نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

صفحة جزء
[ ص: 115 - 117 ] فصل ( ويكره استقبال القبلة بالفرج في الخلاء ) لأنه عليه الصلاة والسلام " نهى عن ذلك " والاستدبار يكره في رواية لما فيه من ترك التعظيم ، ولا يكره في رواية لأن المستدبر فرجه غير مواز للقبلة ، وما ينحط منه ينحط إلى الأرض ، بخلاف المستقبل ; لأن فرجه مواز لها ، وما ينحط منه ينحط إليها .


فصل

الحديث التاسع والتسعون : روي { أنه عليه السلام نهى عن استقبال القبلة بالفرج [ ص: 118 ] في الخلاء } ، قلت : أخرجه الأئمة الستة في " الطهارة " عن عطاء بن يزيد عن أبي أيوب الأنصاري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا أتيتم الغائط ، فلا تستقبلوا القبلة ، ولا تستدبروها ، ولكن شرقوا ، أو غربوا }. انتهى .

{ حديث آخر } : أخرجه الجماعة إلا البخاري عن عبد الرحمن بن يزيد { عن سلمان الفارسي قيل له : علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة ؟ فقال : أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول . وأن نستنجي باليمين ، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار ، أو أن نستنجي برجيع أو عظم }. انتهى .

{ حديث آخر } : أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه ، واللفظ لمسلم ، عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا : { إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبلن القبلة ولا يستدبرها }انتهى .

{ حديث آخر } : أخرجه أبو داود وابن ماجه عن أبي زيد عن معقل بن أبي معقل الأسدي ، قال : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلتين ببول أو بغائط }. انتهى .

قال أبو داود : أبو زيد مولى لبني ثعلبة . انتهى . ومن طريق أبي داود ، رواه البيهقي في " سننه " ، قال شيخنا الذهبي في " مختصر سنن البيهقي " : وأبو زيد هذا لا يدرى من هو . انتهى . وهذا حديث لم يذكر فيه الاستدبار .

[ ص: 119 ] ومثله { حديث آخر } : أخرجه ابن ماجه عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب أنه سمع عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي ، يقول : أنا أول من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : { لا يبولن أحدكم مستقبل القبلة } ، وأنا أول من حدث الناس بذلك . انتهى .

وروى مالك في " الموطأ " عن نافع { عن رجل من الأنصار عن أبيه ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى أن يستقبل القبلة ببول أو غائط } ، فيه رجل مجهول ، فهو كالمنقطع ، والله أعلم قال الشيخ في " الإمام " : وقد اختلف العلماء ، هل النهي لأجل القبلة ، أو لأجل الملائكة ؟ قال : وتعلق الأولون بما أخرجه أبو جعفر الطبري في " تهذيب الآثار " عن سماك بن الفضل عن ابن رشدين الجندي عن سراقة بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا أتى أحدكم الغائط ، فليكرم قبلة الله عز وجل ، فلا يستقبل القبلة }.

وأخرج أيضا عن عمرو بن جميع عن عبد الله بن الحسن عن أبيه عن جده ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من جلس ببول ، قبالة القبلة ، فذكر ، فتحرف عنها إجلالا لها ، لم يقم من مجلسه حتى يغفر له } ، وأخرج الدارقطني عن زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن طاوس مرسلا ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا أتى أحدكم البراز ، فليكرم قبلة الله عز وجل ، ولا يستقبلها ، ولا يستدبرها }. قال عبد الحق في " أحكامه " : وقد أسند هذا عن ابن عباس ، ولا يصح ، أسنده أحمد بن الحسن المصري وهو متروك ، قال ابن القطان في " كتابه " : والمرسل أيضا ضعيف ، فإنه دائر على زمعة بن صالح ، وقد ضعفه أحمد بن حنبل وابن معين وأبو حاتم .

فائدة : قال الشيخ في " الإمام " : ذكر ابن حزم في " كتابه " أنه يحرم استقبال القبلة بالاستنجاء ، واستدل عليه بحديث سلمان بعدما أخرجه من جهة مسلم بسنده عن { سلمان ، قال : قال لنا المشركون : علمكم نبيكم كل شيء ، حتى الخراءة ؟ فقال سلمان : أجل لقد نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه ، أو مستقبل القبلة } ، الحديث . كذا رأيته في " كتابه " مستقبل " بالميم " ، وبها تتم الحجة ، وليست هذه اللفظة في مسلم ، [ ص: 120 ] مما تتبعته من نسخه انتهى .

قال الشيخ : وتعلق الآخرون بما أخرجه البيهقي . عن عيسى الحناط ، قال : قلت للشعبي : إني أعجب من اختلاف أبي هريرة وابن عمر ، قال نافع ، { عن ابن عمر : دخلت بيت حفصة ، فجاءت التفاتة ، فرأيت كنيف رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبل القبلة ، وقال أبو هريرة : إذا أتى أحدكم الغائط ، فلا يستقبل القبلة ، ولا يستدبرها }.

قال الشعبي : صدقا جميعا ، أما قول أبي هريرة ، فهو في الصحراء : إن لله عبادا : ملائكة وجنا ، يصلون ، فلا يستقبلهم أحد ببول ولا غائط ، ولا يستدبرهم ، وأما كنفهم هذه ، فإنما هي بيوت بنيت لا قبلة فيها ، قال البيهقي : وعيسى هذا : هو ابن ميسرة ، وهو ضعيف ، قال الشيخ : وعيسى هذا ، يقال فيه : الحناط " بحاء مهملة ونون " ويقال فيه : الخباط " بخاء معجمة وموحدة " ، ويقال فيه : الخياط " بخاء معجمة وياء وطاء آخر الحروف " ، وحديث عيسى هذا اختصره ابن ماجه ، ليس فيه ما قصدناه .

