نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

صفحة جزء
( وإن ) ( حاذته امرأة وهما مشتركان في صلاة واحدة فسدت صلاته إن [ ص: 47 ] نوى الإمام إمامتها ) والقياس أن لا تفسد ، وفي قول الشافعي رحمه الله اعتبارا بصلاتها حيث لا تفسد ، وجه الاستحسان ما رويناه ، وأنه من المشاهير ، وهو المخاطب به دونها ، فيكون هو التارك لفرض المقام ، فتفسد صلاته دون صلاتها كالمأموم إذا تقدم على الإمام ( وإن لم ينو إمامتها لم تضره ، ولا تجوز صلاتها ) لأن الاشتراك لا يثبت دونها عندنا خلافا ، لزفر رحمه الله ، ألا ترى أنه يلزمه الترتيب في المقام فيتوقف على التزامه كالاقتداء ، وإنما يشترط نية الإمام إذا ائتمت محاذية ، وإن لم يكن بجنبها رجل ففيه روايتان . والفرق على إحداهما أن الفساد في الأول لازم ، وفي الثاني محتمل . ( ومن شرائط المحاذاة أن تكون الصلاة مشتركة ، وأن تكون مطلقة وأن تكون المرأة من أهل الشهوة ، وأن لا يكون بينهما حائل ) لأنها عرفت مفسدة بالنص ، بخلاف القياس ، فيراعى جميع ما ورد به النص .


قوله : لأنها عرفت مفسدة بالنص " يعني المرأة " ، وكأنه يشير إلى حديث : { أخروهن من حيث أخرهن الله } ، وفيه مع ضعفه بعد .

أحاديث المنفرد خلف الصف : أخرج أبو داود . والترمذي عن عمرو بن مرة [ ص: 47 - 48 ] عن هلال بن يساف عن عمرو بن راشد عن وابصة بن معبد { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده ، فأمره أن يعيد الصلاة }انتهى .

وأخرجه الترمذي أيضا ، وابن ماجه عن حصين عن هلال بن يساف ، قال : أخذ زياد بن أبي الجعد بيدي ، ونحن بالرقة ، فقام بي على شيخ ، يقال له : وابصة ، فقال زياد : حدثني هذا الشيخ والشيخ يسمع : أن رجلا صلى ، فذكره ، وقال : حديث حسن ، قال : واختلف أهل العلم . فقال بعضهم : حديث عمرو بن مرة أصح ، وقال بعضهم : حديث حصين أصح ، وهو عندي أصح من حديث عمرو ، لأنه روي من غير وجه عن هلال عن زياد عن وابصة . انتهى .

وليس في حديث ابن ماجه : أخبرني هذا الشيخ ، فكأن هلالا رواه عن وابصة نفسه ، ورواه ابن حبان في " صحيحه " بالإسنادين المذكورين ، ثم قال : وهلال بن يساف سمعه من عمرو بن راشد . ومن زياد بن أبي الجعد عن وابصة ، فالخبران محفوظان . وليس هذا الخبر مما تفرد به هلال بن يساف ، ثم أخرجه عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد عن عمه عبيد بن أبي الجعد عن أبيه زياد بن أبي الجعد عن وابصة ، فذكره ، ورواه البزار في " مسنده " بالأسانيد الثلاثة المذكورة ، ثم قال : أما حديث عمرو بن راشد ، فإن عمرو بن راشد رجل لا يعلم حدث إلا بهذا الحديث ، وليس معروفا بالعدالة ، فلا يحتج بحديثه ، وأما حديث حصين ، فإن حصينا لم يكن بالحافظ ، فلا يحتج بحديثه في حكم ، وأما حديث يزيد بن زياد ، فلا نعلم أحدا من أهل العلم إلا وهو يضعف أخباره ، فلا يحتج بحديثه .

، وقد روي عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف عن وابصة ، وهلال لم يسمع من وابصة ، فأمسكنا عن ذكره لإرساله انتهى .

