلامه . ومن أحاديث الباب : ما أخرجه مسلم عن جابر رضي الله عنه ، قال : { قام النبي صلى الله عليه وسلم فقمت عن يساره . فأخذ بيدي ، فأدارني حتى أقامني عن يمينه ، ثم جاء جبار بن صخر ، فقام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بأيدينا جميعا ، فدفعنا حتى أقامنا خلفه } ، مختصر من حديث طويل في " آخر مسلم " وهو عقيب حديث : أصحاب الأخدود .

التالي السابق


الخدمات العلمية