أحاديث الرخصة : أخرج الجماعة عن واسع بن حبان { عن ابن عمر ، أنه كان يقول : إن ناسا يقولون : إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ، ولا بيت المقدس ، قال عبد الله : فلقد ارتقيت على ظهر بيت لنا ، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته }وهو في لفظ الترمذي : { مستقبل الشام ، مستدبر الكعبة }.

{ حديث آخر } : أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح عن مجاهد بن جبر عن جابر بن عبد الله ، قال : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستقبل القبلة ، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها }. انتهى .

وأخرجه ابن حبان في " صحيحه " في القسم الثاني والحاكم في " المستدرك " ، والدارقطني ، ثم البيهقي في " سننهما [ ص: 121 ] ، وعندهم الأربعة : حدثني أبان بن صالح ، فزالت تهمة التدليس ، لفظهم فيه : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهانا أن نستقبل القبلة ، أو نستدبرها بفروجنا ، إذا أهرقنا الماء ، ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة }. انتهى .

وأبان بن صالح ، وثقه المزكون : يحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم ، وقال الترمذي في " العلل الكبير " : سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث ، فقال : حديث صحيح . انتهى .

{ حديث آخر } : أخرجه ابن ماجه عن حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت عن عراك عن عائشة ، قالت : { ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم قوم يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة ، فقال : أراهم قد فعلوها ، أستقبل بمقعدتي القبلة }. قال في " الإمام " : قال الأثرم : قال أحمد بن حنبل : أحسن ما في الرخصة حديث عائشة ، وإن كان مرسلا ، فإن مخرجه حسن ، قلت له : فإن عراكا يرويه مرة ، ويقول : سمعت عائشة ، فأنكره ، وقال : من أين سمع عراك عائشة بما يروي عن عروة عنها ؟ ، وحكى ابن أبي حاتم في " المراسيل " عن أحمد ، قال : رواه غير واحد عن خالد الحذاء ، ليس فيه : سمعت ، وهكذا رواه غير واحد عن حماد بن سلمة ، ليس فيه : سمعت ، قال الشيخ : وقد ذكر عن موسى بن هارون مثل ما حكي عن أحمد في هذا ، ولعراك أحاديث عديدة عن عروة عن عائشة ، قال : ولكن لقائل أن يقول : إذا كان الراوي عنه ، قوله : سمعت ثقة ، فهو مقدم ، لاحتمال أنه لقي الشيخ بعد ذلك ، فحدثه ، إذا كان ممن يمكن لقاؤه ، وقد ذكروا سماع عراك من أبي هريرة ، ولم ينكروه ، وأبو هريرة توفي هو وعائشة في سنة واحدة ، فلا يبعد سماعه من عائشة ، مع كونهما في بلدة واحدة ، ولعل هذا هو الذي أوجب لمسلم أن أخرج في " صحيحه " حديث عراك عن عائشة ، من رواية يزيد بن أبي زياد ، مولى ابن عباس عن عراك عن عائشة : جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها ، الحديث .

وبعد هذا كله ، فقد وقعت لنا رواية صريحة بسماعه من غير جهة حماد بن سلمة التي أنكرها أحمد ، أخرجها الدارقطني عن علي بن عاصم عن خالد الحذاء ، وفيه : فقال عراك : حدثتني عائشة { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه قول الناس أمر بمقعدته ، فاستقبل بها القبلة }. انتهى . وقال الحازمي في " كتابه الناسخ والمنسوخ " : [ ص: 122 ] اختلف أهل العلم في ذلك ، على ثلاثة أقوال : فصنف : كرهوه مطلقا ، منهم : مجاهد والنخعي وأبو حنيفة ، وأخذوا بحديث أبي أيوب . وحديث أبي هريرة ، وقد تقدما . وصنف : رخصوه ، وهي مطلقا ، وهم فرقتان : فرقة : طرحوا الأحاديث لتعارضها ، ورجعوا إلى الأصل في الأشياء ، وهي الإباحة ، ومنهم من ادعى النسخ بحديث ابن عمر وجابر ، وقد تقدما ، وبحديث عراك أيضا .

والصنف الثالث : فصلوا ، فكرهوه في الصحاري دون البنيان ، ومنهم الشعبي ، وأحمد . والشافعي واحتجوا بحديث أخرجه أبو داود في " سننه " عن الحسن بن ذكوان عن { مروان الأصفر ، قال : رأيت ابن عمر أناخ راحلته ، وجلس يبول إليها ، فقلت : أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن هذا ؟ ، قال : بلى ، إنما نهي عن ذلك في الفضاء ، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك ، فلا بأس }. انتهى .

وهذا رواه ابن خزيمة في " صحيحه " والحاكم في " المستدرك " ، وقال : على شرط البخاري ، وفي نسخة . على شرط البخاري ، وفي نسخة : على شرط مسلم ، والحسن بن ذكوان ، وإن كان أخرج له البخاري ، فقد تكلم فيه غير واحد ، فكذلك قال الحازمي : هو حديث حسن انتهى .

التالي السابق


الخدمات العلمية