قال البيهقي : في " المعرفة " : وإنما لم يخرجاه صاحبا الصحيح ، لما وقع في إسناده من الاختلاف ، ثم ذكر هذه الأسانيد الثلاثة . [ ص: 49 ]

{ حديث آخر } للخصم أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن بدر عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان عن أبيه ، قال : { صلينا وراء النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضى الصلاة رأى رجلا فردا يصلي خلف الصف ، قال : فوقف عليه نبي الله حين انصرف ، ثم قال له : استقبل صلاتك ، فإنه لا صلاة لمن صلى خلف الصف وحده } ، ورواه ابن حبان في " صحيحه " . والبزار في " مسنده " ، وقال : وعبد الله بن بدر ليس بالمعروف ، إنما حدث عنه ملازم بن عمرو . ومحمد بن جابر ، فأما ملازم ، فقد احتمل حديثه ، وإن لم يحتج به ، وأما محمد بن جابر ، فقد سكت الناس عن حديثه ، وعلي بن شيبان لم يحدث عنه إلا ابنه ، وابنه هذه صفته ، وإنما ترتفع جهالة المجهول إذا روى عنه ثقتان مشهوران ، فأما إذا روى عنه من لا يحتج بحديثه لم يكن ذلك الحديث حجة ، ولا ارتفعت جهالته . انتهى .

{ حديث آخر } أخرجه البزار في " مسنده " عن النضر بن عبد الرحمن عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث ابن شيبان ، قال البزار : ولا يعلم رواه عن عكرمة إلا النضر ، وهو لين الحديث ، وقد روى أحاديث لا يتابع عليها ، وهو عند بعض أهل العلم ضعيف جدا ، فلا يحتج بحديثه ، وقد عارض هذه الأحاديث أخبار ثابتة دلت على جواز صلاة الذي يصلي خلف الصف وحده انتهى .

{ حديث آخر } مرسل : رواه أبو داود في " المراسيل " عن مقاتل بن حيان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن جاء رجل فلم يجد أحدا ، فليختلج إليه رجلا من الصف ، فليقم معه ، فما أعظم أجر المختلج } ، انتهى .

ورواه البيهقي . الأحاديث الدالة على الجواز : أخرج البخاري في " صحيحه " عن الحسن عن أبي بكرة { أنه دخل المسجد ، والنبي صلى الله عليه وسلم راكع ، فركع دون الصف ، ثم دب حتى انتهى إلى الصف ، فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته ، قال : إني سمعت نفسا عاليا ، فأيكم الذي [ ص: 50 ] ركع دون الصف ، ثم مشى إلى الصف ؟ فقال أبو بكرة : أنا يا رسول الله ، خشيت أن تفوتني الركعة ، فركعت دون الصف ، ثم لحقت الصف ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : زادك الله حرصا ، ولا تعد }انتهى . وهذا يدل على أن أمره عليه السلام بالإعادة في حديث وابصة ليس على الإيجاب ، ولكن على الاستحباب ، وقوله في حديث أبي بكرة : " ولا تعد " إنما هو إرشاد له في المستقبل إلى ما هو أفضل له ، ولو لم يكن مجزئا ، لأمره بالإعادة ، والنهي إنما وقع عن السرعة ، والعجلة إلى الصلاة ، كأنه أحب له أن يدخل في الصف ، ولو فاتته الركعة ، ولا يعجل بالركوع دون الصف ، يدل عليه ما رواه البخاري فيه ، وفي " كتابه المفرد في القراءة خلف الإمام " : { ولا تعد ، صل ما أدركت واقض ما سبقت }. انتهى .

فهذه الزيادة دلت على ذلك ، ويقويها حديث : { فأتوا وعليكم السكينة ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فاقضوا } ، وقيل . وقع على التأخر عن الصلاة .

{ حديث آخر } : حديث أنس أخرجه البخاري . ومسلم ، وفيه : { فصففت أنا واليتيم خلفه ، والعجوز من ورائنا }وأحكام الرجال والنساء في ذلك سواء ، قال ابن حبان في " صحيحه " : وقد وهم بعض أئمتنا أن العجوز لم تكن وحدها ، وإنما كان معها أخرى .

حديث أخبرنا به الحسين ، فذكره بسنده عن أنس بن مالك ، قال : { صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بساط ، فأقامني عن يمينه ، وقامت أم سليم . وأم حرام خلفنا }انتهى .

قال : وليس كذلك ، لأنهما صلاتان في وقتين مختلفين ، فتلك الصلاة كانت على حصير ، وقام فيها أنس . واليتيم معه خلف المصطفى ، والعجوز وحدها وراءهم ، وهذه الصلاة كانت على بساط ، وقام فيها أنس عن يمين المصطفى ، وأم سليم ، وأم حرام خلفهما ، فكانتا صلاتين مختلفتين انتهى كلامه .

التالي السابق


الخدمات العلمية